العنوان إقالة أبو غزالة... ماذا وراءها؟
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1989
مشاهدات 72
نشر في العدد 915
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 02-مايو-1989
ردود فعل متباينة في التغيير الحكومي المصري الذي طال المشير.
•لماذا كان أبو غزالة يعطي انطباع
التدين والمحافظة عن نفسه أمام شعب مصر؟
•كان أبو غزالة قويًا جدًا في الوزارات المصرية التي تعاقبت في السنوات الأخيرة... ولكن!
القاهرة- من مراسل المجتمع
عقب عودته من أمريكا مباشرة أصدر الرئيس مبارك قرارًا بتنحية المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، وتعيينه مساعدًا لرئيس الجمهورية، وقد أحدث هذا القرار وتوقيت صدوره، ردود فعل متباينة وكثرت التساؤلات المطروحة والاجتهادات والتحليلات، وعلق رجل الشارع بقوله إنه وضعه على الرف.... كان توقیت صدور القرار مثارًا للتكهنات، حيث أضاف بعدًا جديدًا للحدث: لماذا أقيل أبو غزالة بعد عودته من أمريكا؟ هل لهذا القرار علاقة بنتائج الرحلة؟ أم أن هناك صراعًا على السلطة تم حسمه أخيرًا وفي الحقيقة، فإن هذا القرار قد فاجأ الكثيرين، والتبريرات التي أعلنت حول أسباب هذا القرار لم تكن مقنعة، فلا يمكن قبول الرأي القائل بأن منصب مساعد رئيس الجمهورية هو أقوى من المنصب السابق، وقد ألمحت الصحف إلى بعض الخلافات التي نشأت مع أبو غزالة حول بعض السياسات سواء العسكرية أو المدنية والمتابع للساحة المصرية يرى أن دور المشير أبو غزالة كان قد تقلص كثيرًا في الفترة الأخيرة في الإسهام الواضح في إدارة دفة الأمور في البلاد وساهمت وسائل الإعلام في تجاهل الحديث عن المشير إلا ما ندر..
• ثقة زائدة بالنفس
والمشير أبو غزالة تولى وزارة الدفاع
في مارس ۱۹۸۰، أي أنه ظل في هذا الموقع أكثر من تسع سنوات،
وقد عرف عنه ثقته الزائدة بنفسه وقوة شخصيته وحسن حديثه إلا أن الخلافات بينه وبين
الرئيس مبارك قد ازدادت، وبعد إقالته كتب إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام مقالًا
عن هذا التغيير، وكأنه يخاطب المشير بأن مبارك هو الذي رشحه لأول منصب هام في
حياته وهو منصب الملحق العسكري المصري في أمريكا، وهو الذي قدمه للرئيس السادات
رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة ثم وزيرًا للدفاع.
• دهشة:
والأمر اللافت للنظر أن شخصية المشير
كانت مرشحة من جانب الكثيرين لشغل منصب نائب رئيس الجمهورية، حتى اختلط الأمر على
الكثيرين فور سماعهم النبأ... هل هو مساعد رئيس الجمهورية أم نائبه، ويرى البعض في
تحليلهم للموقف الآن أن رحلة الرئيس مبارك لأمريكا لم تحقق النجاح المطلوب،
وبالتالي أراد مبارك الرد على أمريكا بموقف ضد أحد رجالهم في مصر، وإن كان هذا
الرأي ليس قويًا، ويرى البعض الآخر أنه كان يخشى من النفوذ المتزايد للمشير في
القوات المسلحة خصوصًا وأنه قدم للجيش الكثير، ماديًا ومعنويًا فتحسنت الظروف
المادية والوضع الأدبي للعاملين بالقوات المسلحة والبعض يتحمس لمثل هذا الرأي
باعتبار أن شخصية أبو غزالة كان لها مكانها في أوساط الجيش ليس باعتباره قائدًا
عامًا فحسب، بل باعتباره شخصية قوية تؤثر في المجال السياسي.
وتتعدد التفسيرات وتتباين الاجتهادات
وسيظل مثل هذا القرار محاطًا بالغموض، فالرئيس مبارك نفسه قد اعترف بأنه لم يشرك
أحدًا في اتخاذ هذا القرار، وأن الجيش علم به كما علمت به أي مؤسسة من مؤسسات
الدولة، وأن مراكز القوى قد انتهت بعد نكسة ١٩٦٧، ولم يعد لها أي وجود ترى هل معنى
ذلك أن أبو غزالة كان يسعى لتدبير أمر ما؟!
• دراسة توثيقية:
وفيما يلي جزء من دراسة موثقة للدكتور
أحمد إبراهيم خضر حول العلاقات السياسية العسكرية في مصر وفيها جانب كبير مما يلقي
الأضواء على «أبو غزالة» من الجوانب السياسية المتعلقة به كوزير للدفاع.
يقول روبرت سبرنجبورج: «إن المشير أبو
غزالة نجح في تكوين انطباع عنه بالتدين يضاف إلى شعبيته بين الدوائر الدينية
المختلفة وتعتبر زوجة المشير هي الوحيدة من بين زوجات الوزراء التي ترتدي الحجاب
في المناسبات العامة».
على أن الحديث عن المشير يحتاج إلى
وقفة لأن الناس قد خبروا مع السادات تكتيك «العباءة والعصا» ولم يترك لنا
«سبرنجبورج» على أية حال فرصة في التفكير فيما وراء ما يقوله عن تدين المشير وحسم
الموقف بقوله:
«الرئيس نمط إداري يعمل على تكامل الاتجاهات
المختلفة في السياسة المصرية محاولًا الحفاظ على توازن علاقات مصر الخارجية، أما
المشير فإنه متحدث محافظ يعارض الشيوعية لكنه حليف قوي للولايات المتحدة، وقد أكد
مرارًا أن أمن مصر لا ينفصل عن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي ويرى أن
القوات المسلحة في العالم العربي يجب أن تنسق جهودها مع القيادة المركزية
الأمريكية. والمشير من أشد أنصار تدخل الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات في
الاقتصاد المصري.
• مصادقة أمريكية:
ويبدو أن واشنطن إن لم يكن من المؤكد
كانت تعد المشير، ففي يونيو ١٩٨٦ صادقت واشنطن على المكانة الجديدة للمشير على
الساحة السياسية المصرية، فخرج في استقباله عند وصوله إلى الولايات المتحدة ليس
فقط وزير الدفاع «كاسبر واينبرجر» ولكن أيضًا وزير الخارجية ومستشار الرئيس للأمن
القومي بالإضافة إلى «جورج بوش» نائب الرئيس ولفيف من رجال الكونجرس وأعضاء مجلس
الشيوخ.
لم يناقش المشير مع فريق ريجان هذه
المسائل ذات الطابع العسكري فقط كمسألة تخفيض فوائد الديون العسكرية على مصر وإنما
ناقش معهم أيضًا المسائل الاقتصادية أيضًا، كان أعضاء الوفد المصري بما فيهم «كمال
جنزوري» وزير التخطيط وصلاح حامد وزير المالية و«عاطف عبيد» وزير الدولة لشؤون
مجلس الوزراء، جميعهم كانوا يقومون بدراسة النواحي التفصيلية التي تترك لهم بعد أن
يصل أبو غزالة مع الفريق الأمريكي إلى اتفاق حول الأساسيات.
• كيف قفز المشير إلى منصب وزير الدفاع؟
كان المشير يشغل أصلًا منصب الملحق
العسكري لمصر في واشنطن في وقت كان السادات حريصًا فيه على التلاعب بالقيادات
العسكرية الكبرى في مصر وإعادة ترتيبها في مناصبها.. في عام ۱۹۷۱ اعتقل السادات الفريق محمد فوزي وزيز
الحربية وأحل محله الفريق محمد صادق.
وبعد عام واحد قبض على الفريق صادق بعد
أن ضمن ولاء الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان، ثم طرد الشاذلي بعد أن ضمن
ولاء المشير أحمد إسماعيل وزير الحربية وأحل الفريق عبد الغني الجمسي محل الشاذلي
ثم عينه وزيرا للحربية بعد وفاة المشير أحمد إسماعيل.
ولأن كامب ديفيد يتطلب قادة عسكريين
أكثر مطاوعة عين السادات رئيس مخابراته كمال حسن علي وزيرا للدفاع ثم وزيرا
للخارجية خلف الفريق أحمد بدوي الذي كان يتمتع بشعبية وقتها.
لكن الفريق بدوي لقي حتفه مع اثني عشر
من كبار الضباط في حادثة اصطدام الطائرة الهليكوبتر في مارس ۱۹۸۰، وحينئذ استدعى المشير أبو غزالة من
واشنطن ليشغل منصب وزير الدفاع، وكان أبو غزالة في الفترة من ۱٩٧٦ - ۱۹۷۹ ملحقًا عسكريًا بواشنطن كان مبارك
وقتها نائبًا للرئيس وكانا يتعاونان معًا بإحكام على تطوير برنامج مساعدة الولايات
المتحدة العسكرية لمصر.
ويصف الصحفيون الأمريكيون انطباعاتهم
عن المشير فيقولون إنه رجل واضح وقوي وذو شخصية طموحة قادرة على وضع النقاط على
الحروف بطريقة مباشرة وموجزة والمشير شخصية متعطشة إلى المنصب تريد أن تخرج
برنامجها إلى الواقع، وهو شخصية حيوية، ففي اللحظة التي اغتيل فيها السادات وقف
أبو غزالة منتصبًا يشير بعصاه إلى القاتلين الذين قاموا بعملية الاغتيال صارخًا
بأوامره لمطاردتهم أما غيره فكان يزحف من تحت المقاعد محاولًا التخلص من حارسه
الذي يمسك به بشدة على حد تعبير سبرنجبورج.
• إحساس بخطورة المشير ورد فعل المشير:
وكان في القاهرة هناك من يشعر بخطورة
وزير الدفاع ولهذا فإنه لم تطلق يد المشير في تعيين من يشغلون المناصب العسكرية
العليا حتى يمكن مراقبة المد والجزر في درجة الولاء وعلى الجانب الآخر قاوم المشير
تعيين رئيس الأركان أو أي شخص يمكن أن يخلفه بسهولة بالرغم من أنه لم يكن قادرًا
على أن يملأ هذا المنصب بواحد من الضباط الموالين له.
• صعود نجم المشير:
أجرى الرئيس في عام ١٩٨٥ تغييرات في
المناصب المدنية لصالح المشير وتساعده على توسيع نفوذه.. كان أول رئيسين للوزارة
هما فؤاد محيي الدين وكمال حسن علي وكان كلاهما يتنافسان مع المشير في مجلس الوزراء
خاصة وأن ارتباطات الثاني مع القوات المسلحة كانت لا زالت قائمة... وحينما حل رجل
الاقتصاد «علي لطفي» محل كمال حسن علي في سبتمبر ١٩٨٥ أصبح الطريق أمام أبو غزالة
مفتوحًا لفرض سيطرته على مجلس الوزراء لأن ضعف صورة علي لطفي صعد المشير تلقائيًا
إلى الساحة.
وبدأ المشير يظهر بصورة مستمرة في
الصحافة اليومية بأكثر من ظهور رئيس الوزراء وأصبح ذلك أكثر بروزا حينما تولى
الوزارة عاطف صدقي.
وكان الاضطرار بعد أحداث الأمن المركزي
في ٢٥، ٢٦ فبراير ١٩٨٦ إلى عزل وزير الداخلية اللواء أحمد رشدي وهو شخصية قوية
وعنيدة ولا تقبل أنصاف الحلول وكان إدخاله أصلًا في حكومة حسن علي ليكون عنصرًا
يثقل من وزن كفة المواجهة مع المشير، كان معروفًا عن اللواء أحمد رشدي- على حد
فهم- سبرنجبورج أنه عنصر نظيف استعان به مبارك للقضاء على قوة رجال المخدرات وقد
عين زكي بدر محل اللواء رشدي بالرغم مما هو معروف عن ارتباطاته بالأنشطة غير
المشروعة وتعامله مع تجار المخدرات كما يقول سبرنجبورج أيضًا، ولم يستطع زكي بدر
بصورته الجافة غير المحبوبة في تحقيق ثقل يوازن كفة المشير الذي يبدو أكثر كياسة
ولباقة وقدرة على كسب التأييد لنفسه، جاءت ثورة قوات الأمن المركزي لتبدد الوهم
السائد بأن وزارة الداخلية يمكن أن تضمن استقرار الأمن العام ولتؤكد أن الجيش وحده
هو المدافع الحقيقي عن النظام، من هنا حصل إدراك بأنه لا يمكن حسم الصراع مع وزير
الدفاع إذا ما اعتمد على القوات المسلحة أو على ضغوط مجلس الوزراء على المشير كما
لا يمكن أيضًا الحصول على تأييد من واشنطن إذا اتخذ أي خطوة في ذلك.
• المشير وحادثة أشيل لورو
كان قد قرر سرا السماح لمختطفي السفينة
أشيل لورو بالركوب على متن طائرة مصرية، لكن المشير كان قد أبلغ على الفور
الولايات المتحدة عن طريق بعثتها العسكرية في القاهرة بأن المختطفين في طريقهم إلى
تونس على متن طائرة مصرية فأقلعت وحدة من طائرات الأسطول السادس في حينه وأجبرت
الطائرة المصرية على الهبوط في صقلية.. اندلعت المظاهرات أثر ذلك في الجامع الأزهر
وجامعة عين شمس فاضطر نائب وزیر الخارجية الأمريكية للقيام بزيارة سريعة لمصر لعلاج
الموقف.
• المشير وحادثة اختطاف الطائرة المصرية:
اختطفت في الشهر التالي للحادثة الأولى
طائرة مصرية وأجبرت على الهبوط في مالطة.. وبينما كانت هذه الطائرة تربض في أرض
المطار أقلعت طائرة أخرى عليها عدد من الكوماندوز المصريين وثلاثة من كبار
المستشارين العسكريين الأمريكيين بما فيهم رئيس البعثة العسكرية الأمريكية في
القاهرة هاجم الكوماندوز الخاطفين فتسببوا في قتل أكثر من نصف ركاب الطائرة
المختطفة.
أعطى صفوت الشريف وزير الإعلام المصري
تعليماته إلى وسائل الإعلام بتصوير ما حدث على أنه نجاح لكن الرأي العام كان قد
كشف الخسارة الفادحة من الإعلام الخارجي.
وتصور الناس أن هذه العملية قد نظمت
وخططت بواسطة المشير.
وقد دللت هاتان الحادثتان على الحضور
الكلي الأمريكي في ساحة العلاقات السياسية العسكرية في مصر.
وكان كافيًا حينما وصل الأمر إلى هذا
الحد أن يحاول الرئيس إبعاد المشير من وزارة الدفاع فقام بإغرائه بتقلد منصب نائب
الرئيس وذلك حتى يبعد يده عن الزناد قبل أبو غزالة العرض شريطة احتفاظه بمنصب وزير
الدفاع أيضًا.
«انتهى»