; إعلان القاهرة وسيناريو الفرصة الأخيرة | مجلة المجتمع

العنوان إعلان القاهرة وسيناريو الفرصة الأخيرة

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

مشاهدات 58

نشر في العدد 742

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

ألقى ياسر عرفات يوم 7 نوفمبر الجاري من القاهرة والرئيس المصري حسني مبارك إلى جانبه بيانًا جاء فيه: «ودفعًا للجهود المبذولة لعقد المؤتمر الدولي للسلام تعلن المنظمة شجبها وإدانتها لجميع عمليات الإرهاب سواء تلك التي تتورط فيها الدول أو تلك التي يرتكبها أفراد أو جماعات ضد الأبرياء والعزل في أي مكان، وتؤكد منظمة التحرير الفلسطينية قرارها التزام جميع فصائلها ومؤسساتها بهذا القرار». وأضاف البيان: «وتؤكد المنظمة في هذا السياق تمسكها بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لأراضيه بكل السبل المتاحة؛ بهدف تحقيق الانسحاب من هذه الأراضي» وفي الختام أكد البيان: «وأن هدفنا في النهاية هو تحقيق السلام العادل والشامل والدائم بما يضمن إقرار الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني من أجل إقامة المجتمع الأمن في كل مكان»، وقد أطلق على هذا البيان إعلان القاهرة، ذهبت القوى السياسية ووسائل الإعلام في تحليله شتى المذاهب ما بين رافض وهو موقف إسرائيل، ومتحفظ وحذر وهو موقف أمريكا وأوروبا، ومؤيد ومطالب بالمزيد وهو موقف مصر والأردن، وأما على المستوى الشعبي فقد كان الموقف متباينًا كذلك، لكنه يميل في معظمه إلى الاستنكار والاستهجان، كما ذهب معارضو المنظمة إلى وصفه بالتنازل والاستسلام وربما الخيانة وبيع القضية. 

فما هو مدلول إعلان القاهرة وما هو موقعه في سيناريو ما يسمى «بفرصة السلام الأخيرة»؟

حلقة في سلسلة

طالما أن إعلان القاهرة عمل سياسي فلكي تعرف أبعاده ومدلولاته، لا بد من وضعه في سياق التطورات السياسية على ساحة الشرق الأوسط خاصة وأن عرفات نفسه سماه هجومًا دبلوماسيًّا مضادًّا.

جاء الإعلان بعد محادثات عرفات مع الملك حسين في عمان، حيث تواترت الأنباء القائلة بأن الملك حسين طلب من عرفات حزم أموره بصورة تمكن اتفاق فبراير 85 من الصمود والحركة، وفي مقدمة هذه الأمور تلافي مشكلة لندن، وهي عدم توقيع ممثلي المنظمة على بيان يدين الإرهاب كمقدمة لاجتماع وزير خارجية تاتشر السيد جيفري هاو بالوفد الأردني – الفلسطيني المشترك. ومما يؤيد هذه الأنباء رد فعل الملك حسين على إعلان القاهرة حيث رحب به وطالب عرفات بالمزيد من التنازلات لجهة الاعتراف بقراري مجلس الأمن 242 و338 كثمن لمشاركة المنظمة في المؤتمر الدولي لتسوية القضية الفلسطينية.

وجاء الإعلان كذلك بعد الهجوم الأمريكي - الصهيوني على المنظمة في أعقاب عمليتي لأرنكا واختطاف السفينة الإيطالية أشيل لورو، حيث أصبحت المنظمة في موقع الدفاع ولصقت بها صفة الإرهاب حتى من قبل بعض الأصدقاء والحياديين، الأمر الذي جعل دول عدم الانحياز تسحب طلب دعوة عرفات لإلقاء خطاب في الأمم المتحدة، وقد نسي هؤلاء بالطبع الإرهاب الإسرائيلي اليومي ضد الشعب الفلسطيني كما نسوا الغارة على مقر المنظمة في تونس والقرصنة الأمريكية ضد الطائرة المصرية.

وبعد زيارة كل من إسحق شامیر وبيريز لواشنطن رفع شعار استثناء منظمة التحرير من المشاركة في عملية السلام، ومما زاد في هذه الشكوك لدى المنظمة مشروع بيريز الذي دعا فيه لإدارة أردنية - إسرائيلية مشتركة في المناطق المحتلة.

كل هذه المسائل دعت ياسر عرفات لإعلان القاهرة الذي سماه هجومًا وفسره بأنه يهدف إلى «أن نستعيد كفلسطينيين زمام المبادرة السياسية من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم»، وأضاف عرفات قائلًا للسيد لطفي الخولي «اتفاق كامب ديفيد لا مانع، وهذه رسالة موجهة إلى الأمريكيين والإسرائيليين من اتفاقنا معًا على أساس أن المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني الذي لا يمكن تخطيه أو القفز عليه».

وبهذا يكون واضحًا أن إعلان القاهرة هو جزء من محاولات المنظمة للحفاظ على مقعد في أية مفاوضات للتسوية في الشرق الأوسط. وبما أن الأمر كذلك وهو بالفعل كذلك، فإنه لا يمكن فهم أبعاد الإعلان إلا بوضعه في سياق ما يسمى بعملية السلام التي يعجب الزعماء العرب خاصة الملك حسين تسميتها بالفرصة الأخيرة.

الفرصة الأخيرة

وتقوم فكرة الفرصة الأخيرة على أساس أن فرصة وجود ريغان في فترة الرئاسة الثانية، ووجود شمعون بيريز الراغب في التنازل عن بعض الأراضي المحتلة، وامتناع قيادة ياسر عرفات في الدخول في مفاوضات التسوية بعد توقيع اتفاق عمان تعتبر فرصة سانحة ينبغي اقتناصها في أسرع وقت ممكن، لأن البديل لأي من هذه الأطراف خاصة الطرف الإسرائيلي فرصة مرة واحدة وإلى الأبد، باعتبار أن تكتل الليكود شريك حزب العمل في حكومة إسرائيل لا يمكن أن يتنازل عن أي شبر من الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويبدو أن شمعون بيريز بعد سلسلة اجتماعات أقامتها حكومته أو هو شخصيًّا مع الملك حسين وحكومته، تم الكشف عنها مؤخرًا قد توصل إلى شبه اتفاق مع الأردن للمضي قدمًا في التوصل لمفاوضات عربية – إسرائيلية، ومشروع بيريز الذي طرحه في الأمم المتحدة أو الذي طرحه أمام الكنيست، حيث دعا فيه للإدارة المشتركة مع الأردن خلال مفاوضات يشترك فيها وفد أردني فلسطيني يضم أعضاء يدينون الإرهاب حلقة متفقًا عليها في سيناريو الفرصة الأخيرة، وما قيل عن أن المشروع يهدف لاستثناء المنظمة دحضه الملك حسين في اللوكسمبرغ أمام البرلمان الأوروبي، حيث أكد «أن الفريق العربي الرئيسي، الشعب الفلسطيني، يجب أن يكون الفريق الرئيسي في السلام».

وجدد الملك حسين ثقته في عرفات، في نفس الوقت الذي استبعد صلاح خلف «أبو إياد» أن يكون الأردن يخطط للقفز على المنظمة من خلال إعرابه عن الاعتقاد بأن مشروع بيريز هو مجرد بالون اختبار، وأن المصالحة السورية - الأردنية «إسهام في تعزيز وحدة الصف العربي ولذلك يجب أن تؤيده».

اختيار دقيق

وطبقًا لهذا السيناريو كان مطلوبًا من منظمة التحرير منذ بداية اتفاق عمان إدانة الإرهاب، والاعتراف بقراري مجلس الأمن 242، 338، وتم تأكيد هذا الطلب من خلال جولات مورفي وزيارة كل من الملك حسين وحسني مبارك لواشنطن، ولذلك قال حسني مبارك في أعقاب إعلان القاهرة: «إن إعلان القاهرة يضع قيادة المنظمة أمام اختيار دقيق لأول مرة»، وتم الكشف عن تحرك مصري فلسطيني مشترك وتحرك أردني - مصري مشترك وما نشر عن هذا التحرك يؤكد التقاء الطرفين حول تصور واحد هو اجتماع أردني أمريكي يمهد لاعتراف المنظمة بقراري 242، 338 والاعتراف بإسرائيل، ومن ثم المشاركة في مفاوضات «السلام» من خلال مؤتمر دولي تحضره الأطراف المعنية والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، كما أكد على ذلك مؤخرًا الملك حسين ردًّا على مشروع بيريز وفي المؤتمر الأوروبي.

وإعلان القاهرة تمت دراسته مع معظم الأنظمة العربية التي أجرى محادثات معها في الآونة الأخيرة، الأمر الذي يجعل المراقب يميل إلى القول بأن جولات المصالحة العربية خاصة المصالحة الأردنية - السورية والتي أكدت بدورها على رفض الحلول الجزئية والمنفردة وطالبت بالمؤتمر الدولي، إنما هي جزء من سيناريو الفرصة الأخيرة.

مشاركة فلسطينية

ومن الجدير بالذكر أنه من المستقر لدى المجتمع الدولي بأن مشاركة الفلسطينيين في عملية السلام أمر لا مفر منه بغض النظر عن قوة منظمة التحرير وضعفها، بل المطلوب مشاركتها وهي ضعيفة منهكة، وذلك لأن هذا المجتمع وبالذات إسرائيل وأمريكا يدركون أن عدم مشاركة الفلسطينيين تجعل أية سلام يتم التوصل إليه مهددًا ولا معنى له.

وبسبب هذه القناعة التي عبر عنها مؤخرًا كثير من المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين أجرت الولايات المتحدة اتصالات بالمنظمة منذ عام 1974م الأمر الذي جعل عرفات في مقابلة مع الجمهورية المصرية يسخر من «ادعاء أمريكا بعدم اعترافها بالمنظمة، وطلب شطبها من المفاوضات».

ومن الجدير بالذكر أن أية مفاوضات أردنية - فلسطينية مع إسرائيل يجب أن تنال موافقة عربية لتؤدي إلى سلام دائم أو بالأحرى استقرار إسرائيل، وقد بدأ الاستعداد لذلك من خلال جولة المصالحات العربية من جهة وحركة تقوية العلاقات العربية بالاتحاد السوفيتي من جهة ثانية، وكانت قيادة المنظمة قد انتبهت لهذا منذ وقت مبكر فعمدت إلى تعيين شيوعي في المجلس الوطني وردت الاعتبار للحزب الشيوعي من خلال المشاركة في اتفاقيات عدن، كما أعادت قيادة المنظمة علاقاتها بالنظام العراقي الذي تربطه بالسوفيت علاقات انتعشت بفعل الحرب العراقية - الإيرانية.

انتظار المجهول

وتسود المسرح السياسي العربي هذه الأيام حالة من الترقب والانتظار لانعقاد قائمة ريغان غورباتشيف يومي 19 - 20 نوفمبر الجاري وقد قام بعض الزعماء العرب بإرسال رسائل لهما لإدراج قضية الشرق الأوسط والمؤتمر الدولي على جدول المباحثات. 

وفي هذا السياق تأتي أخبار طرد بيريز لشارون من حكومته، والتلويح بفك الشراكة وإجراء انتخابات جديدة مع اتخاذ إجراءات في الأراضي المحتلة كتعيين رؤساء بلديات بدلًا من الحاكم العسكري، هذه الإجراءات التي تعني أن الطرف الإسرائيلي بقيادة بيريز وحزب العمل مستعد للمضي في المشوار.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تشارك المنظمة في نهاية هذا السيناريو أم لا تشارك؟ 

قلنا إن المشاركة الفلسطينية أمر لا مفر منه فإذا وافقت قيادة المنظمة على ما يطلب منها من تنازلات يغلب على الظن أنها تشارك، أما إن وجدت قيادة بديلة للمنظمة تمثل الشعب الفلسطيني فلا تشارك، وقد يقوم العدو قبل نهاية المطاف باغتيال عرفات؛ لتكون النتيجة كما تريد إسرائيل بالضبط فتحصل على الاستقرار والشرعية، فيما يواصل الشعب الفلسطيني مرارة الحرمان والتيه وعدم القدرة على معرفة الطريق الصحيح للتحرير.

لكن هل يتحقق ما تريد إسرائيل وما تتمناه؟ ذلك ما ستكشف عنه الأيام القادمة في عصر الانحطاط العربي.

الرابط المختصر :