العنوان إفريقيا تبحث عن طوق النجاة
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1988
مشاهدات 83
نشر في العدد 869
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 07-يونيو-1988
اختتم زعماء
إفريقيا القمة الرابعة والعشرين لمنظمة الوحدة الإفريقية بأديس أبابا بعد اجتماعات
استغرقت ثلاثة أيام، تخللتها لقاءات ثنائية لفك ما تشابك من منازعات حدودية وتنقية
لعلاقات شابتها عداوات التمرد.
ولعل أبرز تلك
المنازعات التي وجدت طريقها لحل نهائي هو النزاع الليبي - التشادي الذي أسدل ستاره
- بصورة درامية - الزعيم الليبي معمر القذافي على طريقته المعهودة.
وقد أصدر بيانه
الختامي بتبني قرارات الدورة السابعة والأربعين لمجلس وزراء منظمة الوحدة
الإفريقية، والبالغ عددها 18 قرارًا، ألمعها القرارات والتوصيات الخاصة بمشكلة
الديون الإفريقية وضرورة تأجيل المؤتمر الدولي الخاص ببحث مشكلة المديونية إلى
ديسمبر من العام القادم 1989، لإتاحة الفرصة الكافية لإجراء الاتصالات والمحادثات
مع الأطراف المعنية، مما يساعد في تحقيق أفضل النتائج.
وتُعد مشكلة
الديون الإفريقية هي الأكثر إلحاحًا وصعوبةً في آن واحد إذا ما أُريد لها الحل في
الظروف السائدة، سواء على المستوى الإفريقي أو على مستوى النظام الاقتصادي الدولي
المهيمن. فالقارة الفتية قد أصابها داء الشيخوخة المبكر فما كادت تتخلص من السيطرة
الاستعمارية حتى داهمتها أمراض التفتت والانقلابات العسكرية والجفاف، فكان لا بد
في مثل هذه الأجواء من تنامي الديون وتورمها حتى أصبحت تشكل غولًا خرافيًا يكاد
ينقض على الجسد الهزيل - اقتصاديًا - فيفترسه.
وقد اهتمت الدول
الدائنة والأمم المتحدة بمشكلة المديونية الإفريقية، غير أنه اهتمام على طريقة
الدائن والوسيط، وما كان له أن يكون أكثر من ذلك لإفريقيا بالطبع تصورها
واهتمامها، فهي تتطلع لحل جذري تظلله العدالة حسب ما تدرك هي وتريد فهل تجد
مبتغاها؟
الفساد وسوء
التخطيط:
نسبت مجلة
"كاونترا سباي" إلى وكالة الاستخبارات الأمريكية "C.I.A"
قولها: "إنها فخورة بجودة المعلومات التي جمعتها حول الفساد في صفوف الجيش
الزائيري"، وتضيف: "وعلينا أن نعزز الفساد فيها، ولكن علينا أن نحصل على
تقارير عن الفساد عند المدنيين وأسماء الشخصيات وأصحاب مراكز النفوذ".
نُشر هذا في
مطلع الثمانينيات وهو يوضح نوعية الأرضية التي كونت أسباب ونشوء الديون كما ساعدت
في تفاقمها. وعلى الرغم من الظلم المصاحب لعملية القروض سواء في شكله المتصل
بالفوائد والربا، أو في نوعية القرض من حيث الاستهلاكية والإنتاج، فإن الفساد
السياسي والإداري يأتي في مقدمة أسباب نشوء الديون.
فقد نشأت طبقة
من الحكام عقب الاستقلال تطمح في تحقيق التقدم واللحاق بركاب الحضارة وفقًا للنهج
الرأسمالي الغربي، ولما كانت موارد البلاد تعتمد أساسًا على المنتوجات الزراعية
والمواد الأولية الاستخراجية، فقد لجأت هذه الطبقة إلى الاستدانة الخارجية لتعويض
نقص حصيلتها من العملة الصعبة.
غير أن ما
أنشأته من هياكل إنتاجية لا ترقى لاستيعاب ما تتطلع إليه من تغيير كلي في العملية
الإنتاجية سواء في ميكنة الزراعة أو إحداث التصنيع الإنتاجي.
وقد ساعد في
تدمير تلك التجارب، سوء التخطيط الاقتصادي والإداري مما جعل التجارب أكبر بكثير
مما تتحمله القاعدة التحتية من خطوات. كما أن تلك الخطط لم تجد الوقت الكافي لكي
تأخذ حظها من النضوج ومن ثم استقراء الإيجابيات فيها، حيث إن عدم الاستقرار
السياسي الذي صاحب الفترة التي أعقبت فترة ما بعد الاستقلال والانقلابات العسكرية،
حتمت تغيير الخطط الاقتصادية وأحيانًا تغير النهج الاقتصادي المتبع من رأسمالي إلى
اشتراكي موجه مركزيًا، مما أرهق بدوره ميزانية الدولة وهذا أمر يكاد لا تنجو منه
أي من دول منظمة الوحدة الإفريقية.
الدين سلاح
الدائن:
إفريقيا ليست
وحدها التي تضع قدمها على نار الديون، فحسب النظام الدولي الاقتصادي وسلوك
الرأسمالية لا بد من دول دائنة وأخرى مدينة حتى تكتمل الدورة الاقتصادية.
فنظريات
الاقتصاد الرأسمالي تنادي بدعوى التخصص وتقسيم العمل الدولي، وهذا يقتضي أن تبقى
بعض الدول منتجة للمواد الأولية - زراعية كانت أو استخراجية - والبعض الآخر يقوم
بدور التصنيع وفي أشكاله المختلفة، وكان نصيب العالم الثالث بصفة عامة وإفريقيا -
ضلعه الأطول - إنتاج المواد الأولية اللازمة لاقتصاديات الدول المتقدمة - العالم
الأول والثاني -. ومن الطبيعي أن يكون المحتاج هو الدول الصناعية، إلا أن المقادير
السياسية الاقتصادية شاءت أن يكون هذا المحتاج هو سيد السوق خلافًا لكل القوانين
الطبيعية، وبذلك استمرأت الدول الصناعية سيطرتها على أسواق المواد الأولية فتدنت
أسعارها، وفي المقابل ارتفعت أسعار المواد المصنعة والسلع الصناعية مما ضاعف هموم
العالم الثالث وإفريقيا، ويُضاف لهذا أن مطلع السبعينيات شهد ارتفاعًا قياسيًا في
أسعار النفط، مما أرهق الميزانيات الإفريقية في توفير حاجتها من الطاقة، خاصة بعد
أن وسعت في استخدام القطاعات الخدمية والاستهلاكية مما اضطرها إلى اللجوء للبنوك
الخارجية من أجل الاستقراض الربوي.
الديون والحلقة
مفرغة
تُعد المديونية
الإفريقية التي لا تتجاوز 200 مليار دولار رقمًا متواضعًا إذا ما قِيست بمديونية
أمريكا اللاتينية، إلا أن ثقل هذه المديونية على إفريقيا أشد وطأة، حيث إن إنتاجها
هو الآخر يسجل عجزًا سنويًا يتجاوز 15 مليار، مما دفع بالأمم المتحدة إلى دعوة
الدول الأخرى لضرورة توفير هذا المبلغ سنويًا حتى تتجاوز حالة العجز التام.
وفي جانب
المديونيات فإن أغلب دول إفريقيا لا تسدد ما استحق من قروض، بل وتعجز بعضها حتى في
سداد الفوائد وخدمة الدين والتي تتجاوز مدخولها السنوي، مما يمكن معه أن يُكيَّف
الوضع الاقتصادي للديون كالآتي: "زيادة القروض الاستهلاكية - قروض للجدولة -
قبول شروط قاسية - زيادة الأسعار - انهيار اجتماعي - انهيار اجتماعي وسياسي".
فأكثر الدول تجاوزت المراحل الأولى لقروضها وأصبحت على حافة الانهيار الاجتماعي،
وهذا تقريبًا يشمل إفريقيا شمال وجنوب الصحراء، وإذا استثنينا جنوب إفريقيا فإن
الوضع الأمثل لاستخدام الديون ينعدم تمامًا وحتى بين الدول البترولية مثل نيجيريا
ومصر والجزائر، فهي تعاني نفس الإشكالات غير أن ظروفها الاقتصادية بحكم النفط أفضل
من بقية الدول غير النفطية. وقد ساعد في آثار المديونية هذا التضخم الركودي الذي
ساد في بداية الثمانينيات مما ضاعف من الفوائد الربوية على الديون وأصبح السداد
أمرًا أشبه بالمستحيل، كما أن طبيعة الفوائد الجمركية تضاعف رأس المال وتزيد
بالتالي في نسبة الفوائد وخاصة عند عدم السداد، مما جعل دولة مثل السودان لا
يتجاوز أصل ديونها 5 مليارات وعليها أن تسدد 11 مليارًا، وما زالت الحلقة تتسع
لتبتلع المزيد. وقد كان يمكن للديون أن تخرج من هذه الحلقة إذا ما تابع الإقراض
نظام حماية للمنتجات وخلق نشاط اقتصادي "سلعي" لتكون المعادلة كالآتي:
"قروض لسلع
أقل - نظام حماية وتشجيع للإنتاج المحلي - نشاط اقتصادي نحو القطاعات السلعية -
ازدهار اقتصادي واجتماعي".
المستقبل
المجهول
في سنة 1986
أقرت منظمة الوحدة الإفريقية في قمة هراري برنامجًا اقتصاديًا أطلقت عليه
"برنامج أولويات الإنعاش الاقتصادي"، وهو دعوة لإعادة تشكيل النظام
الدولي، مما يساهم في إيجاد حل لأزمة المديونية الصعبة وتبني في ذلك إطارًا
فضفاضًا يضم العوامل الداخلية والخارجية لأزمة المديونية، وإن كان لا يعمل على وضع
النقاط على الحروف - كما يقولون - إلا أنه عدد المبررات والدواعي التي استند إليها
في إعادة النظر بصورة كلية في المديونية الإفريقية. وترى في الإطار الداخلي لا بد
من إنشاء صندوق إفريقي يتولى تمويل حالات العجز المؤقت بسبب الكوارث الطبيعية أو
الجفاف، مما يقلل من تراكم أزمة الديون على الدول، كما دعت إلى مؤتمر دولي خاص
بأزمة الديون الإفريقية يأخذ في الحسبان الظروف الاقتصادية والبيئية التي تعيشها
القارة الإفريقية، مما يتحتم معه تشجيع إبرام اتفاقيات جديدة تضمن حقوق الدول
الإفريقية في استكمال بنيتها الأساسية ولا يتضرر برنامج الإصلاح الاقتصادي لديها.
أما كيفية تحقيق
تلك المعادلة الصعبة فإن الأمر مرهون بالمؤتمر الدولي وما يمكن أن يسبقه من
اتصالات وإجراءات ومحادثات. وقد اهتمت بعض الدول الدائنة بالدعوة للمؤتمر كما هو
الحال بالنسبة للاتحاد السوفياتي وفرنسا، التي ترجمت تضامنها إلى الدعوة باقتسام
عبء الديون الإفريقية إن لم يكن التنازل الكلي عنها.
المعادلة الصعبة
في مطلع
الستينيات تنبأت بعض الدوائر بأن الهند حالة ميؤوس منها، إلا أنها حصلت على بعض
المعونات المباشرة وهي التي تُعد أكثر سكانًا من إفريقيا، وبدأت في تنفيذ برنامج
طموح وصعب تمثل في زيادة صادراتها مما أورثها هذا الوضع المميز. وبالنسبة لإفريقيا
فإن حكوماتها كما ذكرت "الإيكونومست" تعتقد أنها تستطيع خلق الثروة
بمرسوم، وهي حالة غير قابلة للقياس عليها فلم يُفِدها الاستقرار السياسي كما لم
تُفِدها ثورات العسكر، فالتخلف الاقتصادي داء يتصل بالبنية الاجتماعية والثقافية
كما تتصل هذه بدورها بالأنظمة الإدارية والبيروقراطية المهترئة التي تؤثر تنفيذ
الإجراءات على تحقيق الأهداف. وبالرغم من أن بيانات القمم الإفريقية تُذكِّر
باستمرار بضرورة الاعتماد على الذات في إحداث التنمية وإقامة اقتصاديات متكاملة
ومتعاونة مع دول المنطقة، إلا أن الخطط ومشاريع التنفيذ لا تؤكد ذلك العزم الذي
يزيل البيانات. ولكي يتم الإصلاح الاقتصادي وسد الفجوة الناجمة عن العجز في
الميزان التجاري، فلا بد من تسيير دعوة الاكتفاء الذاتي في المواد الغذائية وتطوير
الإنتاج في مجال الاستخراج والزراعة، وزيادة كفاءة الإمكانات المتاحة حتى تزول
حالة العجز السلبية في الموازين التجارية. فالسودان - مثلًا - الذي كان في
الستينيات ينتج 113% أصبح عاجزًا في الثمانينيات عن إنتاج 50% من حاجاته الغذائية،
والأمر ينسحب على كل الدول الإفريقية بما في ذلك دول الساحل والشمال الإفريقي،
وربما كان الحل في إيجاد فترة سماح جديدة تُجمد فيها الديون لعشر سنوات ويُعفى
أغلب فوائدها، وتقوم المؤسسات الدولية بقروض ميسرة لتعديل الوضعيات الاقتصادية
وإقامة هياكل اقتصادية فعالة، مما يساعد في الخلاص من تمددات الأزمة التي تنذر
بالانهيار السياسي والاجتماعي.