العنوان إقرار الميزانية الجديدة وسط انتقادات سياسية حادة
الكاتب مالك الحمادي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1997
مشاهدات 70
نشر في العدد 1234
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 14-يناير-1997
اليمن
أقر مجلس النواب اليمني في الأول من يناير الجاري مشروع ميزانية العام ١٩٩٧م بأغلبية عادية، بعد أن أثارت الميزانية خلافات بين حزبي الائتلاف الحاكم وانتقادات شديدة في صحافة المعارضة كالمعتاد، لكن الخلاف بين حزبي الائتلاف كان هو الأكثر إثارة، بعد أن زاد تصعيد الخلافات بينهما، بدءًا من انسحاب وزراء التيار الإسلامي من إحدى جلسات مجلس الوزراء، وانتهاء بالانتقادات الصحفية المتبادلة.
وكان الوسط السياسي اليمني قد شهد ظهور خلافات قوية بين المؤتمر وتجمع الإصلاح مرتين من قبل عند إعداد ميزانية كل من العام ١٩٩٥م والعام ١٩٩٦م المنصرمين، نتيجة اختلاف رؤية كل حزب حول أولويات الإصلاحات الاقتصادية ومداها، لكن حزب المؤتمر الشعبي- الذي يتزعمه الرئيس على صالح- كان ينجح في تمرير الميزانية في مجلسي الوزراء والنواب بواسطة الأغلبية التي يمتلكها فيهما، فيما اكتفى الإسلاميون بإعلان تحفظاتهم، وإعلان البدائل التي اقترحوها، وخاصة فيما يختص بتخفيف الآثار السلبية لبرنامج الإصلاحات على الفئات الفقيرة.
لكن ميزانية العام الجديد ۱۹۹۷م أثارت خلافًا قويًّا كذلك، كما أنها فضحت وجود توجه لرفع الأسعار في يوليو القادم- أي بعد إجراء الانتخابات النيابية- حيث تم تضمين الميزانية مبالغ سوف يتم صرفها للمواطنين كبدل غلاء، وهو الأمر الملازم عادة لأي رفع للأسعار.
أما المواضيع التي أثارت الخلاف بين حزبي الائتلاف بشأن الميزانية، وأدت إلى انسحاب وزراء الإصلاح من جلسة مجلس الوزراء، فتتركز في نقاط عديدة- بعضها يختص بمبادئ عامة، وبعضها حول تفصیلات- لكن أهمها هو رفض وزراء الإصلاح للأسلوب الذي تم اتباعه في مناقشة الميزانية في مجلس الوزراء، حيث قدمت اللجنة المختصة مشروع الميزانية إلى المجلس لمناقشته وإقراره في جلسة واحدة، فيما أعلن الإسلاميون اعتراضهم على هذا الأسلوب غير المنطقي، وطالبوا بمهلة عشرة أيام لدراسة الميزانية وإبداء رأيهم فيها، وبالإضافة إلى ذلك فقد اعترض الإسلاميون على إلغاء استقلالية المعاهد العلمية ماليًّا وإداريًّا ودمجها مع وزارة التربية والتعليم دون مراعاة شركائهم، بل ودون التشاور معهم بما تقضيه أبجديات التحالف القائم بينهما.
والمعروف أن التيار الإسلامي يعد هذا النوع من التعليم ضروريًّا لتشجيع الاهتمام باللغة العربية والمواد الإسلامية، ووضع الإسلاميون في برنامجهم الانتخابي مبدأ خاصًّا للاهتمام بالمعاهد العلمية ودعمها وتطويرها.
وفي المقابل فإن المؤتمر الشعبي العام يعد المعاهد العلمية- التي بلغ عدد طلابها نصف مليون طالب- من أهم الروافد التي تصب لمصلحة الإسلاميين، ولذلك كانت هذه المسألة مثارة على مدى ال١٦ عامًا الماضية من جانب التيارات اليسارية والعلمانية، ووصل الأمر منتهاه في صيف ۱۹۹۲م، عندما تحالفت جميع التيارات السياسية بقيادة الحزب الاشتراكي- وصمت من المؤتمر الشعبي- لإصدار قانون جديد للتعليم يلغي المعاهد العلمية نهائيًّا، لكن الرئيس علي عبد الله صالح وضع القانون في الدرج، فيما رفع الإسلاميون الأمر إلى المحكمة الدستورية بعد أن شاب مناقشة مجلس النواب للقانون عدد من الخروقات الدستورية.
ومع توالي التطورات السياسية في اليمن، ضعف الاهتمام بقضية المعاهد العلمية وخاصة مع بروز الأزمة السياسية التي انتهت بحرب صيف عام ١٩٩٤م، وهزيمة الحزب الاشتراكي فيها، ثم بروز الائتلاف الجديد بين المؤتمر الشعبي وتجمع الإصلاح، حيث كان من المتوقع ألا تثار المسألة من جديد، لكن التيار المعادي للمعاهد العلمية- داخل المؤتمر الشعبي- عاد من جديد لإثارة القضية مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية، حيث يؤمن هذا التيار بأن وجود المعاهد العلمية هو الذي ساعد الإسلاميين على الحصول على المركز الثاني في الانتخابات الماضية، وبالتالي فإن رغبة حزب المؤتمر في تحقيق أغلبية حاسمة في الانتخابات لن تتم إلا بتحجيم المعاهد العلمية.
كان انسحاب وزراء الإصلاح من جلسة مجلس الوزراء موقفًا قويًّا، لكن المجلس أقر الميزانية بأصوات وزراء المؤتمر الشعبي.. فيما بدا الأمر وكان أزمة جديدة على وشك الاندلاع، ونجح لقاء سريع- تم في عدن بين الرئيس علي صالح وقيادة الإصلاح- في نزع فتيل الأزمة بعد أن توصل المجتمعون إلى حل يقضي بتأجيل البت في مسألة المعاهد العلمية عامًا كاملًا، لكن المؤتمر أصر على تمرير الميزانية للمناقشة اعتمادًا على تمتعه بأغلبية في مجلس النواب تؤهله لذلك.
وفي أثناء مناقشات مجلس النواب للميزانية لوحظ تغيب نواب الإصلاح، وفي مقدمتهم الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، لكن غياب الإسلاميين كان واضحًا للمراقبين، فقد رفضت قيادة المؤتمر تعديل الميزانية، لكنها أعطت وعودًا بعدم المساس بالمعاهد العلمية، وهو أمر لا تضمنه تقلبات الساسة، مع الأخذ في الاعتبار أنها القضية الوحيدة التي يتفق فيها المؤتمر الشعبي مع الأحزاب القومية واليسارية.
وفي موضوع الميزانية الجديدة، قدم الإسلاميون ملاحظاتهم في إطار اللجنة الخاصة المنبثقة من مجلس النواب، وبمشاركة مسؤولين من الحكومة، واشتملت على ملاحظات عامة وأخرى خاصة، وفيما يلي ملخص لها:
ا. عدم تنفيذ خطوات جادة في الإصلاح المالي والإداري، بل على العكس تضخمت نفقات المرتبات والأجور، فيما لم يتم تنفيذ تعهدات العام السابق فيما يختص بتقليص النفقات المخصصة للسلك الدبلوماسي والمؤسسات العامة الفاشلة التي زادت اعتماداتها.
۲- انتقاد توسع الحكومة في إصدار سندات الخزانة بسبب العبء الذي تراكمه على الخزينة العامة، كما أنها تضر بالاستثمارات الحقيقية، وتشجع الاستثمار في الأوراق المالية لتغطية عجز الموازنة؛ بدلًا من البحث عن بدائل حقيقية لتخفيض العجز من خلال ترشيد النفقات، وزيادة الإيرادات، عبر محاربة الفساد المالي والإداري.
3- وجود خلل في هيكل الإيرادات العامة بسبب اعتماد نسبة كبيرة منها على مصادر مؤقتة مثل النفط والقروض والمساعدات.
4- عدم وجود أثر ملموس لبرامج المعاناة عن الفئات الفقيرة برغم الحديث عن شبكات الأمان الاجتماعي التي خصصت لها عدة مليارات من الريالات في الميزانيتين السابقة والجديدة.
أما على المستوى التفصيلي، فقد تركزت الملاحظات حول وجود انخفاض واضح في النفقات المخصصة للخدمات العامة، ولا سيما في مجالي التعليم والصحة، وبالإضافة إلى الملاحظات الانتقادية للإسلاميين، فقد انتقد الاشتراكيون وحلفاؤهم الميزانية الجديدة، وقدم الاشتراكيون ملاحظات عديدة حول مجمل جوانب الميزانية، وخاصة فيما يتعلق بتخفيض النفقات، والحفاظ على القطاع العام.
وهكذا انتهت آخر قضايا الخلاف السياسي السنوية، وسيبدأ الجميع- منذ الآن- تركيز اهتمامهم بقضية الانتخابات النيابية، التي يتوقع أن تزيد من سخونة الأجواء السياسية بين الأحزاب اليمنية، لكن الميزانية والوضع الاقتصادي والإصلاحات المالية والإدارية، ستكون مادة دسمة للدعاية الانتخابية بين معارضة تزعم أن الفشل كان كاملًا، وحكومة تؤكد ليل نهار نجاح برنامجها وخطواتها الإصلاحية..