; «لا» لخدمة الأهداف الأمريكية على حساب سيادة باكستان واستقلالها | مجلة المجتمع

العنوان «لا» لخدمة الأهداف الأمريكية على حساب سيادة باكستان واستقلالها

الكاتب سيد منور حسن

تاريخ النشر السبت 30-مايو-2009

مشاهدات 64

نشر في العدد 1854

نشر في الصفحة 32

السبت 30-مايو-2009

  • كرامة البلاد تنتهك يوميًا على أيدي القوات الأمريكية، ولا باكي عليها من السلطات الباكستانية!
  • صداقة أمريكا أسوأ من عداوتها، والعنف لن ينتهي إلا بالقضاء على جميع الأسباب المولدة له.
  • التهديدات التي تواجهها سيادة باكستان واستقلالها تتطلب الأخذ بأحد خيارين: إما الحرية والكرامة وإما التبعية والعبودية.

إن تاريخ العلاقات الأمريكية الباكستانية يعود إلى عام ١٩٤٧م، حينما قرر رئيس الوزراء الباكستاني الأول «لياقت علي خان» رفض دعوة حكومة الاتحاد السوفييتي آنذاك لزيارته، وكان يقوم بزيارة الولايات المتحدة الأمريكية لتكوين علاقات الصداقة والمحبة معها، ومنذ ذلك اليوم فإن باكستان أصبحت قاعدة لخدمة المصالح الأمريكية في المنطقة.

ولا شك بأن العداوة في علاقات الدول أمر غير محمود إلا أن صداقة الولايات المتحدة الأمريكية أسوأ من عداوتها، وذلك لأنها دائمًا تتخذها أداة للغدر والخداع عند الحاجة إليها، وتاريخ صداقة الولايات المتحدة الأمريكية مع باكستان خير شاهد على ذلك، فمثلًا حينما قامت الهند بشن الحرب ضد باكستان في عام ۱۹۷۱م، وكانت باكستان في أمس حاجة إلى المساعدة الأمريكية لمواجهة العدوان الهندوسي، فإن أسطولها البحري الذي كان من المفروض أن يصل على الفور لمساعدتها في ذلك الصدد لم يصل، كأنه قد فقد في البحر حين دعت الضرورة الملحة لوجوده، واليوم أيضًا لا تزال تستخدم باكستان لخدمة مصالحها، لكنها في الوقت نفسه تخدم المصالح الهندية وتقوم بإعلان الهند بأنها قوة إقليمية كبرى.

إن الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم باكستان اليوم كأداة في حربها المزعومة لمكافحة الإرهاب، ولكننا نجد حكامنا، مع الأسف الشديد، يقفون معها على قدم وساق على حساب استقلال البلاد وسيادتها، كل يوم نسمع تصريحات أمريكية بأن أرض باكستان قد تستخدم للهجوم على أمريكا، فلابد من القيام بما يلزم من إجراءات لمكافحة الإرهاب لإيقاف هذه الحرب. بل ما هو أكثر من ذلك، توجه الولايات المتحدة الاتهام إلى الجيش الباكستاني وعلى رأسه الجناح الاستخباراتي بأنه متورط في علاقات سرية مع «طالبان» أو من تسميهم الإرهابيين.

وإذا استمر الحال كما هو الآن، فإننا نخشى أن تتهم رئيس الوزراء الباكستاني بالاتهامات نفسها غدًا.

وفي الحقيقة، إن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش حالة إحباط نفسي وخيبة أمل شديدين نتيجة للحرب المدمرة التي بدأتها باسم مكافحة الإرهاب، وترغب أن تكسب باكستان فوزًا لها في هذه الحرب التي خسرتها في أفغانستان على أيدي طالبان. إن سلسلة زيارات مسؤولي الولايات المتحدة الأمريكية من الدرجة الثالثة لا تنقطع، يعقدون الاجتماعات واللقاءات مع من يرغبون سعيًا منهم لتعيين عملاء للاستخبارات المركزية الأمريكية (C.I.A) في كل محافظات باكستان تحت ستار الدعم الاقتصادي والإشراف على صرف المبالغ، ولا يوجد في الحكومة الباكستانية من يتكلم مع الإدارة الأمريكية ويخبرها بأنها لن تنجح في الحرب الأفغانية التي يعارضها ٤٢٪ من المواطنين الأمريكيين أنفسهم. 

إن الولايات المتحدة تواجه حاليًا هزيمة فاجعة في أفغانستان وتجر هذه الحرب إلى أراض باكستانية لتربح خسارتها أمام المجتمع الدولي، ومراكز الأبحاث والدراسات في الولايات المتحدة الأمريكية -بنفوذ من اللوبي الصهيوني- تقوم بإعداد الدراسات والتقارير المزورة منذ فترة غير قصيرة التي تفيد بأن المناطق البشتونية الباكستانية الواقعة على الحدود بين باكستان وأفغانستان هي أصل المشكلة، من أجل ذلك لابد من تدميرها. بينما تدعي هذه المراكز أن عدم تعاون الحكومة مع الإدارة الأمريكية في الحرب ضد الإرهاب المزعوم قد يؤدي إلى تجزئة باكستان -لا سمح الله تعالى- خلال فترة لا تتجاوز أشهرا معدودة؛ حسب زعمهم. وفي ذلك الصدد لا نستبعد أن تتزايد العمليات الإرهابية في باكستان وتتورط فيها اليد الخفية الأمريكية، كمحاولة منها لإقناع الشعب الباكستاني وقيادته -ولا سيما في إقليم بنجاب- بأن هذه الحرب هي حرب باكستانية وليست حربا أمريكية، لذلك يتوجب عليهم مد يد العون والتعاون للمشاركة فيها. 

والحقيقة التاريخية التي لابد ألا تغيب عن الولايات المتحدة الأمريكية وأصدقائها أن هذه الحرب لن تفوز بها الولايات المتحدة الأمريكية قط، وينبغي لها ألا تنسى ما حصل لبريطانيا التي كانت القوة العظمى بالأمس على أيدي هؤلاء البشتون.

وكما لا يخفى على أحد فإن «طالبان» تمكنت من تشكيل حكومة آمنة على أراض أفغانية، كما أن حكامها تمكنوا من نشر الفضيلة والأمن حتى أنهم قاموا باستلام الأسلحة من عامة الشعب، وذلك أول مرة في تاريخ أفغانستان، كما أنهم تمكنوا من حظر زراعة الأفيون والحشيش بأوامر الدولة وشاهد العالم تنفيذ هذه الأوامر الصادقة على كل أراضي أفغانستان. 

إن باكستان من الدول التي اعترفت بحكومة «طالبان» في الوقت الذي قامت فيه الولايات المتحدة الأمريكية بإعلان الحرب ضد أفغانستان تحت مبرر مكافحة الإرهاب في عام ٢٠٠١م، ثم فوجئنا بالحكومة الباكستانية تضرب بكل الالتزامات الدبلوماسية والمعاهدات الدولية عرض الحائط، ودخلت في التحالف الدولي المزعوم لمكافحة الإرهاب، حتى أنها قامت بتسليم الملا «عمر ضعيف» سفير أفغانستان في باكستان إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كما قدمت تسهيلات استخباراتية ولوجستية فضلا عن توفير المطارات، إضافة إلى إرسال أكثر من مائة ألف جندي في جحيم الحرب الأمريكية.

وجدير بالذكر أن قوات «طالبان» لم تقم بأي عملية عسكرية داخل الأراضي الباكستانية؛ حتى ترسل الحكومة الباكستانية مائة ألف جندي إلى هذه المناطق التي أصدر مؤسس باكستان «محمد علي جناح» أوامره بسحب القوات الباكستانية منها عام ١٩٤٧م، وجدير بالذكر أن باكستان لم تشهد أية عملية استشهادية أو فدائية، أو أي نوع من أنواع الإرهاب قبل ٢٠٠٦م، مع أن الحرب الأمريكية في أفغانستان قد بدأت في عام ۲۰۰۱م، وذلك لأن المناطق القبلية في باكستان لم تتعرض للهجمات المباشرة من قبل القوات الأمريكية خلال تلك الفترة. 

ولكن بعدما قامت قوات الاحتلال الأمريكي بعمليات إرهاب الدولة ضد سكان هذه المناطق لم يبق أمام المتضررين أي خيار إلا أن يقوموا بما يطلق عليه العمليات الفدائية أو الإرهابية، وذلك لأن هذه العمليات هي السلاح الوحيد الذي يملكه سكان هذه المناطق. ومن العجيب أن الضجة الإعلامية الكبرى ضد هذه العمليات، تقابل بصمت وسكوت على العمليات العسكرية الأمريكية التي أدت إلى هذا الموقف، إن الإرهاب لا يمكن أن ينتهي إلا بالقضاء التام على الأسباب المولدة له. 

إن القرار البرلماني المتفق عليه كان يتطلب بدء الحوار مع القبائل وسحب القوات المسلحة من هذه المناطق، ولكنه لا يزال يحتاج إلى خطوات جادة للتنفيذ.

وهكذا فإن ذلك القرار أيضًا يؤكد المطالبة بإيقاف هجمات طائرات «درون أمريكية»، ورغم ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تواصل هذه الهجمات المدمرة، بل ما هو أكثر من ذلك فإنها لا تزال تعلن عن نواياها التوسع في دائرتها حتى تشمل إقليم بلوشستان أيضًا.

وهكذا فإن سيادة البلاد وكرامتها تنتهك يوميًا على أيدي القوات الأمريكية، فلا باكي عليها من الحكام أو من يقوم مقامهم. إن عدد ضحايا هذه الهجمات يتجاوز مئات القتلى من المدنيين الأبرياء؛ الأطفال والشيوخ، والنساء على حد سواء، وذلك إضافة إلى تدمير المنازل والمتاجر، لا لذنب إلا لأننا نقف مع الولايات المتحدة الأمريكية في حربها المزعومة لمكافحة الإرهاب.

ومما زاد الطين بلة أن طائرات «درون» الأمريكية تستخدم مطارات باكستانية لقتل وسفك دماء مواطنيها الأبرياء، وأن (۱۷۰) مليونًا من سكان هذه المناطق أصبحوا ضحية للعمليات الإرهابية الأمريكية، حيث يتم القبض على من ترغب فيه المخابرات الأمريكية بتعاون وتنسيق من الأجهزة الأمنية المحلية، دون الرجوع إلى المحاكم بشأنهم. وما هو أكثر من ذلك، فإن هذه الطائرات التي تستخدم أراضينا قد تقوم بالتجسس على مفاعلاتنا النووية والصاروخية، وتركيباتنا الدفاعية وستقوم باستهدافها عندما ترى ذلك مفيدًا لمصالحها، وما هو أكثر خطورة من ذلك، فإن هذه المعلومات لا يمكن أن تبقى سرًا لدى الولايات المتحدة الأمريكية بل إنها ستصل إلى الهند و«إسرائيل» على الفور. ولا شك بأن موقف وزير الخارجية الباكستانية الحالي هو أفضل من موقف وزير الخارجية السابق في ذلك الصدد، إلا أنه إذا لم يفعل شيئًا لردعها فإن الشعب قد يفهم من ذلك بأن ما هو إلا لخداع المواطنين، والحقيقة هي إذا كانت الحكومة جادة في إيقاف هجمات طائرات «درون الأمريكية» على المناطق القبلية، فعليها أن تقوم بخطوات عملية لمنع استخدام أراضيها لوقوف هذه الطائرات وإقلاعها وهبوطها. 

وأما ما يخص المبادرة الحكومية لتوقيع معاهدة الأمن في منطقة «سوات» لإقليم الحدود الشمالية فلا ينكره إلا الأحمق أو الذي يرغب في الفساد الأمني، وإن أولى بشائر هذه المعاهدة ظهرت حينما فتحت الأسواق والمتاجر والمداراس في منطقة «سوات» وعادت الحياة إلى طبيعتها. ولكن الولايات المتحدة الأمريكية ومن يقف معها لا يريدون ذلك لأنه يتنافى مع المصالح الأمريكية في المنطقة.

وأما ما يخص المسرحية التي أذيعت في الإعلام المرئي والمقروء قبل أيام متزامنة مع كلمة الرئيس الأمريكي «أوباما» حول الأوضاع في أفغانستان وباكستان، فإنها ليست إلا محاولة فاشلة من قبل هذه القوى العدائية التي لا ترغب في أن يسود الأمن والسلام باكستان، وأكبر شهادة على أن هذه المسرحية مزورة هي أن مئات الآلاف من المواطنين في «سوات» قاموا بتنظيم مسيرات احتجاجية على ذلك، قائلين: إن هذا النوع من الحادث لجلد المرأة على مسمع ومرأى من الناس لم يحدث على الإطلاق في منطقة «سوات». 

وهنا يأتي السؤال للمنظمات غير الحكومية التي أقامت هذه الضجة الإعلامية ضد هذا الحادث المزعوم لماذا تصمت وتسكت على ما يحصل في المناطق القبلية نتيجة لهجمات طائرات «درون الأمريكية» من قتل وتشريد الأطفال والنساء والشيوخ ليلًا ونهارًا، إضافة إلى إجبار السكان على هجرة مساكنهم في ظروف جوية قاهرة؟

إن هذه المؤسسات غير الحكومية التي تعمل باسم حقوق الإنسان لم تتكلم في قضية دكتورة «عافية صديقي»، أليست من بني جلدتنا؟ وأليست أمها العجوز تحتاج إلى التضامن معها؟ أين كانت هذه المنظمات الحقوقية خلال العمليات العسكرية ضد طالبات «جامعة حفصة» في إسلام آباد؟ أين كان هؤلاء حينما قام بعض وزراء الحكومة الفيدرالية والإقليمية بإحراق عدد من المحاميات في مكاتبهن في كراتشي في ٩/ ٤/ ٢٠٠٨م؟

يجب أن تكون هناك تحريات جنائية عاجلة لهذه الجريمة البشعة للحكم على الجناة ليكون رادعًا وعبرة للآخرين. 

إن التهديدات التي تواجهها سيادة البلاد واستقلالها تتطلب منا الأخذ بأحد خيارين لا ثالث لهما: إما الحرية والسيادة والكرامة، وإما العبودية. إن اللوبي الأمريكي المسيطر على الوضع في باكستان يسعى إلى أن يختار العبودية على سيادة البلاد وحريتها وكرامتها، ولكن الشعب يعرف ذلك اللوبي جيدًا، ولن يسمح له بخدمة الأهداف الأمريكية على حساب مصالح البلاد وسيادتها. 

إن الشعب الباكستاني بعد كل ذلك قد وصل إلى النتيجة بأنه قد حان الوقت لأن تقوم الحكومة بإعادة النظر في قرار التعاون والوقوف مع الولايات المتحدة الأمريكية في حربها لمكافحة الإرهاب من جديد، وأن تعلن بكل صراحة أنها لن تسمح لهجمات طائرات  درون الأمريكية» بعد اليوم بالتحليق في سمائها. فإذا كانت الحكومة لا تملك القدرة والقوة لذلك، فالشعب نفسه سيتخذ ذلك القرار. 

وفي ذلك الصدد نحن اليوم بحاجة أكثر من الماضي لتوحيد صفوفنا لإعلان البراءة من التعاون العسكري واللوجستي للولايات المتحدة الأمريكية في حربها الصليبية المدمرة، وهذا الأمر يحتاج إلى أن الشعب الباكستاني بكل أطيافه وفئاته يتخذ موقفًا حاسمًا من هذه الحرب، وذلك للتخلص مما نحن فيه من مشكلات أمنية خطيرة، ولن ننجح في ذلك إلا بالاهتمام بما يلي: 

  • إعلان البراءة من الحرب الأمريكية المزعومة لمكافحة الإرهاب.
  • وقف الدعم اللوجستي والفني للولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد أفغانستان والمناطق القبلية.
  • تصفية المطارات من طائرات وتنصيبات أجنبية ولا سيما الأمريكية.
  • سحب القوات من الناطق الحدودية مع تشجيع الحوار الهادف لإنهاء المشكلة. إذا لم نفعل ذلك فإننا سوف ننتظر قبول عبودية أمريكا مثلما حصل لنا في أيام الإنجليز.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 13

143

الثلاثاء 09-يونيو-1970

يوميات المجتمع - العدد 13

نشر في العدد 342

537

الثلاثاء 22-مارس-1977

ماذا في الباكستان؟

نشر في العدد 343

102

الثلاثاء 29-مارس-1977

ما قل ودل يكتبها صادق (343)