; •لا تنسنا يا أخي من دعائك | مجلة المجتمع

العنوان •لا تنسنا يا أخي من دعائك

الكاتب إيمان العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يونيو-1990

مشاهدات 318

نشر في العدد 972

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 26-يونيو-1990

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فإنه لمن دواعي الأسف والحزن أن نرى في هذه الفترة العصيبة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم من يحاول أن يبث البلبلة في أفكار المسلمين وإشغالهم بجزئيات وفروع قد لا تكون حتى في مرتبة السنن أو المستحبات، فيغفلون بذلك عن إدراك الأولويات، ويغفلون عن عدونا الذي يتربص بنا في كل مكان ليقضي علينا، ومن آخر ما بثه هؤلاء المشوشون هو عدم جواز طلب المؤمن الدعاء من أخيه المؤمن، ونحن إذ نقترب من موسم الحج، فنرى كثيرًا من الإخوة والأخوات يطلبون الدعاء من إخوتهم الذاهبين إلى الحج.

 فتأتي أخت مؤمنة تقول لأختها: لا تنسي أن تدعي لي وأنت في الحرمين، فترد عليها: ادعي لنفسك، فطلب الدعاء لا يجوز وفيه مذلة لك.

فترد الأخت الأولى: ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من الفاروق أن يدعو له عندما ذهب للعمرة، فترد عليها بسرعة عجيبة: هذا حديث ضعيف.

نعم، والله، لقد أصبح هذا الأمر من أسهل الأمور، فالجميع يفتي، ويحكم على الأحاديث بالصحة والضعف ولو كانت بضاعته محدودة وحفظه لا يتجاوز طائفة من الأحاديث، وبدون أن يبحث إن كانت هناك أحاديث أخرى تقوي الحديث الذي حكم عليه بالضعف، أو تقوي المعنى الذي دل عليه. وفي هذا المقال سأحاول إيضاح هذا الأمر «طلب الدعاء من المؤمنين» إن شاء الله. وأدعو الله تعالى أن يغفر لنا الزلل ويعيننا على رؤية الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.

روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة، فأذن لي وقال: «لا تنسنا يا أخي من دعائك»، فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. وقد ورد هذا الحديث بألفاظ أخرى متقاربة مثل «يا أخي أشركنا في صالح دعائك ولا تنسنا» و«وأشركنا يا أخي في دعائك» و«أي أخي أشركنا في دعائك ولا تنسنا» و«يا أخي أشركنا في شيء من دعائك ولا تنسنا» و«يا أخي ادع ولا تنسنا من صالح الدعاء». وقد رواه أصحاب السنن أبو داود والترمذي وابن ماجه كما رواه الإمام أحمد في مسنده والبزار وأبو يعلى في مسنديهما، وابن السني في عمل اليوم والليلة والبغوي في شرح السنة وابن الجوزي في الصفوة والحافظ السلفي وعلي بن حرب الطائي في الحربيات.

وجميع هؤلاء رووه من طريق عاصم بن عبيد الله وقد كثر الكلام عنه حيث وثقه البعض وضعفه الأكثرون.

فقد قال الهيثمي: «فيه كلام كثير لغفلته وقد وثق»، لكنه قال في موضع آخر: هو ضعيف. وقال ابن عدي: «روى عنه الثوري وابن عيينة وشعبة وغيرهم من ثقات الناس، وقد احتمله الناس، وهو مع ضعفه يكتب حديثه».

إذن فحديثه يؤخذ به في المتابعات والشواهد، ومع هذا فقد قال الترمذي عن الحديث: هذا حديث حسن صحيح.

وتردد ابن تيمية في تصحيحه لكنه استشهد به.

أما الشيخ الألباني فقد ضعفه. وذكره الإمام النووي في الأذكار النووية، وجعله في باب «استحباب وصية المقيم للمسافر بالدعاء له في مواطن الخير، ولو كان المقيم أفضل من المسافر» كما جعله في باب «استحباب طلب الدعاء من أهل الفضل وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه» وقال: «اعلم أن الأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصر، وهو مجمع عليه».

ويؤيد كلام الإمام النووي الأحاديث الصحيحة التي سأذكرها إن شاء الله. ففي صحيح مسلم 4/2094 عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، وكانت تحته ابنة أبي الدرداء، فأتاها فوجد أم الدرداء، ولم يجد أبا الدرداء، فقالت له: تريد الحج العام؟ قال: نعم. قالت: فادع الله لنا بخير. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «دعوة المرء مستجابة لأخيه بظهر الغيب عند رأسه ملك يؤمن على دعائه كلما دعا له بخير قال: آمين، ولك بمثله» قال: ثم خرجت إلى السوق فلقيت أبا الدرداء، فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك. وها نحن نرى أن أم الدرداء طلبت من صفوان أن يدعو لها بخير حين يذهب للحج. ولو علمت أن في هذا الأمر أدنى بأس ما فعلته. وأيضًا في صحيح مسلم 4/1968-1969 عن أسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه إمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتي على أويس، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم. قال: من مراد ثم من مزن؟ قال: نعم. قال: فكان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم. قال لك والدة؟ قال: نعم. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع إمداد أهل اليمن من مراد ثم من مزن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل»، فاستغفر لي. فاستغفر له. فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة. قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي. قال: فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم «أي من أشراف قبيلة أويس» فوافق عمر «أي صادفه والتقى به» فسأله عن أويس قال: تركته رث البيت قليل المتاع، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر...» فذكر له الحديث. فأتى أويسًا فقال: استغفر لي. قال: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح فاستغفر لي. قال: استغفر لي. قال: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح فاستغفر لي. قال: لقيت عمر؟ قال: نعم. فاستغفر له. ففطن له الناس فانطلق على وجهه. وبسند آخر أيضًا في صحيح مسلم روى سعيد الجريري عن عمر بن الخطاب قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم».

النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه يقول: مروه فليستغفر لكم. فهل من العدل أن نقول بعد ذلك طلب الدعاء من المؤمنين لا يجوز؟! أعوذ بالله أن نكون من الجاهلين. وهنالك أحاديث أخرى عديدة تثبت مشروعية طلب الدعاء، ولكنها لا تخلو من مقال يقدح في صحتها، وإن كانت الأحاديث الصحيحة التي ذكرتها تثبت صحة ما ورد فيها، منها: حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا لقيت الحاج فسلم عليه وصافحه ومره «أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته فإنه مغفور له» رواه أحمد وحسنه السيوطي، إلا أنه ضعف لأن فيه محمد بن البيلماني وهو ضعيف وحديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخلت على مريض فمره فليدع لك، فإن دعاءه كدعاء الملائكة» رواه ابن ماجه وابن السلمي وهو ضعيف لأن فيه انقطاع. وحديث أبي هريرة رفعه «إذا أراد أحدكم سفرًا فليسلم على إخوانه فإنهم يزيدونه بدعائهم إلى دعائه خيرًا» أخرجه الطبراني في الأوسط وفيه يحيى بن العلاء البجلي وهو ضعيف ورمي بالوضع كما رواه أبو يعلى عن عمرو بن الحصين وهو ضعيف، بل متروك الحديث. ورغم ضعف هذه الأحاديث فإن معانيها صحيحة دلت عليها الأحاديث الصحيحة التي ذكرتها، والتي تثبت جواز طلب الدعاء من المؤمنين. ونختم إن شاء الله بفقه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث يقول في كتابه «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة»: «بل طلب الدعاء مشروع من كل مؤمن لكل مؤمن، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر لما استأذنه في العمرة: «لا تنسنا يا أخي من دعائك» إن صح الحديث وحتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب من أويس القرني أن يستغفر للطالب وإن كان الطالب أفضل من أويس بكثير». ثم قال في فقرة أخرى: «وذلك أن المخلوق يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه... والمخلوق قادر على دعاء الله ومسألته، فلهذا كان طلب الدعاء جائزًا كما يطلب منه الأمانة بما يقدر عليه والأفعال التي يقدر عليها، فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يجوز أن يطلب إلا من الله سبحانه...». ويقول رحمه الله: «من عمل خيرًا مع المخلوقين سواء كان المخلوق نبيًّا أو رجلًا صالحًا أو ملكًا من الملوك أو غنيًّا من الأغنياء فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ذلك خالصًا لله يبغي به وجه الله، لا يطلب به من المخلوق جزاء ولا دعاء ولا غيره...» وهذا كلام جميل يحث على أن يكون عمل الخير خالصًا لوجه الله تعالى ليس بغرض طلب الدعاء من الغير، وهذا قول لا يتعارض إن شاء الله مع مشروعية طلب الدعاء من المؤمنين بدون عمل معروف لهم، بل يطلب الدعاء بنية أن ينتفع المؤمن بدعاء أخيه له كما ينتفع الداعي لأنه سينال الثواب من الله بدعائه لأخيه. وبعد، فأرجو أن يكون الأمر قد اتضح والحمد لله رب العالمين. فالأمر جائز ومشروع، بل قد حسنه واستحبه بعض العلماء، فلا داعي لبلبلة الأفكار والخوض في هذه الأمور والمراء.

وكلمة أخيرة أهمس بها لأولئك الذين يشغلون أنفسهم وغيرهم بأمور ثانوية، وينشغلون عن أمور عظام: إخوتي وأخواتي... إن المسلمين يذبحون ويضطهدون في جميع أنحاء العالم... أفغانستان، فلسطين، وليبيريا، الفلبين، السودان، لبنان، بلغاريا، يوغوسلافيا... وإن الأعداء، جميع أعداء الإسلام يتحدون معًا، عدوهم مع صديقهم، ويخططون ويدبرون للقضاء على الإسلام... وإن من خططهم تحريضنا ضد بعضنا، وإثارتنا وتوجيهنا صوب مشكلات هامشية جزئية يشغلوننا بها، ليتفردوا هم بفعل ما يشاءون... فهل نفسح لهم الطريق؟ هل نفتح لهم الثغرات تلو الثغرات فينالون منا ومن ديننا؟ أرجو أن ننتبه والله يهدي إلى سواء السبيل. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

الرابط المختصر :