العنوان إغفال التوثيق في الكتابات الإسلاميَّة ظاهرة يجب أن نتحاشاها في المستقبل
الكاتب عبدالوارث سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1979
مشاهدات 89
نشر في العدد 448
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 05-يونيو-1979
«التوثيق »، أو ذكر المصادر والمراجع التي استقى منها الباحث بعض المعلومات التي ضمنها بحثه، استشهادًا أو تقويةً لوجهة نظره، أو حتى من أجل الرد عليها وتفنيدها، أصبح عرفًا مستقرًا بين الباحثين في مختلف المجالات، وألفت فيه البحوث التي تبين نوعيات المصادر التي يعتمد عليها في الاستشهاد والقيمة العلمية التوثيقية لكل نوعية، فبحوث المتخصصين غير الكتابات العامة، والمجلات العلمية المتخصصة غير الصحف اليومية والدوريات العامة... وهكذا.
كما تبين تلك البحوث الأعراف المتفق عليها بين الباحثين في كيفية إیراد الاقتباس، وذكر مصدره وما يلزم لذلك من بيانات خاصة بالمرجع، كعنوانه واسم مؤلفه ومكان الطبع وتاريخه ورقم الصفحات... إلخ.
وإذا كان هذا النظام قد تطور واستقرت أصوله في البيئات العلمية في الغرب في العصر الحديث، وأصبح عرفًا دوليًا يسير عليه الباحثون في كل مكان التزامًا أو تدريسًا أو ترجمةً، ومنهم باحثون مسلمون، فإن ذلك لا يعني أن حضارة الإسلام لم تعرف هذا الأمر، بل المعروف أن علوم الإسلام حظيت -بشهادة الغربيين المحدثين أنفسهم- بنوع من التوثيق الأمين المحكم، لم تحظ به علوم أية حضارة أخرى حتى الحضارة الغربية الحديثة نفسها، إذا استثنينا وسائل التوثيق التي ابتكرها العلم الحديث كالتسجيلات الصوتية والمرئية، ويقف على الحديث وما يتصل به من علوم الجرح والتعديل والرجال، على قمة هذا الهرم الشامخ في ميدان التوثيق والدقة والأمانة العلمية.
إذن، ماضينا العلمي المشرق، ومناهج البحث السائدة في عصرنا تدعونا قبل غيرنا، إلى أن نكون في مقدمة الآخذين بأدق مناهج التوثيق في كل ما نكتب. وهذا -فوق ما فيه من وفاء بحق العلم والبحث- ضروري، وفي هذا الوقت بالذات، للأسباب التالية:
- الاتجاه العام بين القراء هو الاطمئنان إلى ما يلقى إليهم من حقائق، واستنتاجًا إذا كانت مدعمة بالشواهد موثقة بالمصادر والمراجع، وبالشكل الذي يمكنهم معه أن يرجعوا بأنفسهم إلى تلك المصادر -إن أحبوا- ليستوثقوا من صحة النقل وأمانته، أو ليستزيدوا تبصرًا بالموضوع في إطاره العام أو في أكثر من مصدر.
أما إذا جاءتهم المعلومات خلوًا من شواهد التأييد، أو بدون توثيق يمكنهم التثبت منه، فغالبًا ما تفتر حماستهم للموضوع، إن لم يتطرق إلى نفوسهم شيء من عدم الثقة أو عدم الاطمئنان.. وما أسهل أن يقبلوا تشكيكًا أو نقضًا لما قرأوا.
۲- شاعت في الكتابات المعروضة في سوق الثقافة الواسعة، ظواهر التزييف وسوء النقل وبتر النصوص- من نحو «لا تقربوا الصلاة...»، بل تعمد التضليل أحيانًا.. وهذه الأخلاقيات المتدنية في مجال البحث تركت انطباعًا سيئًا لدى الكثيرين، وقللت رصيد الثقة فيما يقرأ.. فما بالنا إذا جاء خلوًا من كل توثيق اعتمادًا على ثقة الكاتب بأمانة نفسه وثقته في قرائه؟؟
3- الكاتب الإسلامي في هذه الأيام يواجه تيارات مضادة كثيرة، فهو لذلك في أمس الحاجة إلى كل عامل يدعم موقفه ويزيد من رصيد الثقة فيه لدى القراء.. ولا شك أن اهتمامه وحرصه على التوثيق واحد من تلك العوامل.
4- النهضة الإسلامية المباركة في الوقت الحاضر، والسارية -بوجه خاص- بين قطاع الشباب، تضع شبابنا المسلم في كل زمان ومكان في مواجهات مستمرة مع أقرانهم ممن لم يروا بعد نور الإسلام.. فتدور المناقشات الحامية على مختلف القضايا.. ويتجه الشاب المسلم إلى كتابات البارزين من الكتاب الإسلاميين، إلى كتبهم ومقالاتهم فيجد خيرًا كثيرًا يفيده في تلك المواجهات، ولكنه أحيانًا يقف عاجزًا عن دفع شبه المخالفين، وتشكيكهم في صحة ما يورده فلان أو فلان من الكتاب، ما دام قد جاء عاريًا عن المصدر الأصيل الذي استقى منه.
إن هذا النداء إلى الكتاب الإسلاميين ممن تعودوا على إغفال التوثيق، لا يعني أبدًا أي شك في أمانتهم، بقدر ما يعني حرصًا على تقوية موقفهم وتعميق النفع بما يكتبون.
ولقد هممت أكثر من مرة بالكتابة عن هذا الأمر كلما قرأت شيئًا لأحدهم، واستلفت نظري ندرة التوثيق أو غيابه تمامًا، أو مالت نفسي إلى مراجعة مصدر ما أورد الكاتب من حقائق و شواهد مهمة.. ولكني كنت أنصرف عن ذلك كسلًا أو شعورًا مني بالثقة فيهم، أو خوفًا من تأويل ندائي بما لا أحب، ولكيلا يكون ندائي هذه المرة خلوًا من التوثيق، فإني أقدم نماذج متباينة من ظاهرة إغفال التوثيق أو عدم كفايته.
- في مجلة المجتمع عدد ٤٣٨ «20 - ۳ - ۱۹۷۹» ص -13- وفي ثنايا الحديث عن امتهان الحضارة الغربية للمرأة، أورد الكاتب:
«... ولقد كتب أحدهم صادقًا أنه دخل مطعمًا أنيقًا في إحدى الدول الغربية، فلفت نظره وجود تمثال لفتاة عارية، ولكن بعد مدة وجد هذا التمثال يتحرك عندما أتت لجانبه فتاة عارية أخرى، لتقف مكان الأولى فترة أخرى بوضع آخر».. أين المصدر؟ أو حتى إشارة اعتذار عن عدم ذكره؟
وكثيرًا ما نسمع مثل هذا التعبير الإبهامي: ...أحدهم -أحد العلماء- يقول علماء الغرب.. بعض الباحثين... إلخ.. ولا شك أننا جميعًا نعرف أن علماءنا -جزاهم الله خيرًا- كانوا يضعون درجة الحديث، أو يتوقفون في أخذه، إذا أغفل ذكر أحد رواته بالاسم أو أبهم كأن قيل: سمع من رجل، أو حدثه رجل، أو امرأة، أو أبو فلان... إلخ.. وهو صورة من صور الحديث «المنقطع» الذي هو قسم من «الضعيف». «مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث - دمشق ۱۹۷۲ ص ۲۷».
٢ - في العدد ٤٤٦ «٢٢ - ٥ - ۱۹۷۹» من «المجتمع»، وفي مقال «للدكتور محمد علي البار» عن إثبات فساد نظرية خروج المرأة للعمل ورد هذا النص: «ويقول تقرير هيئة الصحة العالمية الذي نشر في العام الماضي، أن كل طفل مولود يحتاج إلى رعاية أمه المتواصلة لمدة ثلاث سنوات على الأقل.. «وأن الهيئة طلبت من جميع حكومات العالم أن تفرغ المرأة وتدفع لها راتبًا شهريًا، إذا لم يكن لها من يعولها حتى تستطيع أن تقوم بالرعاية الكاملة لطفلها».. وفي نفس المقال أيضًا.. «أثبتت الدراسات الطبية والنفسية أن المحاضن وروضات الأطفال لا تستطيع القيام بدور الأم في التربية، ولا في إعطاء الحنان الدافق الذي يغذيه» هذه النقول الممتازة التي تتطابق مع رأي الإسلام، وتؤكده، أما كان الأولى أن يذكر للقارئ مصدرها بالتحديد؟! ليس كل القراء يعرفون الطريق إلى المراجع، خاصة الأجنبية، والكاتب الذي نقل عنها أقدر الناس على أن يدلهم عليها.
ولأذكر هنا حادثة وقعت لي قريبًا، تتصل بخطورة إغفال التوثيق حتى في أهون صوره، فلقد ذكرت صحف مصر« الأهرام والأخبار في ٢٠ - ٥ - ۱۹۷۹» عن استقبال الرئيس السادات لوفد يمثل منظمة «بناي بريث» اليهودية، وكنت قد قرأت شيئًا عن هذه المنظمة الماسونية الخطيرة في كتاب «الماسونية في العراء» للأستاذ محمد علي الزعبي « ط ۲ - ۱۹۷۷ ص ۸۷ »، فأحببت أن أقرأ عنها في مصادر الغرب واليهود أنفسهم، ونظرًا لأن اسمها ورد بالعربية فقط في صحف مصر وفي كتاب الأستاذ الزعبي، فقد أنفقت وقتًا طويلًا حتى عثرت على هجائه الأجنبي الصحيح «B'NAI BIRTH».
لا تمكن من مراجعته في دوائر المعارف الأجنبية ومنها اليهودية، ولو كتب الأستاذ الزعبي هاتين الكلمتين بهجائهما الأجنبي، لوفر علي هذا الوقت الضائع، بل ربما شجعني منذ البدء على مراجعة المادة في مظانها، وهو ما أخذت منه كثيرًا.
فحتى هذا الضرب اليسير من التوثيق وهو ذكر الأسماء بهجائها الأجنبي، يفيد وجوده ويضر إغفاله.
إذا تركنا المجلات وانتقلنا إلى الكتب، وهي أولى بتوفير التوثيق في صورته الكاملة المتعارف عليها، لوجدنا أن الكثير منها، ولكتاب بارزين يفتقر إلى هذه السمة.
على سبيل المثال، كتيب «يهود الدونمة» للأستاذ محمد علي قطب «القاهرة ۱۹۷۸» خلو تقريبًا من أي توثيق، رغم لأنه مبني على حقائق وتفاصيل لا يمكن إلا أن تكون مأخوذة عن مصادر معينة، والتوثيق هنا ضروري لخطورة الموضوع، ولدوره في دعوة القراء إلى الاستزادة من العلم بالموضوع.
في كتاب جليل مثل: «جاهلية القرن العشرين» للأستاذ الكبير محمد قطب، نجد أيضًا بعض الحقائق المنسوبة إلى أفراد بأعيانهم، دون ذكر المصدر الذي أخذت منه، انظر هذا الكتاب «دار الشروق، ۱۹۷۵» ص ۱۹۷، ۱۹۸، ۲۰۰، ۲۰٦.. كأمثله فقط.
وفي كتاب ضخم «٦٤0 ص» عن أخطر الموضوعات التي تهم المسلم في الوقت الحاضر وعنوانه «أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها، التبشير، الاستشراق، الاستعمار» بقلم عبد الرحمن حسن حبنكة المدني- نجد هذه الظاهرة واضحة إما إغفالًا تامًا للمصدر، أو ذكره بطريقة لا تساعد القارئ، فبعد اقتباس بعض الحقائق من «الغارة على العالم الإسلامي» يشير في الهامش هكذا: ««۱» اقتباسًا من «الغارة على العالم الإسلامي»!
هل اقتبس من الأصل الفرنسي أو من الترجمة العربية؟ أي طبعة؟ من أي الصفحات؟؟ وينقل صفحات طويلة «ص ٢٨ - ٥٤» دون أن نرى خلالها سوى «عنوان» واحد -مجرد العنوان- دون أي تفاصيل عن لغة هذا المصدر أو نشره أو طبعته، أو الصفحات التي تم الاقتباس منها، وبالطبع فإن ذلك لم يكن ليكلف الكاتب سوى إضافات قليلة جدًا، لن تزيد من حجم الكتاب الضخم إلا قليلًا، ولكنها لو ضمنت لرفعت من القيمة التوثيقية للكتاب، ولساعدت القراء على التثبت والتوسع في الموضوع.
وتكفينا هذه الأمثلة للدلالة على وجود هذا النقص الذي لا أظنني الوحيد الذي يشعر به، ونختم بالإشارة إلى النمط الجيد من التأليف والذي نأمل أن يتخذ قدوة من بقية كتابنا، من أمثلة هذا النمط الجيد كتاب «التبشير والاستعمار» للأستاذين عمر فروخ، وروحي الخالدي.
هدانا وإياكم سواء السبيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل