العنوان إقصاء نحناح من الانتخابات الرئاسية .. قرار سياسي تغطيه حجج قانونية واهية
الكاتب محمد مصدق يوسفي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1999
مشاهدات 62
نشر في العدد 1343
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 23-مارس-1999
أثار قرار استبعاد الشيخ محفوظ نحناح من قائمة مرشحي الرئاسة في الانتخابات المقرر لها أن تجرى يوم ١٥ من أبريل المقبل ردود أفعال واسعة في الجزائر.
على صعيد حركة مجتمع السلم، اعتبرت الحركة القرار غير عادل، ويفتقر للديمقراطية، ويؤكد أن السلطات لا تزال متمسكة بمنطق الاحتيال، ودعت القوى السياسية للاضطلاع بمسؤولياتها لمواجهة الخطر الذي يهدد الديمقراطية، وقال بيان للحركة: إن القرار مغامرة سياسية، رجحتها الحسابات والمصالح الفئوية الشخصية الضيقة على حساب المصلحة العليا للوطن.
وأبدت أوساط جزائرية خشيتها من عملية عزل سياسي بهذه الطريقة، وذهبت بعض التحليلات إلى حد الحديث عن انسحاب وزراء الحركة من حكومة إسماعيل حمداني، غير أن المتتبعين للخط السياسي لحركة مجتمع السلم، يرجحون أن تنظر الحركة إلى القضية بواقعية، ويستبعد أن يصدر عنها أي موقف متشدد، أو أن تستدرج إلى التطرف.
من جهته أكد يوسف الخطيب قائد الولاية الرابعة التاريخية إبان ثورة التحرير الجزائرية، والمترشح للانتخابات الرئاسية أن حجج إقصاء نحناح ضعيفة وغير قانونية، وأكد شهادات بعض القيادات التاريخية للولاية الرابعة التي تثبت مشاركة الشيخ نحناح في ثورة التحرير.
وأكد الخطيب في بيان بعنوان «إبراء للذمة» مشاركة نحناح في الثورة، وقال: «أشهد أمام الله ثم أمام الشعب أن السيد محفوظ نحناح شارك في ثورة التحرير حسب شهادة الثوار القياديين في ناحية البليدة»، وقال: «أعتبر أن هذا القرار المجحف هو استمرار لروح الحفرة «الظلم» والتهميش التي نرفضها وندينها».
واستقبل الرئيس الجزائري الأمين زروال الشيخ نحناح الذي أبلغه احتجاجه، وطلب منه اتخاذ إجراءات لتدارك الأمر، غير أن زروال حسب ما ذكرت مصادر مطلعة لـ المجتمع كان سلبيًا، وأكد أن المجلس الدستوري مؤسسة مستقلة، وقراره غير قابل للطعن، ولا يمكن التراجع عنه.
وكان المجلس الدستوري وهو أعلى هيئة تتولى البت في صلاحية المرشحين للرئاسة ترشيح نحناح، وهو من مواليد ١٩٤٢، بحجة عدم توافره على شهادة تثبت مشاركته في ثورة التحرير الجزائرية ١٩٥٤- ١٩٦٢م، حيث ينص الدستور الجزائري الجديد الذي أقر في ٢٨ نوفمبر ١٩٩٦م على ضرورة تقديم هذه الوثيقة للمترشحين الذين ولدوا قبل الأول من يوليو عام ١٩٤٢م.
وقد أعلن المجلس الدستوري قائمة الذين تمكنوا من اجتياز العقبة الأولى لخوض المعركة لانتخابات الرئاسة، وهم: حسين آيت أحمد، وعبد العزيز بوتفليقة، ومولود حمروش، ويوسف الخطيب، والشيخ عبدالله جاب الله، ومقداد سيفي، والدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، ويعود الحديث عن وثيقة مشاركة نحتاح في الثورة منذ إعلان الرئيس زروال عن قراره بتنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، حيث شنت رموز التيار الفرانكوفوني والاستئصالي حملة شعواء حول هذه القضية، والتأكيد على أن نحناح الذي شارك في الانتخابات الرئاسية في ١٦ نوفمبر ١٩٩٥م لم يقدم سوى وصلًا سلمته إياه لجهة المجاهدين وشهادة من الولاية الرابعة، وهو ما اعتبره خصومه وثيقة غير قانونية، لكن إثارة المسالة في ذلك الوقت اعتبرها بعض القياديين في حركة مجتمع السلم «مجرد محاولات بائسة لإقصاء مرشح الحركة».
وقد أضيف شرط المشاركة في الثورة في دستور ١٩٩٦م بعد النتائج التي حصل عليها نحناح إذ حصل على المرتبة الثانية خصيصًا بعد زروال، محرزًا أكثر من ٢٥% من الأصوات.
والغريب أن محفوظ نحناح أودع ملف الحصول على الشهادة بالأمانة الولائية لمنظمة المجاهدين بولاية البليدة سنة ٩٥، وحولتها هذه إلى وزارة المجاهدين في أغسطس من السنة نفسها مع ٤٠ ملفًا آخر، تمت دراستها كلها ما عدا ملف نحناح بالرغم من أن ترتيبه الثامن، كما رأت المنظمة الوطنية للمجاهدين قررت في مؤتمرها التاسع تجميد دراسة الملفات الواردة إلى الوزارة بعد سبتمبر ١٩٩٦م، إلا أن تمت ملفات بحثت في عامي ۱۹۹۷م - ۱۹۹۸م لم يكن ملف نحناح من بينها، وقد أصبح مصير الملف مجهولًا بعد أن أكدت اللجنة الوطنية عدم تلقيها إياه.
وأتهم أحمد يزيد- أحد أبرز مناضلي الحركة الوطنية ووزير سابق في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية- وزارة المجاهدين والمنظمة الوطنية للمجاهدين بعدم الحياد، وعدم التحقيق في الميدان لكشف الحقيقة، حول مشاركة محفوظ نحناح في الثورة التحريرية معتبرًا موقفها «زرعًا للفتنة داخل أسرة المجاهدين».
إلى ذلك تأسست مجموعة من المحامين من داخل الجزائر وخارجها للطعن في قرار المجلس الدستوري القاضي بإقصاء نحناح أمام مجلس الدولة، ولوحظت أولى مظاهر الحركة الاجتماعية بوضع لافتات سوداء على جدران ومقرات المكاتب المحلية لحركة مجتمع السلم، كما تجمع أعداد كبيرة من مناضلي وأنصار الحركة أمام المكاتب المحلية في مشهد يذكر الجزائريين بيوم ۱۱ يناير ۱۹۹۲م، والانقلاب على نتائج الانتخابات التشريعية التي حققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزًا ساحقًا.
نقاط
استبعدوا نحناح.. فهل تتحقق النزاهة؟
بقلم: أحمد عز الدين
لماذا تم استبعاد محفوظ نحناح من خوض معركة الرئاسة الجزائرية؟ التقرير المقابل يكشف التفاصيل الإجرائية لذلك، ولكن لماذا اتخذ القرار السياسي باستبعاد نحناح؟ في انتخابات ١٩٩٦م قاطعت الأحزاب الجزائرية الانتخابات الرئاسية ما عدا حركة مجتمع السلم، حيث نافس نحناح على المقعد أمام الرئيس الحالي الأمين زروال، وحصد ٢٥% من الأصوات الصحيحة، فيما فاز زروال بالأغلبية الصحيحة وغير الصحيحة.
كان زروال في حاجة إلى وجود منافس حتى تحلو اللعبة الديمقراطية، وفي الوقت نفسه فقد أظهرت الانتخابات حجم التاييد الذي يمكن أن يحظى به نحناح.. كان السماح بنزوله الانتخابات في إطار محسوب، وهو أنه لن يستطيع- بفضل التدخل الحكومي- أن يحصل على الأغلبية.
في هذه المرة الرئيس زروال غير مرشح، وإنما هناك سبعة مرشحين حازوا موافقة المجلس الدستوري على ترشيحهم، ستة منهم من أبناء النظام، ولا يختلف عنهم سوى عبدالله جاب الله رئيس حركة الإصلاح الوطني الحديثة النشأة.
ووجود سبعة مرشحين يعني حدوث تفتيت في الأصوات، وإن صدقت تعهدات زروال بإجراء انتخابات حرة ونزيهة بدون تدخل، فهذا يعني أن نحناح يمكن أن يكون في المقدمة، وهو ما لا يقبل به النظام الذي يسيطر على السلطة منذ الاستقلال ويسلمها لابنائه واحدًا تلو الآخر.
أما لماذا قبل النظام بوجود الشيخ عبدالله جاب الله في سباق الرئاسة؟ فالواقع أن جاب الله خرج لتوه مثخنًا بالجراح من معركة رئاسة حزب النهضة الذي أسسه، ثم اضطر للخروج منه، وتأسيس حزب آخر هو حركة الإصلاح، وفرصته أقل من فرصة نحناح، أي أن النظام اختار «أخف الضررين» عليه.
المغزى الأخير الذي يريد البعض توصيله للإسلاميين عمومًا في الجزائر وغيرها هو أن دخولكم ميدان المشاركة السياسية يعقد الأمور، ويعرقل المسيرة الديمقراطية، حتى أصبحت هناك علاقة طردية بين مشاركة الإسلاميين والتدخل في الانتخابات.. كلما زادت المشاركة زاد التدخل والعكس بالعكس.. وحيث إن هناك تأكيدات متكررة بعدم التدخل في الانتخابات الجزائرية المقبلة، فمن الضروري استبعاد نحناح.
الشيء نفسه حدث في انتخابات أخرى شهدتها دول عربية منها مصر، فحين تقاطع أحزاب المعارضة- وخصوصًا الإخوان المسلمون- الانتخابات تجري الأمور هادئة لينة على طريقة كلهم أبنائي، وحين تدخل المعارضة وخصوصًا الإخوان، تكون الانتخابات شرسة إلى أبعد الحدود، ولو استدعى الأمر إحالة المرشحين إلى المحاكم العسكرية.
ها هو النظام الجزائري قد استبعد نحناح، وبقي أن يثبت أنه سيحقق النزاهة والحياد في الانتخابات، ووقتها ربما يراجع البعض موقفه ليقبل أيضًا باخف الضررين، أي البعد عن المشاركة مقابل تحقق النزاهة والحياد.