العنوان «قرضاي» كشميري في سرينجار
الكاتب حفيظ الرحمن الأعظمي
تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2003
مشاهدات 78
نشر في العدد 1562
نشر في الصفحة 36
السبت 02-أغسطس-2003
«خطة تشنار» لتفتيت كشمير ومخططات تصفية جماعات المقاومة
الجبائي يضع اللمسات الأخيرة على ملف كشمير ليبرز كبطل قومي في انتخابات ٢٠٠٤م
دخلت الانتفاضة الشعبية في كشمير أخطر مراحلها وأكثرها حساسية على مدار تاريخها، ففيما تسعى الولايات المتحدة لتصفية هذه القضية العالقة عبر تجزئتها وتفتيتها إلى ثلاثة أجزاء، يجري البحث في العاصمة الكشميرية سرينجر على قدم وساق عن «قرضاي كشميري» لكي يتسنى للولايات المتحدة تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية والاستراتيجية المتعددة في المنطقة عن طريقه، وكانت حكومة نيودلهي قد سلطت العميل فاروق عبد الله على رقاب الشعب الكشميري ردحًا من الزمان، وحاولت جهد استطاعتها تحقيق أهدافها عن طريقه، وقد تفانى الرجل بالفعل في تنفيذ ما طلب منه، ويشهد بذلك كل مراقب محايد يتابع شؤون المنطقة.
غير أن الشعب الكشميري فطن للفخ الذي أراد الرجل إيقاع قومه فيه، وأدركت الهند أن العميل قد انكشفت سوءاته وسيئاته ولم يعد قادرًا على تحقيق المزيد من المكاسب لها. فاستغنت عن خدماته، وأزاحته عن الحكم، وفوضت حكومة الولاية المفتي سعيد بموجب خطة مرسومة وموضوعة سلفًا، وقد شغل الرجل منصب وزير الداخلية في حكومة في بي سنج، في فترة الثمانينيات، وقد حاول الرجل جهد مستطاعه أن يكسب قلوب الشعب الكشميري، مستخدمًا مهاراته في الدهاء فأعلن وقف إطلاق النار من طرفه بيد أن الحكومة المركزية -الممثلة في الولاية بجيشها النظامي وغيره- رفضت مبادرته غير عابئة بتبعات ذلك، إضافة إلى ذلك أعلن المفتي إطلاق سراح شرائح معينة من المواطنين المسجونين، خطبًا لود الشعب، كما أعلن عن برامج تنموية متعددة؛ بغية تطوير البلاد والقضاء على البطالة التي ارتفعت معدلاتها في نهاية العام الماضي إلى (٧٠٪).
ولا شك أن هذه الإجراءات أثبتت أنه أحسن وأفضل من سابقه، ورغم ذلك لا يزال تيار الاستياء والامتعاض العارمين يسودان أنحاء الولاية ضد الحكومة العميلة للهند؛ إذ إن الشعب الكشميري الذي قدم تضحيات جسيمة من أجل التحرر من براثن الاحتلال الهندي والحصول على حقه في تقرير المصير لا يرضى بأقل من مطالبة العادلة التي تتمثل في إجلاء قوات الاحتلال، وقد ذكرت إحصائية موثوقة وحديثة أصدرتها وكالة ثناء الإخبارية يوم 15/٥/2003م أن إجمالي ضحايا الاحتلال وصل حتى ذلك التاريخ إلى (۸۹۰۰۰) نسمة، بينما انتهكت طوال فترة الانتفاضة أعراض (۹۸) ألف مسلمة، في حين زج بنحو (١٠٥٠٠٠) مواطن ما بين شاب وشيخ، وذكر وانثى في غياهب السجون بموجب القوانين الظالمة مثل««Tada و««Tata، وغيرهما من القوانين المسماة بقوانين «مكافحة التطرف» التي سنت خصيصًا للمسلمين والأقليات الأخرى بشكل عام، في حين أن الإرهاب الهندوسي السافر الذي شاهد العالم جوانب منه إيان أحداث «جوجرات» التي يشيب لها الولدان، وربما تفتقر العصور البدائية الوحشية إلى نظير لها، هذا الإرهاب الهندوسي فوق طائلة القانون، بل إنه ثم تحت سمع وبصر السلطات الهندية، كما اعترف بذلك الصحفيون والمحللون المحايدون داخل الهند وخارجها، هذه التضحيات الهائلة لم تقدم من أجل برامج تنموية محددة.
قد تكون الأقلية الهندوسية المستفيد الأكبر منها، كما لوحظ في عدد من البرامج التنموية التي تم إعلانها في الحكومات السابقة، ولعل المراقب للوضع في كشمير يعترف إذا كان متمسكًا بأهداب الإنصاف، متصفًا بالحياد بأن الحيل الهندية الرامية إلى خطب ود الشعب الكشميري باءت بالفشل الذريع، وقد أصبحت قضية كشمير محط أنظار الكاميرات العالمية في أعقاب تخلص الولايات المتحدة من ملف صدام والنظام البعثي في العراق، ويظهر من بعض التقارير الصحفية أن الولايات المتحدة تريد أن تتناول الملف الكشميري هذه المرة بجدية تامة، والخطة المقترحة (أمريكيًا) لحل المعضلة تقوم على اعتماد «خطة تشناب» التي تقتضي أن تكون کشمير الحرة والمناطق الباكستانية في شمال البلاد الملاصقة لحدود الصين تابعة لباكستان بشكل قانوني، وعلى نحو معترف به دوليًا، بعد أن يتم تحويل خط الهدنة إلى خط حدودي فاصل بين الهند وباكستان على حين تنضم منطقنا «جامو» و«لاداخ» ذواتا الأغلبية الهندوسية للهند، على أن تخضع كشمير المحتلة ذات الأغلبية المسلمة للوصاية الأممية (الأمريكية بطبيعة الحال) لمدة عشر سنوات، وأن يتم إجراء الاستفتاء العام (لضمان نزاهتها) في ختام هذه المدة، وقد لمح عدد من الناطقين باسم الحكومة الباكستانية وزير الإعلام ووزير الخارجية ووزير الدفاع ورئيس إقليم كشمير الحرة إلى استعداد باكستان لتقبل هذا الطرح، وعلى صعيد الهند يبدو أن رئيس الوزراء الهندي فاجبائي متفائل جدًا من تسوية القضية في أعقاب المفاوضات الثنائية المرتقبة التي يتوقع أن تتم في شهر يوليو من العام الجاري، بل إن فاجبائي صرح في تجمع للجالية الهندية في ألمانيا خلال زيارته الرسمية إليها يوم ٢9/٥/2003م أنه متفائل جدًا، وأكد أنه في حالة فشل المفاوضات المرتقبة سيقدم استقالة عن منصبه، وقال إذا كانت ألمانيا توحدت بعد أن كانت موزعة في شقين، فما بالنا لا نتوصل إلى حل معقول لقضايانا العالقة التي تسببت في سباق تسلح رهيب في المنطقة على حساب التنمية الاقتصادية لشعوب المنطقة التي تعيش تحت خط الفقر، ونسي أو تناسى أن المانيا توحدت بعد انجلاء قوات الاحتلال الروسية عن الشطر الشرقي، فهل هو مستعد لإخلاء منطقة كشمير عن قوات الاحتلال الهندية كي يثبت ويبرهن على نواياه الحسنة؟ وقد سبق أن أطلق فاجبائي تصريحات شجاعة وجريئة خاصة في شهر فبراير عام ١٩٩٩م عندما قدم إلى لاهور تلبية لدعوة نظيره الباكستاني نواز شريف، وما إن وضع أقدامه على مطار أنديرا غاندي في دلهي إلا وأطلق تصريحات معارضة ومنافية لتلك التي أدلى بها في لاهور جملة وتفصيلًا، ويذكر بعض المراقبين والمحللين أن فاجبائي يحاول جهد مستطاعه أن يبرز بطلًا قوميًا لكي يكسب المعترك الانتخابي في عام ٢٠٠٤م. ولذلك فهو يحاول أن يضع اللمسات الأخيرة على ملف كشمير، خاصة أنه لم يقدم لغاية هذا التاريخ للشعب الهندي أي شيء يذكر، ولذلك يرى هؤلاء المراقبون أن تصريحاته الحالية لا تعني سوى الحفاظ على ماء وجهه، وتبذل أمريكا جهودًا محمومة للبحث عن قرضاي كشميري لكي يسهل لها مهمتها.
وبهذا الصدد أفادت تقارير موثقة أنها بالفعل نجحت في شراء بعض الذمم واستمالتها، وقد تم في بريطانيا مؤخرًا تكوين منظمة باسم «التحالف الدولي لتحرير كشمير»، يضم مجلسها القيادي الوجوه الكشميرية البارزة واللامعة الموجودة في العواصم الغربية، والهدف الأساسي من إنشاء هذه المنظمة تهيئة المناخ لتطبيق الخطة الأمريكية الخاصة بكشمير، وقد ساهم في تكوينها وإنشائها تمويلًا وتخطيطًا كبار المسؤولين في وكالة (MS) الاستخباراتية البريطانية، ويضم المجلس القيادي للمنطقة شخصيات معارضة لباكستان، ومنحازة نوعًا ما إلى الهند أو القومية الوطنية المعارضة لكلتا الدولتين، الأمر الذي جعل بريطانيا تنشط في تكوين المنظمة نيابة عن أمريكا لوجود جالية كشميرية في بريطانيا بعدد هائل، بل إنها قوة ضغط فاعلة في عدد من المدن البريطانية، وتم تعيين الدكتور نظير كيلاني -وهو بريطاني من أصل كشميري ناشط في حقوق الإنسان- رئيسًا للمنظمة المذكورة، ومن الطريف أن للمنظمات الكشميرية الليبرالية والقومية واليسارية تمثيلًا ملحوظًا مثل جبهة تحرير جامو وكشمير بقيادة أمان الله خان، ويمثلها في المنظمة تشودري شبير أحمد، عباس بت، وجبهة تحرير كشمير، جناح حافظ أكرم سماوي ويمثلها شوكت كشميري وكلهم من حاملي الجنسية البريطانية، هذا وقد أعلن الدكتور نظير كيلاني -وهو ممنوع من دخول الأراضي الباكستانية- أن ميثاق المنظمة يستند بشكل أساسي إلى بنود اتفاقية جنيف، وتهدف المنظمة إلى إنشاء كيان مستقل لكشمير، وردًا على سؤال وجهه إليه أحد الصحفيين عما إذا كان الكيان المستقل سيعم التراب الكشميري بكامله قال لا مانع من الموافقة في الظروف الحالية على الاعتراف بالكيان المستقل المزمع، ولو قام على قطعة محددة، كمؤشر منه إلى تقبل الخطة الأمريكية، ومن جانبه أدان تحالف الأحزاب السياسية للحرية في كشمير المنظمة وقياداتها وبياناتها الصحفية في أول مؤتمر صحفي لها، معتبرًا إياها خطوة خبيثة وبادرة سيئة، ومن جهته أرسل الدكتور نظير كيلاني برقيات عاجلة إلى كل من رئيس وزراء باكستان ظفر جمالي ورئيس التحالف للحرية بروفيسور عبد الغني بت والرئيس السابق للتحالف المير واعظ مولوي عمر فاروق حاول فيها جهد مستطاعه إقناعهم بأهداف المنظمة الوليدة.
وكرد فعل على هذا التطور الجديد والخطير أيضًا أدان المتحدث باسم الخارجية الباكستانية يوم ٢٠/٥/٢003م في حديثه الروتيني للصحفيين هذه المنظمة، واصفًا إياها بالمشبوهة، يذكر أن نظير كيلاني يتحدر من مديرية «باره مولا» في كشمير المحتلة، ويقيم في بريطانيا منذ عام ١٩٩٤م، ويرأس منذ ذلك الحين المجلس الكشميري للحفاظ على حقوق الإنسان، وهو صاحب كتاب كشمير كوارث بالأردية، ويمكن للمرء أن يدرك مراميه ويستوعب نظرياته السياسية والدينية بقراءة الصفحات الأولى من الكتاب، فهو رجل يساري علماني حاقد على الإسلام والمسلمين، ويصف في كتابه المذكور المسلمين بالمتزمتين وغير قادرين على مواكبة ظروف العصر وإيفاء متطلباته، وهو ناشط منذ أن كان طالبًا في الكلية لفكرة الدولة المستقلة، ويرى المراقبون أنه سيكون قرضاي كشميريًا لكي يتربع على كرسي الحكم متجاهلًا التضحيات الجسيمة الهائلة التي قدمها الشعب.
هل سينقلب مشرف على المجاهدين؟ لا يخفى على المتابع لشؤون المنطقة أن الهند بصفتها قوة استهلاكية كبرى للمنتجات الأمريكية حليف إستراتيجي لأمريكا، وأمريكا مضطرة لخطب ودها دعمًا للاقتصاد الأمريكي وإزعاجًا للصين، وبالتالي فإن موقف الهند من الطبيعي أن يكون أقوى من موقف باكستان، والهند تدرك هذه الحقيقة، ولذلك تعتمد سياسة لي الذراع بحيث تفرض على باكستان مطالبها، وتكاد ظاهرة تسلسل العناصر الجهادية لخط الهدنة تحتل الموقع البارز في قائمة أولويات الهند.
وتشارك أمريكا الهند في مطالبة باكستان بطي صفحة الجهاد، وإغلاق المعسكرات الجهادية التي تزعم الهند أنها موجودة بأعداد كبيرة في كشمير الحرة، بل إن ما يزيد الطين بلة والداء علة أن الهند طالبت باكستان مؤخرًا بتبادل المعلومات الاستخباراتية، مما قد يوقع الحكومة الحالية في إسلام آباد في الفخ الذي وقعت فيه بنازير بوتو إبان دورتها الأولى، حيث سلمت لرئيس وزراء الهند راجيف غاندي قائمة بأبرز ناشطي منظمة خالصتان السيخية العسكرية الانفصالية التي أقضت مضاجع السلطات الهندية في ولاية بنجاب الهندية، واستنزفت قدراتها، وقد أشارت تقارير إستراتيجية موثقة إلى أنه لولا أن بنازير قطعت الدعم عن تلك الحركة، ولولا أنها سلمت قائمة ناشطيها لكانت بنجاب الهندية أن تكتسب صيغة الاستقلال وصبغته، وتنفصل عن الهند نتيجة الكفاح البطولي الرائع للأقلية السيخية في الهند، وردًا على هذا المطلب الهندي الجديد صرح وزير الدفاع الباكستاني راوسكندر للصحفين يوم ٢5/٥/٢003م بأن حكومته مستعدة لتبادل المعلومات الاستخباراتية فيما إذا لمست جدية الطرف الهندي في تسوية قضية کشمیر، وقد تنبأ الخبراء والمحللون بأنه في حال تسوية القضية فإن الولايات المتحدة سوف تطالب باكستان بشكل جاد التخلص من البرنامج النووي، وإخضاع المفاعل النووي لمراقبة أمريكية شبه مباشرة بحجة الحيلولة دون وقوعها في أيدي التيار الإسلامي المتصاعد والمتنامي، وتقليص الجيش كذلك بحجة أن الهند لم تعد تتربص بباكستان الدوائر، وقد تحصل من الهند على ضمانات بذلك «لكن منطق القوة لا يعترف بالوثائق والضمانات والعهود».
وفي سياق متصل أخذت السلطات الباكستانية تضغط على المنظمات الجهادية مطالبة بوقف النار بشكل فوري، خاصة وأن الجليد قد أخذ يذوب، وتعتبر الفترة من شهر يونيو لغاية أغسطس أنسب وقت لدخول المجاهدين كشمير المحتلة، ولذلك كلما يقترب موسم إذابة الجليد تتقدم حكومة الهند بمبادرة جديدة حتى تمر الفترة المذكورة بهدوء، وبعد أن تنقضي هذه المدة تعود الهند إلى سيرتها الأولى، حيث يصعب بعدها للمجاهدين الدخول في الوادي من جهة، وإجراء العمليات لمن هم بالداخل من جهة أخرى، بسبب الطقس البارد قارس البرودة، وهو الأمر الذي حمل كثيرًا من المحللين على التشكيك في إمكانية نجاح المفاوضات المرتقبة، وفي السياق ذاته أصدرت الداخلية الباكستانية أوامرها للجهات المعنية بمراقبة العناصر النشطة في الجهاد الكشميري في أنحاء البلاد؛ كي يسهل اعتقالها عند الضرورة، مما يعني أن الزنازين في باكستان بانتظار المجاهدين مرة أخرى، كما أصدرت الداخلية أوامر أخرى بحظر المجاهدين ومنعهم من جمع التبرعات، ويتوقع في غضون الأيام المقبلة حملات اعتقال جماعية، وهي ستطال العناصر الجهادية التابعة للمنظمات المحظورة من قبل أمريكا وغيرها، وقد احتلت قضية طي صفحة الجهاد حيزًا بارزًا على الأجندة الأمريكية التي قدمها نائب الخارجية الأمريكية «أرميتاج» خلال زيارته المنطقة في بداية شهر مايو ۲۰۰۳م، وكان حسب التقارير الموثوقة قد أكد الجنرال مشرف يوم 9/٥/2003م ضرورة وضع حد لأنشطة الجماعات المقاومة للاحتلال، وإغلاق الحدود في وجه المجاهدين كشرط أساسي لإنجاح المفاوضات المرتقبة، وقد وعده الجنرال مشرف بدوره بإجراء اللازم، وما إن أقلعت طائرة أرميتاج من مطار إسلام أباد إلا وأغلقت السلطات الباكستانية كل معسكرات المقاومة.