العنوان «فزاعة» شارون للعرب: إبعاد عرفات
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2003
مشاهدات 59
نشر في العدد 1570
نشر في الصفحة 25
السبت 27-سبتمبر-2003
استطاع عرفات صناعة موقعه القيادي في الحالة الفلسطينية بفضل مرونته الشخصية المفرطة التي مكنته من اللعب على الحبال المشدودة بين زعامات الإقليم وتناقضاتها، ومنحته القدرة على التكيف مع المناخ الأمريكي الذي بدأت بواكير موسمه منذ عقد الثمانينيات. وتلون مع هذه البيئة الجديدة بدرجات متباينة وما لبثت أن أخذت مسيرته السياسية مسارًا بيانيًا يتجه نحو الأدنى باتجاه تآكل الأجندة الفلسطينية، وهو تلون دعم مكانته ومنحه اعترافًا بشرعية قيادته، وغدا يمثل القيادة الفلسطينية المناسبة والمتناغمة مع المناخ الجديد بالمنطقة.
ولعل الإشارة الأبرز لهذا التوجه مقولته الخاصة لمقربيه بعد اجتياح بيروت عام 1982م التي صرح فيها بأنه قد قرر الصعود في القطار الأمريكي. المفتاح الآخر الذي عزز به قيادته في الساحة الفلسطينية على وجه الخصوص إمساكه بالقنوات المالية وشبكة توزيعها، ولذلك انطبعت صورته في الشارع الفلسطيني على أنه خازن بيت المال الفلسطيني، وتمكن من خلال دبلوماسية الشيكات من ضبط إيقاع منظمة التحرير والسيطرة على فضائها السياسي والثقافي.
مر عرفات راكبًا القطار الأمريكي بعدة محطات كانت أخراها محطة أوسلو، وكانت تلك المحطة أدنى نقطة في الخط البياني لمسيرته السياسية باعتبارها تراجعًا كبيرًا على صعيد الأجندة الوطنية الفلسطينية، وخلال عقد التسعينيات أثناء رحلة التسوية اصطدم القطار بمحطة كامب ديفيد وعلى إثره تفجرت انتفاضة الأقصى في سبتمبر عام 2000م.
في انتفاضة الأقصى ساد الخطاب الثقافي للمقاومة، وأدت تداعيات الانتفاضة لتطور أساليب المواجهة مما أدى في نهاية المطاف لعسكرة المجتمع الفلسطيني تأثرًا بزخم انتصار المقاومة في الجنوب اللبناني، وفي هذا المخاض ومع تعنت الكيان الصهيوني عاد تيار من «فتح» واتجه نحو الخيار العسكري بعدما استدبره في مرحلة أوسلو، وأصبح الخطاب العام لفريق واسع من فتح يزاوج بين المقاومة والتفاوض، والتصق عرفات بهذا الخيار وخطابه السياسي. وبهذا التصرف تجاوز عرفات عتبة أوسلو وأوغل في مسار لعبة جديدة رفض الكيان الصهيوني الاعتراف بقواعدها، ولعل هذا ما يفسر الضغط الشديد في بداية انتفاضة الأقصى على السلطة من قبل جيش الاحتلال، وتعمد تدمير بنيتها التحتية إرغامًا لها للخضوع والعودة إلى قواعد لعبة أوسلو.
في محطة خريطة الطريق، قرر الأمريكان طي ملف عرفات، وعملت الإدارة الأمريكية بالتنسيق مع شارون لإنتاج قيادة بديلة تقبل بسقف أدنى من القيادة الحالية، ولذا دعمت أبو مازن، وبالغت بدعمه إعلاميًا بالذات، مما أدى لحرق صورته السياسية في أوساط الشارع الفلسطيني، وفي المحصلة طبعت على جبينه قبلة الموت كما عبرت عن ذلك وزيرة الخارجية السويدية الراحلة «آنا ليند».
عمل تيار من فتح - حزب السلطة – على إفشال مهمة أبو مازن بكل الوسائل دعمًا لموقف عرفات وعقابًا لعباس على قبوله القفز على زعامة عرفات انصياعًا للرغبة الأمريكية، وأسهمت ظروف ميدانية في الساحة الفلسطينية - كعامل أساسي - في إسقاطه لعل من أبرزها تماسك المقاومة واستمراريتها وتمسك الشعب الفلسطيني بخيارها.
وبسبب المأزق الاستراتيجي الذي يحاصر الكيان الصهيوني جراء المقاومة، وصلابة تمسك الشارع الفلسطيني بها، وعلى إثر العمليات الأخيرة لحماس، عادت الحكومة اليمينية الصهيونية لفزاعة إبعاد عرفات ونقله لبلد عربي لإنهاء دوره السياسي، ولكن هذا الإجراء تعترضه عقبات وحسابات عديدة أبرزها:
1 - عدم القدرة على إنتاج قيادة بديلة بمواصفات تتلاءم مع الرغبات الصهيوأمريكية خاصة أن عصبة السلطة تتجسد في تنظيم فتح وهي لا ترغب بغير قيادة عرفات، ويتجاوز فتح ورجلها الأول لا يمكن توفير طرف فلسطيني يقبل بالتعاطي مع برنامج التسوية، إذ إن الأطراف الفلسطينية الفاعلة الأخرى على الساحة مثل حماس والجهاد - اللتين اتسعت قاعدتهما الشعبية خلال الانتفاضة الجارية - ترفضان أجندة التسوية جذريًا.
2- إبعاد عرفات سيعيد إنتاجه من جديد وسيخلصه من آثار أوسلو التي هزت صورته كزعيم وطني، وبالتالي سيشكل بصورته ووضعه الجديدين مصدر إزعاج من الصعب ضبطه، وعلى حد قول أفي دختر مسؤول الشاباك: من الأفضل حجزه في المقاطعة برام الله تحت رقابة العيون الصهيونية.
3- إبعاده سيؤدي إلى تدمير مسيرة التسوية، وربما يعيد الحالة الفلسطينية بل والمنطقة برمتها إلى مرحلة ما قبل أوسلو، وفي ذلك خسارة جسيمة للأطراف الدولية والإقليمية التي عملت على تخليق المناخ السياسي السائد بسقفه الواطئ الملائم كحاضنة لعملية التسوية.
4- على صعيد ميداني، سيؤدي اختفاؤه عن الساحة إلى تدمير السلطة الفلسطينية، وهذا ما لا ترغبه الأوساط الصهيونية نظرًا لحاجة الكيان لوجود السلطة، وبسبب الأمل الذي لا يزال يحدو مخططيهم لعودة السلطة لمربع أوسلو بالثوب الجديد الذي تمثله خريطة الطريق ووفق تصورات شارون لها.
5- ربما يؤدي الغياب القسري لعرفات إلى تفاعلات مفاجئة في الساحة الفلسطينية قد تفضي لتدافعات من الممكن أن تنتج قيادات غير مرغوب فيها، خاصة أن الطبقة القيادية المرشحة لخلافة القيادة الحالية والمتوافقة مع برنامج التسوية ستكون في موقف حرج حال تقدمها لملء فراغ السلطة تحت مظلة تعاون أمريكي أو صهيوني بعد الغياب القسري لعرفات.
بعض المصادر يشير إلى وثيقة أمريكية تؤيد التعامل مع عرفات في المرحلة المقبلة وتميل التكهنات المتكئة عليها إلى أن عرفات قد تجرأ على الإطاحة بـ«أبو مازن»، استنادًا لهذه المعلومات التي تذكر أن هناك تيارًا داخل إدارة بوش يدفع باتجاه العودة للتعامل معه نظرًا لفشل الخيارات الأخرى، بل إن الوثيقة تشير إلى أن إدارة بوش قد ساهمت في إسقاط أبومازن بالتخلي عنه.
في ظل هذه المعلومات غير المؤكدة.. هل يعود عرفات لمربع أوسلو؟ وهل التهديد عبارة عن فخ يراد نصبه للمقاومة على قاعدة معادلة الإبقاء على عرفات بثمن يتمثل بضرب المقاومة، خاصة أن بعض المصادر ذكر أن وساطات عربية تدخلت لدى الإدارة الأمريكية للجم شارون عن تنفيذ قرار الإبعاد مقابل الثمن المذكور؟
تحركات عرفات في الأيام المقبلة ستجيب عن هذه التساؤلات وغيرها؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل