; الصومال: إلا الإثيوبيين..يا شيخ شريف! | مجلة المجتمع

العنوان الصومال: إلا الإثيوبيين..يا شيخ شريف!

الكاتب د. محمد يوسف عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 11-يوليو-2009

مشاهدات 88

نشر في العدد 1860

نشر في الصفحة 28

السبت 11-يوليو-2009

  • على من يدعو القوات الحبشية أن يجد وسائل أخرى لحماية نفسه..فإن لم يجد فعليه مغادرة مكانه وترك الأمر لغير عبرة من التاريخ.
  • دعوة القوات الإثيوبية جريمة كبرى لا تُغتفر.. وخطأ استراتيجي لا يُحتمل.. وشؤم لاينجو مِن آثاره مَن اقترفه.
  • دماء الشهداء لم تجف وجراح المصابين لم تلتئم بعد.. والأحياء السكنية المدمرة لم تتم إعادة إعمارها حتى الآن.

للأمم ثوابت ومسلمات لا يقبل مسها، وللدول خطوط حمراء ومناطق محظورة لا يسمح باقتحامها، وللشعوب تقاليد محفوظة وأعراف مرعية.. وكل هذه القيم مجتمعة تنطق صارخة لدى الشعب الصومالي كافة بكلمة واحدة لا يجوز أن يختلف عليها اثنان.. لا للقوات الحبشية (الإثيوبية)، وألف لا لدعوة العدو التقليدي مهما تكن الأسباب والدواعي وراء هذه الدعوة.

وعلى من يدعو القوات الحبشية إلى التدخل في الصومال أن يجد وسائل أخرى الحماية نفسه أو حماية ما يريد أن يحميه، فإن لم يجد فعليه أن يغادر المكان ويترك الأمر لغيره ممن هو أجدر منه، ويستطيع أن يبتكر حلولًا أخرى غير اللجوء إلى من لا يجوز اللجوء إليه كالمستجير من الرمضاء بالنار!

كيف؟ وكيف؟

إن دماء الشهداء التي أريقت من قبل الجيش الحبشي لم تجف بعد، وجراح المصابين لم تلتئم حتى الآن، والأطفال الذين أرعبهم دوي الانفجارات الحبشية في شوارع العاصمة وغيرها من المدن الصومالية الأخرى لم يهدأ لهم بال، والأحياء السكنية التي تهدمت بفعل القذائف الصاروخية الحبشية على رؤوس سكانها لم تتم إعادة إعمارها، بل لم يتوافر إزالة أنقاضها بعد.. فكيف لأحد –كائنا من كان –أن يدعو تلك القوات لاستكمال ما بدأته في غزوها السابق من قتل وتشريد وهدم؟ بل وكيف يتسنى للرئيس الصومالي «شيخ شريف شيخ أحمد»، أن يفعل ذلك، ودعواته بالأمس القريب الشعب الصومالي إلى النفير العام والجهاد المقدس ضد تلك القوات التي دخلت البلاد بحجة دعوة من سبقه إلى الرئاسة لم تزل أصداؤها تتردد في الأسماع؟ كيف يسمح لنفسه بفعل ما كان ينكره على غيره قبل أشهر وليس قبل سنوات؟

وكيف يرتب أوراقه المتناقضة ومواقفه المتضاربة مع الشعب الصومالي ومع العالم أيضا.

لا تنه عن خلق وتأتي مثله  *** عار عليك إذا فعلت عظيم

لا يحتاج المرء هنا أن يكون لديه وفرة من الفلسفة والمنطق أو كثير من الحجج ليثبت أن دعوة القوات الحبشية إلى غزو الصومال مرة أخرى غلطة كبرى لا تغتفر، وجريمة لا ينساها التاريخ، وخطأ استراتيجي لا يحتمل، وشؤم لا ينجو من آثاره من اقترفه.

قرأت في قصص سقوط الأندلس أن شخصًا وعمه تنازعا في الملك على البقية الباقية من الأندلس بعد سقوط معظم المدن الأندلسية في أيدي النصارى، فاستنجد أحدهما بالملك الإفرنجي الزاحف على الآخر،

فلما وصل رسوله إلى الملك الإسباني قيل له: إن رسولًا من الأمير المسلم فلان وصل ويستأذن للدخول وعندما قرأ رسالته التي تدعوه إلى التدخل المساعدة ابن الأخ على عمه، وإرسال جيشه إلى «قرطبة» لهذا الغرض. ضحك ضحكة الفاجر حتى سمعها من في القصر، ونادى مساعديه فقال لهم مبتهجًا إن هذا الرسول يدعوني أن أدخل «قرطبة» التي كنت أجهز الجيوش لدخولها بغير قتال فأكرموا نزله، فوالله لقد جاءني بنبأ سار لم يكن متوقعا عندي.

وأمثال هؤلاء العاجزين هم الذين قال فيهم الشاعر المسلم وهو يتقطع حزنًا:

مما يزهدني في أرض أندلس   ***       أسماء معتمد فيها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها  ***    كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد 

فهل هذا هو ما يجري الآن في الصومال؟

لنقول: ما أشبه الليلة بالبارحة!

أرجو ألا يكون الأمر كذلك، ومعرفتي للوضع وعلمي بكوامن الشعب الصومالي ومفاجآته غير المعتادة تطمئنني أن الوضع لا يصل إلى ما وصل إليه في الأندلس، فبالأمس القريب شهد العالم هزيمة الجيش الحبشي (الإثيوبي) وطريقة انسحابه المهينة.. وأعتقد أن ذاكرة القيادة الحبشية ليست ضعيفة إلى هذه الدرجة حتى تتخدع بهذه الدعوة التي لا تمثل إلا أصحابها .

 الصلح خير

وبعيدًا عن الاستنجاد بالأعداء المتربصين، فإن في يقيني أن الحل بيد الفرقاء الصوماليين الذين عليهم أن يلقوا السلاح، وأن يرحموا العباد، ويحموا البلاد.. وأن يحكموا الشرع، وأن يستعيدوا الوعي، ويوقظوا الضمير، ويتقوا الله.. وأن يتعظوا بمن سبقهم ممن حاول أخذ الأمور بالقوة لا الحوار، وفرض الحلول بالسلاح لا بالصلح (والصلح خير).

فليس من المعقول أن نقتل في كل مرة العشرات والمئات بل والآلاف من بني جلدتنا وأبناء بلدنا، ونهدم أحياء ومدنًا، بل وندعو عدونا لقتل من لم نتمكن من قتله، وهدم ما عجزنا عن هدمه، ثم نعود بعد ذلك إلى المربع الأول كما يقولون: فندعو إلى الحوار والمصالحة وأريد هنا أن أورد قصة وردت في الحديث الشريف، لاستخلاص العبر منها لاسيما من قبل الفرقاء والمتنازعين، وهي أن امرأتين من الأمم الغابرة إحداهما عجوز والأخرى شابة تنازعتا في طفل رضيع، وادعت كل منهما أنه ولدها؛ فوفق الله القاضي بينهما إلى حكم –يوافق ظاهره العدالة، وفي باطنه حكمة بالغة لا يفهمها إلا من ألهمه الله -بشق الولد إلى نصفين؛ فتأخذ كل من المرأتين المتنازعتين نصفه، فوافقت العجوز على ظاهر هذا الحكم فورًا، إلا أن الشابة –حرصًا منها على بقاء الولد على قيد الحياة، وتحت أي ظرف –طلبت من القاضي عدم تنفيذ هذا الحكم، وأعلنت تنازلها عن دعوتها لصالح العجوز ففهم القاضي أن الولد للشابة التي تنازلت عنه ليحيا عند العجوز، وأن العجوز كاذبة في دعواها، ولا تمت للولد بصلة؛ والدليل أن قلب الأم الرحيم لا يمكن أن يوافق على شق ولدها إلى نصفين.

قوات عربية وإسلامية:

وفي مراجعة بسيطة لأركان التشبيه والاستعارة الواردة في علم البلاغة ،الذي هو من أهم أقسام اللغة العربية وآدابها، يتبين للقارئ ما نهدف إليه من وراء ذكر هذه القصة، فبقاء الصومال بين فرقاء صوماليين متشاكسين خير من أن يدعى لها الجيش الحبشي، وتذهب الصومال بذلك إلى غير رجعة لا قدر الله.

وإذا نظرنا إلى الدول المجاورة التي طلب منها رئيس البرلمان الصومالي إرسال قواتها إلى الصومال (كينيا، وجيبوتي، واليمن). فسنجد أن كينيا على رغم أنها دولة زرعها الغرب لتكون معادية للصومال ومتحالفة مع الحبشة (إثيوبيا) وأهدى إليها جزءًا غاليًا من الأراضي الصومالية، إلا أنها دولة ضعيفة لا تملك قوة عسكرية مخيفة، ولولا أنها محمية من الغرب –وخاصة بريطانيا –لهدد كيانها الهش مجموعة  من الشباب الصوماليين الفوضويين، وهي تعرف تمامًا أن الذي بيته من زجاج لا يرمي أحدًا بحجر.

أما اليمن فلا تملك –هي الأخرى –قوة عسكرية ترسلها إلى الصومال، ولديها ما يكفيها من المشكلات الداخلية، مع أنها دولة شقيقة لا يملك الشعب الصومالي أية حساسية منها .. وأما جيبوتي فهي –أيضًا –دولة شقيقة يهمها ما يهم الشعب الصومالي، والعكس بالعكس وثقتنا بها كاملة، حتى إن كثيرًا من الصوماليين يرى أن رئيسها «إسماعيل عمر» في منزلة الزعيم لعموم الصوماليين، ولا مانع أبدًا من أن يتدخل في الشأن الصومالي لأنهمؤتمن عليه .

وإذا كان لابد من الاستعانة بقوات غير صومالية لحفظ السلام، فأعتقد أن القوة الوحيدة التي تتقبلها الغالبية العظمي من الشعب الصومالي هي قوات قادمة من الدول الإسلامية والعربية دون سواها .. فهل توجد من بينها دولة تملك قرارها لترسل قواتها المسلحة العاطلة عن العمل لفرض السلام لا حفظه؛ لإنقاذ بلد عربي مسلم يهمهم أمره، وتربطهم به مصالح أكيدة واستراتيجيات أمنية ووطنية واقتصادية وسواها، أم أن هذه الدول تنتظر إذنًا صريحًا –وليس إشارة من قوى أجنبية مهيمنة لها أجندتها الخاصة في الصومال، كما حدث عام ۱۹۹۳م عندما ذهبت قوات معظم هذه الدول إلى الصومال ضمن تحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ؟!

إلى متى ستظل قراراتنا المصيرية في أيدي الآخرين؟!

الرابط المختصر :