العنوان *كيف نحرر القدس؟
الكاتب محمد سليم منسيري
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يونيو-1990
مشاهدات 79
نشر في العدد 972
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 26-يونيو-1990
·
معركتنا معركة ألف مليون مسلم مع مليوني يهودي.
·
عمل اليهود بكل دهاء على إضعاف الأمة المسلمة
قبل إعلان الحرب عليهم.
لقد استولى على
قلوب كثير منا اليأس، فيرى من المستحيل أو شبه المستحيل تحرير القدس! فقد استولى
علينا الجبن وكنا مضرب الأمثال للشجاعة، وارتقى إلى مكانتنا أشهر الجبناء، ونزلنا
إلى مكانتهم.
لقد تحكم فينا
الوهن، وتمكن منا الخوف، فصرنا نرتجف لمجرد سماع كلمة الحرب، ولا ينطق لساننا إلا
عن السلام وطريق السلام، سلام الجبناء!!
فهل بقي هناك
أمل في تغيير الوضع؟ هل نشهد يومًا نمسح فيه العار عن وجوهنا؟ هل تشرق الشمس على
القدس وهي محررة؟
يستبعده
الكثيرون، لأن تجاربنا السابقة كلها كانت مريرة، ذهبت ببقايا الأمل في القلوب،
ورمت بشظايا اليأس إلى العقول، فهل إلى خروج من سبيل؟ هل من الهلاك المحتم من
مناص؟ لنعرف ذلك لا بد من مراجعة الخطة، لا بد من مراجعة الرصيد، لا بد من مراجعة
القوة.
قبل أن نعد
أنفسنا ينبغي أن نعرف عدونا
ينبغي أن نعرف
عدونا، ينبغي أن نعرف دوافع عدونا، ينبغي أن نعرف أهداف عدونا!
فالسؤال الذي
يطرح نفسه: لماذا أسسوا "إسرائيل" في فلسطين؟ لماذا لم يكن في الولايات
المتحدة؟ وهي مهدهم وموردهم ومقرهم! لماذا لم يكن في أوروبا، في أي بلد من
بلدانها؟ وأعوانهم فيها كثيرون وأنسابهم فيها يهيمون! لماذا لم يكن في الاتحاد
السوفياتي؟ وهم مبتكرو الفكرة الشيوعية، ولهم نفوذ في أتباعها! لماذا لم يكن في
الشرق؟ أو في الغرب؟ في أي مكان آخر غير فلسطين؟
الجواب: لأن
دينهم يأمرهم بذلك. فالقضية ليست كما وهم كثير منا قضية قومية أو عنصرية؛ إنها
قضية دينية! اغتصب اليهود فلسطين لأن دينهم يأمرهم بذلك! طردوا أهلها ويتموا
أبناءها، وانتهكوا حرماتها لأن دينهم يجيز لهم ذلك! خططوا لتوسيعها وأعلنوا
تصميمها -تصميم "إسرائيل" الكبرى- ونشروا خريطتها، لأن كتابهم المقدس
يرشدهم إلى ذلك!
لقد حلوا في
أذهانهم فكرة "إسرائيل"، حلوها كابرًا عن كابر وورثها جيل من جيل لأنها
عقيدتهم، لأنها «أرض الميعاد» عندهم!
خطأ
في تحديد موقع العدو!
لقد أخطأنا في
تحديد اتجاه عدونا! أخطأنا في تحديد دوافعه! أخطأنا في تعيين منطلقه! فلم نتمكن من
إصابته! وطاشت سهامنا يمينًا وشمالًا! لقد حاولنا أن نحل القضية بطرق عديدة!
ظنناها قضية قومية فبحثنا عن حل قومي! ظنناها مشكلة سياسية فسلكنا طريق الحل
السياسي! خلناها قضية استعمارية فذهبنا مذهب التحرر! ولكن القضية بقيت! ومشكلتها
تعقدت! وأحجامها تفاقمت! لأننا أخطأنا في تحديد شخصية القضية! لأنها قضية دينية!
ليت شعري ما الذي جعلها خافية علينا! وهي واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار! لقد
أحيوا لغة كتابهم المقدس بعد أن كانت نسيًا منسيًّا طيلة قرون! لماذا لم يجعلوا
اللغة الرسمية في "إسرائيل" اللغة الإنجليزية مثلًا؟ ألأنهم يجهلون
أهميتها أو ينكرون شيوعها أو يجهلون ريادتها؟ كلا، لأن القضية قضية دينية! لأن
العبرية لغة دينهم! والدين هو الأساس في كل شيء عندهم! انظروا إلى اسم هذه الدولة
- "إسرائيل" اسم لا يحمل في طيه أي أثر للتقدم والحضارة، لا يحمل أي
طابع للعصرية غير أن اليهود لم يرضوا إلا به!
لأنه اسم جدهم
الأكبر! إنه اسم يعقوب عليه السلام الاسم الذي له مدلوله الديني الخاص! فهو
المختار لديهم والمفضل على غيره من الأسماء العصرية لأن القضية قضية دينية! وهي
قضية صراع للبقاء بين اليهودية والإسلام!! «إذا جاز هذا التعبير».
لماذا يعادي
اليهود العرب؟ لماذا يعادون سكان فلسطين؟ فهل عداوتهم للحروف الأبجدية العربية
والناطقين بها؟
الحق والحق
أقول! عداوة اليهود ليست عداوة قوم لقوم! ليست عداوة لغة للغة! ليست عداوة شعب
لشعب! إنها عداوة دين لدين! إنها عداوة اليهودية للإسلام! فهم يعادون العرب لأنهم
حملة الإسلام الأوائل!
يعادون العربية
لأنها لغة القرآن! واعجباه من الذين يجهلون هذه الحقيقة أو يتجاهلونها! هل تريد
"إسرائيل" القضاء على العرب لأنهم يكرهون هذه اللغة؟
فلماذا نشروا
مصاحف محرفة في بلدان نائية؟! فهم يعادون الإسلام ويعادون القرآن، ويعادون لغة
القرآن!
حرب
أمة لأمة
إن المبادئ تقوم
برجالها. والصراع بين المبادئ صراع بين أهلها. فحرب اليهود معنا حرب أمة تعتنق
اليهودية ضد الأمة المسلمة ضد كل من ينتسب إلى الإسلام. وهنا أوقد ذكاء اليهود،
فرأوا من الضروري إضعاف الأمة المسلمة قبل إعلان الحرب عليهم. عملوا بكل دهاء
واستعملوا كل مكر وكادوا كل كيد! شنوا على الأمة المسلمة غزوًا فكريًّا مدبرًا!
وجندوا لذلك كل من يضمر للإسلام بغضًا! فمنهم من حاول إبعاد الأمة عن دينها، ومنهم
من شكك في القرآن وصدقه، ومنهم من وصف الدين عائقًا للتقدم والحضارة والتمدن.
ومنهم من عزل الدين عن الدولة، ومنهم من أنكر حجية السنة النبوية... ومنهم من أدخل
الانحلال والإباحية في الدين... ومنهم... ومنهم! والكل وجد أعوانه من أبناء هذا
الدين... فكان جهل الأبناء أشد ضررًا من كيد الأعداء! والغيور لدينه انشغل
بالإصلاح الداخلي! انشغل بالدفاع عن الحروب الفكرية المتتالية!
وكان
سببًا آخر في إضعاف قوة الدفاع لهذه الأمة!
فطن اليهودي
لوحدة الأمة المسلمة. ودرس العوامل التي تبقي على هذه الوحدة! فوجد من أهمها
الاعتصام بحبل الله -التمسك بكتاب الله!
دس في الأمة من
يحارب اللغة العربية! ودس بين العرب من يدعو إلى القومية العربية! فانشقت الأمة
إلى شقين - عربي وعجمي!
ودس بين العرب
من يدعو إلى التمسك باللغات الدارجة -العامية- وترك الفصحى! لأن العامية تراث
شعبي، لأن العامية تطور لغوي، لأن العامية وليدة البيئة، لأن... لأن.... وحكمت
العامية عقول الناس، وابتعدوا عن لغة القرآن، الذي جمعهم بعد فرقة. وتباعد العرب
في لغاتهم.
وتباعدت
قلوبهم!
فما آلت إليه
الأمة اليوم نتيجة مؤامرة دامت قرونًا، نتيجة حروب باردة مدبرة! فما الضعف في
الإيمان والتهلهل في الكيان والانهماك في العصيان والتمادي في الطغيان إلا ثمرة
مؤامرات حيكت ضد الأمة أحقابًا.
ومن يتهمني
بالمبالغة إذا راجع التاريخ، وحلل الأحداث، ونزل إلى جذور الفتن غير رأيه، وصدق
قولي.. وأغرب ما وجدت في هذا غفلة الأمة المسلمة؛ سباتها العميق! تخضع لجميع
المخدرات! وعادت لا تؤثر فيها المنبهات! إنها لا تغير ما بنفسها حتى يغير الله ما
بها!
تذكرنا بقول
الشاعر:
ترجو النجاة ولا
تسلك مسالكها
إن السفينة لا
تجري على يبس
تكالبت علينا
الأمم! وتجمعت علينا مثل الكفر! واتحد ضدنا الشرق والغرب! ولا نستيقظ ولا نفيق!
وبأعدائنا نستغيث! وبجلادنا نستنجد! نريدها لقمة سائغة بالسلام، بدون عرق الجبين
بدون إراقة دم! فيا عجبًا من حماس الناس في باطلهم وفشلنا في حقنا!
خطة
متكاملة
إن قضية فلسطين
قضية الأمة المسلمة بأجمعها. لقد استطاع العدو أن يوهمنا أنها قضية شعب، أو قضية
العرب، أو قضية بعض العرب! ولا بد من تصحيح هذا المفهوم الخاطئ، الذي كان السبب في
عزل الأمة المسلمة عن القضية.
إن استعادة أولى
القبلتين من براثن الصهاينة واجب ديني لكل مسلم. وهي في حاجة إلى معركة التحرير
ولا بد لهذه المعركة من خطة متكاملة.
حاربنا العدو
قرونًا، ونحن نخوض معه معركة التحرير! إنها معركة طويلة! معركة لا تنحصر في نوع
واحد من السلاح! لا تعتمد على نوع واحد من الجيوش! إنها معركة فريدة من نوعها،
عظيمة في طرقها!
إنها معركة
الأمة المسلمة مع أمة الكفر والخيانة، أمة ضربت عليها الذلة والمسكنة وباءت بغضب
الله. معركة خير أمة مع أقل أمة! معركة الحق مع الباطل وأهل الحق مع أهل الباطل.
إنها معركة ألف مليون مسلم مع مليوني يهودي! معركة لا نخسرها أبدًا، فإن لنا إحدى
الحسنيين إما النصر وإما الشهادة.
ألف مليون يتوق
إلى الشهادة في سبيل الله، ألف مليون يحب الموت كما يحب اليهودي الحياة، إنه
الجهاد في سبيل الله والاستشهاد في سبيل الله.
وأي شرف أعلى من
بذل الروح في سبيل ربها! وأي شرف أعلى من الموت في سبيل الله! ألف مليون يهتف بصوت
واحد: الموت في سبيل الله أسمى أمانينا!
فإذا أعددنا
أنفسنا لهذه المعركة الفاصلة «نحرر القدس»! وإذا صدقنا مع الله صدق الله معنا. ﴿َإِن
تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾.
إنها معركة
المؤمن التي لا تعتمد على العدد والعدة، معركة تنزل فيها الملائكة لتثبت الذين
آمنوا معركة ينصر فيها المؤمنون بجنود لم يروها.
لا بد لهذه
المعركة من خطة متكاملة. خطة إعادة الإيمان إلى القلوب، خطة العودة إلى أحضان
الدين من جديد، خطة الصدق مع الله، خطة لمواجهة العدو بمثل سلاحه - لكن في حدود ما
أحله الله؛ خطة لمواجهته بنفس القوة وبنفس الحماس وبروح التضحية التي لا مثيل لها.
فليست هناك معركة بين العرب واليهود! ولا بين أهل فلسطين واليهود! إنما هي معركة
واحدة. معركة أمة الإسلام مع أمة اليهود! أعلنوها جهادًا في سبيل الله، أعلنوها
جهادًا لتحرير أولى القبلتين! وافتحوا الباب أمام كل مسلم يريد أن يموت في سبيل
الله. جهزوه، وأعدوا ما استطعتم من قوة.
فلا نريد أن
تتوقف هذه المعركة حتى يستشهد آخر مسلم على وجه الأرض أو نحرر بيت المقدس.
التاريخ
يتكرر
لقد حرر القدس
صلاح الدين عندما جعلها قضية إسلامية. فلا يخدعنكم عملاء اليهود الذين يصبغونها
صبغة جديدة؛ حررها صلاح الدين مع أولئك الأبطال الذين نذروا على أنفسهم أن يحرروا
القدس أو يستشهدوا في سبيل تحريرها. ما أشبه الليلة بالبارحة!
إن اليهود ليسوا
أقوى من الصليبيين! وإن المسلمين اليوم ليسوا أضعف من عصر صلاح الدين! وإن عزيمتنا
اليوم للموت في سبيل الله ليست أقل من زمن صلاح الدين، أعلنوها معركة المؤمنين مع
الكفار الغادرين معركة عباد الرحمن مع أعداء الله! لا تقولوا: ينقصنا سيف ونار، فإن
بالإيمان تندك الجبال. خططوا لتحرير القدس فشباب الإسلام لا يبخلون بأرواحهم، وقد
باعوها لله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ
وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾(التوبة:111).
إنها التجارة
الرابحة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ
تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ
خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(الصف:10-11).
إنه السبيل
الوحيد إلى النصر، إنه السبيل الوحيد لتحرير القدس، وهي تحرر لا محالة
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ
ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾(الروم:4-5).