العنوان بين يدي المسيح
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1973
مشاهدات 15
نشر في العدد 132
نشر في الصفحة 13
الثلاثاء 02-يناير-1973
- مكانة مريم وعيسى عليهما السلام في القرآن الكريم
- لا
يكتمل إيماننا إلا بالإيمان بالأنبياء جميعًا.
- الغرب
استغل المسيحية وبرر بها أطماعه.
- القلب
المؤمن يحب.. ولا يكره.. ولا يحقد.
في العدد الماضي وعدنا القراء بتقديم ندوة جمعية الأطباء «بين يدي المسيح» عليه السلام.
والـندوة ولتقديمها اليوم أكثر من معنى:
- فالندوة
نموذج طيب يوضح ضرورة الإيمان بالأنبياء والرسل جميعًا.. حتى يكتمل الإيمان..
ويصدق اليقين.
- والندوة
تحية إيمانية للسيد المسيح عليه السلام في ميلاده.
- والندوة
تنبيه للوعي الديني بأن القوى المستغِلَّة.. إنما تستغل الدين لمطامعها
ومصالحها.. وتريد أن تجعل أهل الكتاب وقودًا لمطامعها.
- وفي
الندوة ارتقاء بمعنى تكريم الأنبياء فقد درج أتباع المسيح- وشاركهم مسلمون مع
الأسف- على الاحتفال الذي يُقَام بالخمر.. والرقص والمجون؛ وما بهذه المعاصي
يحتفل بالأنبياء والمرسلين.
المسيح عند المسلمين
د. عصام الشربيني
الإيمان عند المسلمين كما قال الرسول
صلى الله عليه وسلم: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن
بالقدر خيره وشره»،
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ
الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُۚ
وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ
الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: 136). أي إن الإيمان لن يكتمل
إلا بالرسل جميعًا، والإيمان وحدة متكاملة إذا قبلتها كلها وإلا فقد رفضت الكل،
ومن يؤمن ببعض ويكفر ببعض فإن ذلك كفر صراح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ
بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ
وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ
يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا * أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّاۚ
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء: 150-151)
·
فالدين واحد، والديان واحد، والوحي واحد، ورسالة الله إلى البشر التي جاءت
على لسان الأنبياء والرسل واحدة.
·
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ
نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ
وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ
قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَۚ
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا * رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِۚ وَكَانَ
اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 163-165).
·
ويقول في سورة الشورى: ﴿كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الشورى: 3). ثم تتري الآيات إلى قوله
تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: 13).
·
وإذا نظرنا إلى كتب الأديان السماوية جميعا نجدها تشترك في أصول ثلاثة: هي
الإيمان بالله، والعمل الصالح، والإيمان بالبعث بعد الموت والجزاء ﴿إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 62).
·
وفي آية أخرى تجمل هذه الأسس دون ذكر الأمم المختلفة مطلقة: ﴿وَمَن يَعْمَلْ
مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (النساء: 124).
·
ووحدانية الله تعالى كانت جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون لما
جادلهم أهل الكتاب كما أمرهم الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا
أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا
أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 136)، وقوقه تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا
بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ
وَاحِدٌ﴾ (العنكبوت: 46).
·
وقد صور الرسول عليه السلام هذه الوحدة في بيان بديع بسيط في حديثه الصحيح:
«مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فحسنه وأجمله إلا موضع لبنة في زاوية
من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هَلّا وُضِعَتْ هذه اللبنة؟
فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين». أدب جم وتواضع كريم هو خلق النبوة.
·
هذه عقيدة المسلمين بالنسبة للرسل جميعًا، وحدة متكاملة، صفحات من كتاب
واحد. وإذا أردنا أن ننتقل من ذلك إلى منزلة السيد المسيح خاصة نقرأ قول الله
تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ
أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (النساء: 171).. أي من أمره، والله
اصطفى المسيح بن مريم رسولًا ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا
وَمِنَ النَّاسِ﴾ (الحج: 75)، والله أعلم حيث يجعل رسالته.. هذا الاصطفاء لم ينحصر
بالرسالة وإنما سبق ذلك بأجيال من المؤمنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ
وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 33-34).
وكانت مريم حملًا في بطن أمها فنذرتها لله تعالى
وتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا وصنعها على عينه واختار لها نبيًا من
أنبيائه يكفلها ويربيها:
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي
نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا
أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ وَإِنِّي
سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ
الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا
نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا
الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ
هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
(آل عمران: 35-37).
وقد جعل زكريا يدعو الله وهو شیخ کبیر وزوجته عاقر
أن يجعل له ابنًا:
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ
هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ *
فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ
اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا
وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: 38-39).
وإذا أردنا أن ندرك هذه المكانة العالية وهذا
التكريم الكبير في هذه الآيات فإني أذكر قصة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم،
قصة زينب بنت جحش والتي كانت زوجة لزيد بن حارثة ثم تزوجها الرسول صلى الله عليه
وسلم بعد أن طلقها زيد وبعد أن أمره الله سبحانه وتعالى أن يتزوجها، فكانت تباهي
زوجات الرسول عليه السلام وتقول: "ما منكن إلا زوجها أبوه أو أخوه أو وليه،
أما أنا فزوجني الله من فوق سبع سموات"، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ
تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ
عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ
وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ
مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ
فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ
اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (الأحزاب: 37).
وبهذا القياس نفهم قول الله تعالى في مريم:
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا
وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ
وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ
مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل
عمران: 37).
فبلغت ما لم تبلغه امرأة في تاريخ البشر: ﴿وَضَرَبَ
اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ
ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ
وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي
أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ
رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (التحريم: 11-12).
ولعل اللافت أن الله ضرب مثلًا للذين آمنوا وهو
تعبير يشمل الرجال والنساء، وهي منزلة عالية لم تبلغها سيدة إطلاقًا، وقال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ
وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 42).
ثم ننتقل إلى آيات من القرآن عن السيد المسيح؛ فلما
بشر الله به مريم وأتت به قومها تحمله، أظهر الله أول معجزاته بتبرئة أمه وهو في
المهد: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ
شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا
كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن
كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي
بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ
يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ
أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ
الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ (مريم: 27-34).
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ
اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ
النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ
يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ
مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ *
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ * وَرَسُولًا
إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي
أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ
طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي
الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا
تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم
مُّؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ
لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ
هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ (آل عمران: 45-51).
واختلف فيه الناس بين مؤمن وكافر، فنصره الله ورفعه
إليه، قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ *
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ
الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (آل عمران: 54-55).
(«أي: مستوفٍ أجلك في الأرض»).
ولما زاد عنادهم وحاولوا قتله رفعه الله، يقول
تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ
إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا
قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْۚ وَإِنَّ الَّذِينَ
اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا
اتِّبَاعَ الظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِۚ
وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 156-158).
تلك منزلة المسيح في عقيدة المسلمين، ومنزلة أمه
مقتصرًا على النصوص القرآنية. وإذا كانت هناك عاطفة خاصة بين المسيح والمسلمين ففي
أمرين سجلهما القرآن في قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً
لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواۖ وَلَتَجِدَنَّ
أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰۚ
ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾
(المائدة: 82).
والعاطفة الأخرى أن عيسى عليه السلام هو الذي بشر
بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ
مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا
جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (الصف: 6).
وكانت هذه العاطفة وهذه العقيدة تنعكس على تحركات
المسلمين.. وسأقتصر على حادثتين دون إطالة:
- أولاهما:
أن المسلمين لما اشتد عليهم الاضطهاد في مكة هاجروا إلى الحبشة حيث ملك
نصراني يؤمن بالمسيحية فآواهم ورد رسل قريش الذين جاءوا لتسلمهم منه، ولما
مات النجاشي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى صارت هذه الحادثة دليلًا
يحتج به على جواز صلاة الجنازة على الغائب..
- الحادثة
الثانية: هي أنه لما غزا الفرسُ الرومَ وهزموهم
فرح المشركون وقالوا: إن الفرس مثلنا، والروم أهل كتاب مثلكم يا معشر
المسلمين! فبشر الله المسلمين بانتصار الروم، وراهن أبو بكر المشركين على ذلك
قبل تحريم الرهان، ونزل قول الله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي
أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ
سِنِينَۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ
الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ﴾ (الروم: 1-5).
فكانت هذه العقيدة وهذه العاطفة تجاه المسيحيين
تنعكس في شعور المسلمين تجاههم وتنعكس في تصرفاتهم ومعاملاتهم.
الغرب المسيحي في ميزان المسيحية
الأستاذة: جميلة فاضل الخوري
حينما طُلِب إليّ التحدث في هذا الموضوع حاولْتُ
لأول مرة أن أقرأ الإنجيل كاملًا لأقارن بين ما جاء به الإنجيل.. وما يُعمَل به
باسم الإنجيل في العالم الغربي.
فعالمنا اليوم- وأخص منه الغرب المسيحي- قد بلغ
مرتبة عالية في سلم الحضارة، وحلق إنسانه في الفضاء العالي، وحقق الكثير من
الإبداعات.. غير أنه فقد نعمة الإيمان بالله حيث نقاء النفس وحيث الرحمة الإليهية يستمد
منها القوة والعزيمة، واستبدل به الغرور والنزوع إلى الشر الذي يتجلى في إنتاج أسلحة
الدمار ووسائل التخريب.. ناسيا بالطبع أن نهاية هذا العالم- وهو جزء منه- قد يتسبب
فيها صاروخ ذري متعدد الرؤوس والذي يمكن أن يكون ذا نفع عظيم إذا أحسن استعماله في
خير البشرية، وإذا ما اتجهت الإرادة التي أنتجته إلى ناحية الخير، ولكانت قد قضت على
كابوس الرعب والخوف الذي خلفته الأسلحة الذرية والهيدروجينية التي ما وجدت إلا من
أجل الاستغلال والاستعمار.
ونظرة واحدة إلى واقعنا اليوم والتخلف الذي نعيشه
تكشف عنه بشاعة السلوك الغربي الذي جاء إلى بلادنا بعد الحرب الأولى بحجة الانتداب
والوصاية ونهب خيراتها وزرع الوجود الصهيوني في قلب ديارنا وقتل وشرد الكثيرين ثم
تركها فريسة للجهل والفقر والمرض، كأنما المسيحية التي يدينون بها قالت: «عامل
الناس بما لا تريدهم أن يعاملوك به» أو «أقل الضعيف عوضًا عن أن تساعده ليقوى»!
ثم استطردت الأستاذة جميلة فتحدثت عن التفرقة
العنصرية التي مارسها الغرب ضد السود والتي تجافي روح الدعوة التي جاء بها المسيح.
ومن المؤكد أن هذه الكوارث هي نتيجة تأثير الفكر
اليهودي الذي حذر منه السيد المسيح والذي عمل وما زال يعمل في الغرب المسيحي
بجناحيه الغربي والشرقي حتى يتمكن من السيطرة على زمام الأمور على كافة المستويات
وفي جميع مناحيها الهامة.
وقد رأينا المعسكرين الأمريكي والروسي لا يتفقان
على شيء طيلة الفترة بين الحربين إلا على إنشاء وتدعيم دولة إسرائيل في فلسطين
الحبيبة.
فالأمريكيون يغدقون عليها الهبات والأسلحة، والروس
يمدونها بألاف المهاجرين.. ولولا أن بلغ النفوذ اليهودي مداه في الغرب المسيحي لما
رأينا البابا يقف في روما ويطلب من مجمعه المسكوني تبرئة يهود من دم المسيح (لم
يقتل المسيح- بنص القرآن- ولكن خطوة التبرئة تدل على مدى نفوذ التأثير اليهودي على
الغرب المسيحي «المجتمع»).
إن هؤلاء الغربيين اليوم لا يمثلون الزرع الجيد
الذي غَرَسَهُ السيد المسيح.
مسلمون ومسيحيون
د. حسان حتحوت
حينما دعونا إلى هذه الندوة وطلبنا من الكثيرين أن
يشاركون فيها تحفظوا وقالوا إن موضوعها شائك وحساس، فزادنا هذا إصرارا على عقد
الندوة لنثبت أن الأديان ليست صلبة كالحجارة إذا التقت فإنها تقدح الشرار والنار،
ولكن الأديان هي رسالة الله إلى الناس فإن التقت فعلى طاعة الله وعبادته، ونحن
أردنا أن نعرض لهذا الموضوع ولسنا غافلين عن التعصب الديني، ذلك المرض الخبيث،
وأردنا أن نثبت للناس أن الاحتفال بالسيد المسيح لا يكون فقط بالخمر والسكر
والعربدة وارتكاب كل ما نهى عنه المسيح عليه السلام، ولكنه يكون بأن نجلس في رحاب
الله ونتذكر بعضًا من تلك الرسالة التي جاء بها.
نحن كمسلمين لا يتم إسلامنا إلا بالإيمان بالمسيح
وبالإنجيل: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ
إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا
أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (البقرة: 136).
ثم أود أن أنظر إلى هذا الموضوع نظرتين.. نظرة
عقلانية بحتة، ونظرة إلى ما بين أيدينا من النصوص:
- أولًا:
إذا قُدِّر لمجموعة من الناس أن يعيشوا في مكان واحد وعلى قطعة أرض واحدة
وتحت سماء واحدة، فهل يجدر بهم أن يتحابوا ويتعاونوا فيما بينهم لخيرهم جميعًا
ودفاعًا عن أرضهم جميعًا، أم تذهب طاقاتهم إلى الاختلاف والتباغض والصراع حتى
يأتي عدو دخيل ويستولي على ما لديهم في يسر وسهولة ويتركهم إلى مصير بائس
جميعا مسلمين ومسيحيين.. وإن المنطق العقلي يقول إن الذين يبحرون في سفينة
واحدة يتعاونون على الأمواج ولا ينشغلون بالاختلاف حتى لا يغرقوا جميعا ولا
ينجو أحد.
- ثانيا:
أما إذا نظرنا في ما بين أيدينا من النصوص،
فيقول السيد المسيح: «أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم وصلوا من أجل الذين
يسيئون إليكم».
- ويقول القرآن الكريم: ﴿وَلَا
تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
(فصلت: 34). وانظروا ماذا قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقد قال
قبل أن يرى الإسلام مصر: أوصيكم بأقباط مصر خيرا فإن لكم فيهم نسبًا وصهرًا».
·
وقال
القرآن الكريم ﴿لَتَجِدَنَّ
أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ
أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ
قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا
وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (المائدة: 82).
·
وإذا
نظرنا في القواعد الشرعية لوجدناها نظمت العلاقات بينهم على أكمل وأعدل وجه: «لهم
ما لنا وعليك ما علينا»، وأجاز الإسلام للمسلم أن ينشئ أقدس العلاقات مع النصارى
وأن يتزوج المسلم من النصرانية ويتركها على دينها وليس له أن يتدخل في عبادتها.
·
ثم
انتصر الإسلام ووصل إلى مصر التي كان يحكمها الرومان النصارى وأهلها أيضًا نصارى،
ومع اختلاف المذاهب فإن حكام الرومان أرادوا أن يجبروا الأقباط على الأخذ بمذهبهم
بالاضطهاد والتعذيب والقهر، وكان بابا الأقباط «بنيامين» هائمًا في الصحراء
الغربية.. ولما جاء جيش الإسلام وطرد الرومان من مصر جاء قائده بالبابا «بنيامين»
ونَصَّبَهُ على كرسي كنيسته وأعطاه العهد بالحرية الدينية وأن ليس للمسلمين أن
يعتدوا عليهم، وكان ذلك أول ما فعله بعد الفتح.. فكان أن آمن البعض اختيارًا
بالإسلام وظل البقية على دينهم في حماية المسلمين.
·
إن
قلوب المؤمنين أبعد ما تكون عن التعصب الديني؛ لأنها قلوب تعلمت أن تحب ولا تكره
ولا تحقد، لا على إنسان ولا حتى على حيوان؛ علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن
امرأة دخلت النار في هرة لأنها عذبتها، فتلك وصية بالحيوان فكيف بالإنسان؟!
·
إن
التعصب الديني مرض، وفي هذا الزمن الذي انقسم فيه الناس إلى مؤمنين بالله وكافرين
به، يتحتم على المؤمنين أن يقفوا إلى جانب بعضهم متلاحمين ليقفوا ضد المادية
والإلحاد الذي ما فتئ يحارب الدين والمؤمنين.. إن الغرب المسيحي الذي يحاربنا
اليوم باسم المسيحية إنما يفتري على المسيحية، والقائد الصليبي الذي وقف عند قبر
صلاح الدين وقال: «اليوم انتهت الحروب الصليبية» لم يكن يمثل المسيحية، ولكنه يمثل
الجبروت والطغيان الذي خرب على المسيحية سماحتها.
·
فعلينا
جميعًا أن نتوجه إلى الله ونعبد الله، فإن ذلك أدعى إلى التقارب والتحاب، أما الذي يكره
ويحقد فليس من الإسلام في شيء وليس من المسيحية في شيء.