العنوان رائد الدراسة المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية (الأخيرة)«عودة» وضع النظريات العامة وعلينا أن نكمل
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1998
مشاهدات 72
نشر في العدد 1305
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 23-يونيو-1998
إن اختيارنا لكتاب القاضي الشهيد عبد القادر عودة ليكون منطلقًا نحو إعداد موسوعة عصرية في فقهنا الجنائي يرجع إلى أنه في نظرنا بدأ مرحلة جديدة في دراسة تشريعنا الجنائي الإسلامي.
لقد بدأ هذه المرحلة بأن كان أول من تكلم عن القسم العام في فقهنا الجنائي- ولم يسبقه إلى ذلك باحث أو فقيه، كما أنه حتى الآن لم يلحق به أحد في هذا المضمار.
لقد أشار إلى أنه حرص على استخدام المصطلحات القانونية العصرية وتقسيم أبحاثه وتبويبها على نمط القوانين الوضعية، لكنه لم يقف عند هذا الحد، بل إنه كان أول فقيه يستنبط مبادئ القسم العام في التشريع الجنائي الإسلامي، إذ سار العلماء دائمًا على الاكتفاء بدراسة الأحكام الخاصة بكل جريمة من الجرائم على حدة، مما يدخل في نطاق ما يسمى الآن بالقسم الخاص في القانون الجنائي، إن فقهاءنا لم يتجهوا قط إلى دراسة المبادئ المشتركة بين جميع الجرائم والعقوبات، التي تكون ما نسميه الآن القسم العام في التشريع الجنائي، وقد تكفل فقيهنا بهذه المهمة الشاقة وقام باستنباط أحكام هذا القسم، وكان أول من فعل ذلك، ولهذا اعتبرنا كتابه بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدراسات الجنائية الإسلامية.
والذين يعرفون صعوبة الرجوع إلى كتب الفقه الإسلامي، في جميع فروعه يستطيعون تقدير الجهد الكبير الذي بذله الشهيد لكي يقدم لنا القسم العام للتشريع الجنائي الإسلامي بصورة لم يسبقه إليها واحد من علماء الفقه أو رجال القانون.
وهذا العمل العلمي الفذ، كان له- كما قدمنا - دور كبير في تسهيل مهمة لجان التقنين المتعددة التي عملت بعد صدور كتابه حتى استطاع كثير منها أن يقدم صورة كاملة للتقنين الشرعي الجنائي.
والأهم من ذلك ما أشرنا إليه من قيامه بتسهيل المشاركة الفعلية في الدراسات الإسلامية لرجال القانون الوضعي وتشجيعهم على ذلك مما مكن عددًا كبيرًا منهم من المشاركة في لجان التقنين والقيام بدور إيجابي كبير في عملية التقنين التي كان يرغب فيها بعض الحكومات لكي تستعين بها في إدخال التعديلات المناسبة على التشريعات المطبقة فيها محاولة بذلك إزالة التناقض بينها وبين الفقه الشرعي، لتصل إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بأسلوب التدرج والتأني مع الاستجابة للمطالبة التي تلح الجماهير والشعوب في الإصرار عليها.
ومن يراجع أسماء أعضاء لجان التقنين التي شكلت في كثير من البلاد يجد أنها تضم إلى جانب علماء الفقه الإسلامي وأساتذته في الجامعات المختلفة عددًا كبيرًا من أساتذة القانون العصري وعلمائه، وهذا التعاون بين ذوي الثقافتين يعتبر في نظرنا ظاهرة عصرية تبشر بالسير الجدي نحو اندماجهما في تيار علمي عصري يتجه للقضاء على مساوئ ازدواجية الثقافة وإزالة الحاجز الذي يفصل بين دارسي الفقه ودارسي القوانين المعاصرة، حتى أصبح كثير من الجامعات يضم كليات تجمع بين دراسة الفقه والقانون الوضعي، على الرغم من أن البعض يفضل وصفها بأنها «أنظمة» لكي تؤكد خضوعها لسيادة الشريعة وإلتزامها بمبادئها الأساسية، وبالتالي تبعيتها الكاملة لها .
أبرز الشهيد عودة أهم خصائص الشريعة التي لا تقر الفصل الجامد بين فروع القوانين العصرية.. ولا فصل التشريع وأحكامه عن العقائد الدينية والقيم الأخلاقية
إن نماذج التقنينات السابقة على هذا الكتاب كانت محصورة في نطاق المعاملات المدنية «مجلة الأحكام العدلية»، أو الأوقاف والأحوال الشخصية «كتب قدري باشا»، وعلى حد علمنا لم يحاول أحد اقتحام مجالات تقنين الفقه الجنائي، ولذلك كان كتابه في نظرنا، إيذانًا ببدء موجة تقنينات عصرية فقهية للتشريع الجنائي الإسلامي، ولا شك في أن الجهد الذي بذله في إعداد هذه الدراسة المقارنة كان عاملًا أساسيًا في نجاح الدعوات المتتالية لتقنين الفقه الجنائي الإسلامي، كما كان له فضل كبير في تسهيل أعمال اللجان التي قامت بذلك سواء في مصر أو ليبيا أو الإمارات أو الكويت... كما يتضح ذلك من مراجعة ومقارنة التقنينات التي أعدتها تلك اللجان.
عندما اتجهت بعض الحكومات لتقنين الفقه الإسلامي، وبخاصة في مجال التشريع الجنائي، فإنها بدأت بتشكيل لجان علمية لذلك، ووجدت الباب مفتوحًا والطريق ممهدًا لذلك بسبب ما قام به شهيدنا من جهد كبير في عرض فقهنا بالصورة التي تسهل عملية المقارنة بينه وبين القوانين الوضعية لأنه يتبنى المصطلحات والتقسيمات والتبويب العصري.
وإذا كنا نعتبر القسم العام الذي تكفل بوضع أساسه عبد القادر عودة قد فتح لنا الطريق لكي نواصل السير على نهجه في دراسة فقهنا مقارناً بالتشريع الوضعي، فإن هذه المقارنة مكنته من إبراز تفوق فقهنا وتقدمه زمنيًا وعلميًا، على ما يشتمل عليه التشريع الوضعي الذي نصفه بأنه عصري، أو حديث، واستطاع بذلك أن يذكرنا أن كل ما ورد في قوانينا الوضعية مما نعتبره من ثمار العلم والفقه العصري، قد سبق إليه فقهنا، وأن من الأفضل أن نعتز بأصالته لكي نبني عليه وعلى أساسه كل ما تقتضيه تطورات الزمان وظروف المكان بدلًا من التسول والتبعية للمستوردات الأجنبية التي تزخر بها القوانين الوضعية في كثير من بلادنا .
وإذا كان التقنين يحتاج إلى وضع نصوص لتحديد جرائم التعازير التي لم يتعرض لها فقهنا الموروث، بل تركها للقضاء الذي لم يصلنا شيء عما قضى به بشأن أركان تلك الجرائم، وشروط كل منها، فإن فقيهنا قد فتح لنا باب التنظير لنستعين به في التقنين.
إنه لم يكتف بعرض أحكام القسم العام والقسم الخاص في التشريع الجنائي الإسلامي، بل أضاف لذلك فصلًا تمهيديًا جعله في مقدمة كتابه بعنوان «تقديم وتوجيه» عرض فيه ما اعتبره نظريات عامة في التشريع الإسلامي، على ضوء المبادئ الأساسية في شريعتنا التي لا يقتصر مفعولها على التشريع الجنائي، بل هي أعم من ذلك لأنها في نظره تهيمن على جميع فروع التشريع سواء كان مدنيًا أو إداريًا او دستوريًا، ويكفي أولها نظرية الحرية ونظرية «المساواة الإنسانية»، ومساواة المرأة بالرجل... إلخ.
بهذا أبرز فقيهنا أهم خصائص شريعتنا التي لا تقر الفصل الجامد بين فروع القوانين العصرية، بل تعتبر الأحكام كلها متكاملة ومترابطة وخاضعة لأصول عامة مشتركة، وأكثر من ذلك فلا يجوز فصل التشريع بجميع فروعه وأحكامه عن العقائد الدينية والقيم الأخلاقية والاجتماعية، ويكفي الإشارة إلى ارتباط التشريع الجنائي بعقيدتنا عن الجزاء الأخروي الذي يفرضه علينا الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالبعث والنشور والحساب أمام الخالق سبحانه يوم القيامة .... ولهذا أثره فيما قرره فقهنا من قيود على تطبيق عقوبات الحدود والقصاص، لأن الجزاء الحقيقي هو يوم الحساب في الحياة الآخرة، وكل ما يقع في الدنيا من محاكمات نسبي محدود الأثر.
إنه بذلك أكد تميز فقهنا الذي يجمع بين أحكام العقائد والعبادات والجنايات والمعاملات والإدارة والولاية وجميع ما يلزم لضمان حقوق الأفراد والأسر والمجتمعات والأمم في نطاق عام شامل متداخل بحيث لا يمكن عزل الدراسات الجنائية عن أي منها.
إن النظريات التي تكلم عنها فقيهنا في التمهيد كفيلة بأن تجعل فقهنا ينبض بالحياة وتنمو أحكامه كما تنمو الأشجار الباسقة التي تبدأ بذورًا لتنتهي ثمارًا وافرة يحمل كل منها سر الحياة أو النماء في شريعتنا حتى يصح وصف نظرياتها ومبادئها بأنها أشجار طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وهذه الأكل ذاتها تكون بدورها بذورًا للأحكام المستقبلية التي يمكن استنباتها لتصبح هي بدورها في المستقبل أشجارًا باسقة، وهكذا نرى دورة الحياة في فقه شريعتنا تضمن لأحكامها ولفقهنا النمو والخلود بفضل هذه المبادئ التي وصفها فقيهنا بأنها نظريات، وهي كذلك ولذلك فإن كتابه قد بدأ مرحلة «التنظير» التي تفتح أفاقًا واسعة لنمو تشريعنا وخصوبة مبادئه وتقدمه وتحصن فقهنا من الجمود بسبب التقنين الذي أصبح ظاهرة العصر.
([1]) أستاذ القانون والفقه المقارن بجامعة الملك عبد العزيز بجدة وجامعة القاهرة وجامعة محمد الخامس بالمغرب سابقًا.