; فرنسا.. احتجاجات واسعة على إعلان فرنسا استئناف تجاربها النووية. | مجلة المجتمع

العنوان فرنسا.. احتجاجات واسعة على إعلان فرنسا استئناف تجاربها النووية.

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1995

مشاهدات 70

نشر في العدد 1155

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 27-يونيو-1995

  • رئيس وزراء نيوزيلاندايقول عن القرار الفرنسي: «إنه عمل متبجح لقوة استعمارية متبجحة»

أعلنت فرنسا أخيرًا على لسان رئيسها الجديد جاك شيراك استئناف التجارب النووية بهدف «ضمان جدوى وأمن الردع النووي الفرنسي». 

وقد أثار هذا القرار زوبعة في دول جنوب شرقي آسيا، خاصة حيث ستطبق هذه التجارب كما احتجت بقوة العديد من المنظمات والهيئات الحزبية والمدافعة عن المحيط داخل فرنسا وخارجها.

 وبقدر ما تنم ردود الفعل هذه على حجم المخاطر الناجمة عن السباق لامتلاك السلاح النووي، بقدر ما تؤكد من خلال خلفيات هذا القرار وأبعاده مدى اتساع هوة التفاوت في ميزانالقوى العالمي.

وأول ما يلفت الانتباه في القرار الرئاسي الفرنسي باستئناف التجارب النووية هو الشكل الذي تم في إطاره الإعلان عن القيام بثماني تجارب في منطقة المحيط الهادي قرب الأراضي والجزر التابعة لفرنسا وبالتحديد بوليفيزيا.

فالإعلان تم في ندوة صحفية على الطريقة الأمريكية دعي إليها جمع من الصحفيين على عكس ما هو معتاد في قصر الإليزيه «الاقتصار على عدد محدود من الصحفيين المشهورين» وفسر هذا الإجراء بالتعامل مع القضية الحساسة المطروحة بكل «شفافية».

بيد أنه يبدو أن الخلفية من وراء الترتيبات المحيطة بالقرار تتمثل في سد الطريق أمام الاحتجاجات القوية المتوقعة، ويذكر أن عدة اتصالات قام بها الرئيس الفرنسي وأعوانه مع رؤساء الدول الغربية والمعنية وزعماء الأحزاب الفرنسية لشرح الموقف قبل الإعلان عن القرار، إلا أن حكومة نيوزلاندا كذبت مسألة الإعلام المسبق، ووصف وزير خارجيتها القرار الفرنسي بـ «التبجح النابليوني»، وصرح رئيس الوزراء جيم بولغير أمام برلمان هذه الدولة الآسيوية بقوله: «نشهد اليوم عملًا متبجحًا لقوة استعمارية متبجحة» وأوقفت نيوزيلاندا كل تعاون عسكري مع فرنسا.

وهو نفس القرار الذي اتخذته أستراليا والتي وصف رئيس حكومتها بول كيتينغ القرار الفرنسي بـ «المخيب للآمال جدًا» من ناحيته ندد نادي جنوب المحيط الهادي الذي يضم ١٥ دولة بالمبادرة الفرنسية واصفًا إياها بـ «الاحتقار الشنيع للرأي العام العالمي».

موجة احتجاجات

أما اليابان، فقد تحدثت على لسان وزير خارجيتها يوهي كونو عن «خيانة ثقة الأمم غير النووية في فرنسا»، وأوضح هذا الأخير أن بلاده أثارت هذه القضية خلال القمة الفرنسية - اليابانية (١٩/٦) بعد قمة الدول الصناعية بـ «هاليفاكس» في كندا، وعبر المسئولون الكنديون عن أسفهم الشديد للقرار الفرنسي، وفي الولايات المتحدة، ثم أيضًا الحديث عن «أسف» الإدارة الأمريكية وأخذها بعين الاعتبار للالتزام الذي قطعه شيراك على نفسه بإيقاف التجارب النووية في مايو ١٩٩٦م. وصرحت روسيا بأن استئناف التجارب «ضربة قوية لاتفاقيات نزع السلاح الموقع عليها أخيرًا».

وأما بريطانيا «القوة الثانية بعد فرنسا في إطار الاتحاد الأوروبي» فقد كان موقفها متأرجحًا، فقد صرح سفيرها في باريس بقوله: «ولا نرى داعيًا لأن تتأثر المفاوضات حول اتفاقية لمنع التجارب النووية تمامًا بمجرد برنامج لتجارب محدودة». وتبقى الصين الطرف المستفيد من هذا القرار الذي يدعم سياستها في القيام بتجارب نووية مع تجاوز الموراتوريوم «قرار بالتأجيل» المتعلق بهذه التجارب، بل إن القرار الفرنسي فتح المجال للأطراف المالكة للسلاح النووي بالتفكير في القيام بتجارب من جهتها قبل خريف ١٩٩٦م. موعد اتفاقية المنع، فقد دعا وزير الدفاع الأمريكي إلى التغير في نفس الاتجاه. 

وقد تجاوزت موجة الاحتجاج دول جنوب المحيط الهادي إلى نسبة من الرأي العام الفرنسي سواء في فرنسا نفسها أو في الأراضي والجزر التابعة لها في تلك المنطقة. وكان الحزب الاشتراكي والمحافظون على المحيط ومنظمة «السلام الأخضر» على رأس  الأطراف المحتجة، وفي بولينيزيا الفرنسية وصف السناتور دانيال ميو استئناف التجارب بـ الرعونة والخطأ الفادح الذيسيضع مشاكل عديدة لفرنسا.

قوة نووية بأقل التكاليف

وبغض النظر عن هذه المواقف الاحتجاجية في معظمها، فإن القرار الفرنسي يندرج في إطار قناعات ديجولية للرئيس شيراك بإيجاد قوة دفاعية وهجومية مستقلة لفرنسا، وتكفي الإشارة إلى الكلمة التي ألقاها شيراك مباشرة بعد فوزه بالرئاسة فقد تحدث عن إعادة إشعاع الدور الفرنسي في العالم وعن العقلية الاقتحامية التي يجب التحلي بها مستقبلًا والقيام بتغيير حقيقي ومعلوم أن نقاشًا متواصلًا داخل سلطة القرار الفرنسي يدور حول حجم قوة الردع النووية، وإمكانية الاحتفاظ بثلاث ترسانات برية، وبحرية، وجوية، بالنظر إلى التكاليف الباهظة، وفي ندوته الصحفية، أشار شيراك إلى هدفه في تمكين فرنسا أمنًا مدعومًا بأقل التكاليف والتفكير في إغلاق القاعدة النووية البرية «البيون» داخل فرنسا التي تمسك بها الرئيس الاشتراكي ميتران، وكان هذا الأخير ينوي دعم القاعدة بإقامة صواريخ س ٤٥ عام ٢٠٠٠م وس ٥ عام ٢٠١٠م.

وكانت هذه القاعدة البرية أقيمت بشكل مؤقت في انتظار قيام القاعدة النووية بالمحيط الهادي، تحتوي على غواصات نووية SNLE المجهزة بصواريخ م ٤ سداسية الرأس لها القدرة على ضرب أهداف تتجاوز 5 آلاف كلم، وهذه الغواصات تمثل ٩٠٪ من القوى النووية الفرنسية.

وكان ديجول قد قرر عام ١٩٦٣م في إطار مجلس الدفاع تمكين فرنسا من قوة نووية جوية وبحرية في «المحيط الهادي» وكانت القوات الجوية الاستراتيجية FAS الفرنسية تضم طائرات ميراج حاملة الصواريخ جو- أرض على مرمى متوسط IVP-ASMP التي ستعوضها طائرات رافال المحملة بنفس الصواريخ مع بداية القرن القادم.

واليوم تبلغ تكاليف ميزانية السلاح النووي أكثر من ٢٠ مليار فرنكًا فرنسيًا «حوالي ٤ مليارات دولار» أي خمس ميزانية التجهيز المسلح منها ۲.۲ مليار فرنكلصيانة قاعدة موريروا بالمحيط الهادي و ٤٠٠ مليون فرنك لقاعدة «البيون» البرية.

من خلال ما تقدم يتبين أن المصلحة الفرنسية في الظهور بمظهر القوة الكبرى في العالم بأسلحتها النووية هي الدافع الأساسي للقرار الفرنسي بمواصلة التجارب في الحقل النووي بالرغم من الاعتراضات والاحتجاجات على مستوى عالمي، وبالرغم من مشاركة باريس في اتفاقية عدم انتشار الأسلحة التي دار حولها جدل كبير، ثم إن القيام بهذه التجارب بعيدًا عن فرنسا والتفكير في إغلاق القاعدة البرية داخلها مقابل دعم السلاح النووي الفرنسي بأقل التكاليف سياسة تدل على نمط من التعامل الإنساني مع بقية الشعوب باحتكار الخبرة النووية من أجل ضمان التفوق في القوة المادية العسكرية عمومًا، والنووية خصوصًا، ومنع كل الدول ذات الثقل السكاني والإشعاع الثقافي والحضاري خارج الدائرة الغربية من اكتساب وسائل المناعة والقوة، وبالتالي تكريس هوة التفاوت في ميزان القوى العالمي وتقسيم العالم إلى صانعي قرار ومحتكري القوة من جهة ومنفذين وأتباع شعوبًا وحكامًا من الجهة الأخرى والنتيجة اختلال التوازن ومزيدًا من بؤر التوتر..

الرابط المختصر :