; السودان: إعلان الجهاد في الجنوب الخيــار الـوحـيـد | مجلة المجتمع

العنوان السودان: إعلان الجهاد في الجنوب الخيــار الـوحـيـد

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1989

مشاهدات 68

نشر في العدد 915

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 02-مايو-1989


الاستسلام لمخطط "قرنق" يغريه بممارسة المزيد من الصلف حتى يتمكن من هدم العروبة والإسلام.

اتفاقية "الميرغني- قرنق" صيغت من أجل كسر وحدة الصف الوطني سعيًا لاستبعاد التحاكم لشرع الله.

تنكب العميل "قرنق" لكل العهود السابقة بما فيها اتفاقية "الميرغني" الأخيرة يدلل على أن طريق المفاوضات لن تأتي بالسلام.

توجه إلى "أديس أبابا" في مطلع الأسبوع الماضي وفد حكومي برئاسة "سيد أحمد الحسين" وزير الخارجية السودانية وذلك لإجراء جولة جديدة من المفاوضات مع قائد حركة المتمردين جون قرنق في أعقاب المفاوضات الأولية التي قاد وفدها د. "حماد يفادي" المكلف رسميًا من رئاسة الوزراء بإدارة عمليات السلام... وقد وصف د. "يفادي" محادثاته بأنها إيجابية، وفي غضون ذلك صرَّح العميل "جون قرنق" بأنه يشك في نوايا وتطلعات الحكومة في "الخرطوم" وأن مصداقية الحكومة للسلام يشوبها كثير من القصور الذي أسفرت عنه اللقاءات الأخيرة وطالب المتمرد قرنق قوات الجيش السوداني بالتحرر عن الائتمار بتعليمات القيادة في "الخرطوم" والانضمام إلى قواته المتمردة التي يطلق عليها «جيش تحرير الشعب السوداني» ومن جانب آخر أصدرت الجبهة الإسلامية بيانًا طالبت فيه الشعب السوداني بالتمسك، بعقيدته والتعبير عن ولائه لشرع الله ودعت إلى تسيير تظاهرات شعبية إشعارًا لحكام الخرطوم بمغبة التنكب عن شريعة الله وخطورة اللهث خلف سراب السلام الذليل.... وتجدر الإشارة هنا إلى أن حكومة الصادق المهدي الحالية والمسمَّاة «بحكومة الوحدة الوطنية» قد أسست أصلًا على بنود اتفاقية «الميرغني- قرنق» التي وقعت في ١٦ نوفمبر الماضي "بأديس أبابا"....

 

 غير أن الأحداث التي توالت منذ تشكيل حكومة «الوحدة الوطنية» في ۲۹ مارس الماضي قد دللت بما لا يدع مجالًا للشك بأن مساعي الوفاق مع قيادة التمرد ما زالت أمرًا بعيد المنال خاصة وأن العميل جون قرنق تنصل عن بنود اتفاقيته بعد أن رأى تكالب الأحزاب «الرجعية» -على حد تعبيره- على تأييدها ومن المهم جدًا أن نعلم أن تطور الأحداث ليس منحصرًا في دائرة السلام ومشكلة التمرد وإنما ثمة فرعيات تشكلت من جراء التآمر باسم مشكلة السلام في الجنوب لتتجذر في إشكاليات عظيمة تؤثر على مستقبل السودان وشكل هويته ونوعية النظام الحاكم فيه ومصادر القرار وقدرة التحكم في مساراته السياسية والاقتصادية وهو أمر ينذر بانفجارات وأحداث عظام.

 

قرنق الأربعون ألف حرامي

 

سبق وأن أشرنا إلى أن تطلعات قيادة التمرد ليست محدودة بإقليم "جنوب السودان" فحسب وإنما تمتد لتشمل كل الثوابت المركوزة في مكونات السودان وتحت تصور بأطر "السودان" ضمن إشكالية الإثنية العرقية كمدخل تظلمي لاستحواذ الأقلية العربية المسلمة كما يزعم- بالسلطة والتحكم في مصير الشعوب الأفريقية صاحبة الحق والأرض قبل أن تنازعها تلك الأقلية حقها التاريخي.. ولقد وجد هذا التصور اللا معقول صدى جيدًا لدى دول الغرب الصليبي طمعًا في استغلال تلك الثغرات- التي يعلم الغرب جيدًا أنها مجرد حجج هلامية لصالح استراتيجية الاستحكام بمقدرات الشعوب ومن ثم تحطيم كل بادرة أمل في الانعتاق من التبعية الكاملة له، ولهذا فإن المتمرد قرنق يلعب دورًا دوليًا مزدوجًا وذا أهمية بالغة وهذا يفسر سر الاهتمام والتعاطف الذي وصل لدرجة التبني من قبل "الولايات المتحدة" و"بريطانيا" و"فرنسا" إذ أن توجهات جون قرنق التخريبية تشكل نقاط حفاظ على مكتسباتهم الإقليمية خاصة إذا علمنا بأن الدول المحيطة "بالسودان" مرتبطة عضويًا في أنظمتها بثالوث المكر الاستعماري.

 

وهي بالتالي ترفض أن ينفجر في وسط هذا المحيط دولة تتطلع إلى إحداث تغيرات جذرية في علائقها بالغرب وتعمل في الوقت نفسه على تأصيل ثقافة تناقض الثقافة الغربية فضلًا عن أن تلك الثقافة والسلوك الحضاري يتخذ من الإسلام هدفًا مرجعيًا في تأطيره... ولذا فإن حقيقة "قرنق" لا تتعدى مجرد شكل حركي لمخطط استعماري رهيب صيغ أساسًا لتدجين الوضع القائم في "السودان" وهنا تلتقي استراتيجية الدول الاستعمارية بأحلام العميل الغرير من أجل خلخلة الأوضاع السياسية والاقتصادية مما يمهد الطريق إلى وجود أكبر الضغوط الدول الكبرى -إياها- وصولًا لإبعاد الشريعة الإسلامية كليًا عن الحاكمية، والتحاكم مباشرة لقوانين الغرب العلمانية والصليبية.

 

وبما أن الجبهة الإسلامية تجسد الدعوة لتحكيم الشريعة الإسلامية وتبني مشروع الأسلمة للحياة في السودان فهي بذلك مناط استهداف المخطط الغربي بما تمثله وبما تمتلك من قدرة على التحرك في أوساط الجماهير المسلمة وهنا كان استبعاد الجبهة الإسلامية من التشكيل الأخير للحكومة هدفًا ووسيلة حاز إنجازه على إعجاب وفرحة غامرة عبرت عنها جريدة «در شبيغل» الألمانية، عندما علقت على إخراج الجبهة «وهنا فقط استطاع المهدي أن يشكل حكومة لا تضم أيا من المتطرفين والمتشددين المسلمين بل على العكس ضمت أربعة من المسيحيين كما ضمت عضوًا شيوعيًا» «هكذا» فالمسألة إذن مسألة إسلام وصليب وليست قضية ظلم في اقتسام السلطة بين الجنوب والشمال كما أنها ليست مسألة تخلف وتنمية يعاني منها الإقليم الجنوبي كما تدعي حركة التمرد وأبواقها اليسارية في "الخرطوم".. وكل تصور لها خارج إطار الإسلام والحفاظ الوطني على استقلالية البلاد تصور عاجز وهمي.

 

سلام الأوهام:

جاءت اتفاقية "الميرغني- قرنق" والجمعية التأسيسية حزمت أمرها على إجازة القوانين الإسلامية وسط أجواء مفعمة بروح الوطنية والاعتزاز بصدق الولاء لله وحده.. وجاءت الاتفاقية وبوادر المشروع الوطني المتطلع إلى الاكتفاء الذاتي حددت خططه واستهلت خطواته، فقد رصدت الحكومة أكثر من ثلاثة بلايين لإعادة تأهيل مصانع الغزل والنسيج وتأهيل السكك الحديدية وتأهيل مصانع السكر وإعداد مشروع الاكتفاء الذاتي من القمح ورفض القمح الأمريكي نهائيًا اعتمادا على إيجاد بديل يعتمد الذرة ضمن التركيبة المكونة للخبز وهو مشروع إبداعي متقدم... غير أن كل ذاك ذهب أدراج الرياح بفضل «بركات» الميرغني- قرنق، فإلغاء الشريعة ومشروع الأسلمة كان البند الأول في الاتفاقية المشؤومة، وأما تحطيم مشروع الاكتفاء الذاتي فهو قادم لا محالة لا سيما وأن الحكومة قد استنامت لمخطط ضغوط الشعارات الأجنبية وحيث أنها استقبلت بالترحاب معونة أمريكية جمعت بين الدولار والقمح فضلًا عن أن الاتفاقية دبرت أصلًا من أجل شق الجبهة الداخلية وحيث يعلم مدبروها بأن الجبهة الإسلامية لن تقبل اتفاقية تنص على التنكب لشريعة الله والتنصل عن سيادة الدولة بالتفاوض المشروط مع المتمردين، وقد تم ما أراده حائكو المؤامرات وبقي في المقام متسع لمحاربة كل توجه إسلامي أو وطني يسعى لحماية السيادة الوطنية وصون الدستور أما السلام الذي توهمه أقوام في الخرطوم فما هو أكثر من سراب صيفي لا يلبث أن ينقشع تحت مسيرة التجربة فالمتمرد "قرنق" لا يريد السلام زهدًا فيما يجنيه منه... فالسلام في ظل النظام الديمقراطي لا يمكنه من السيطرة على "السودان" ليعبث فيه... وهب أنه اختير نائبًا للرئيس فإن ذلك لن يستمر أكثر من مدة انتخابية، فالانتخابات تجري كل أربعة سنوات وهو لا يستطيع أن يكسب ثقة الجنوب ناهيك عن "السودان". هذا بالإضافة إلى أن محركي اللعبة التآمرية لا يريدون تلك النهاية الضعيفة لمسرحية الحرب وأحلاف الصليب، ولو أن قرنق يملك أية درجة من المصداقية الوطنية لما انتظر كل تلك المدة وألقى السلاح بعد سقوط "نميري" مباشرة عندما فاوضته الحكومة الانتقالية عام ١٩٨٥ غير أن أبعاد ودوافع القضية أكبر من مجرد شروط تصاغ... أكبر دليل على ذلك أن موافقة الحكومة لم تغن شيئًا في ميدان الحرب "فقرنق" استطاع أن يحتل 4 مدن جنوبية في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة في الخرطوم عن وفود السلام بل إن قرنق يقول بالحرف الواحد إن الحكومة هي المصدر الرئيسي لتسليح قواته المتمردة فضلًا عن تنصله حاليًا عن بنود الاتفاقية التي وقعها مناصفة مع "محمد عثمان الميرغني" وفوق كل ذلك ما زالت بعض الأوهام تتطلع في إيجاد اتفاق وسلام.

 

الترويض:

لقد رفض الصادق المهدي اتفاقية "الميرغني- قرنق" بعد مداولة داخلية استمرت أكثر من عشرة أيام واعتمد في رفضه على الشروط المهيئة لسيادة الدولة وكسر الإرادة الشعبية في التحاكم لشرع الله كما رفضت الاتفاقية من قبل البرلمان وجماهير الوطنية وخرجت "الخرطوم" في مظاهرة مليونية تندد بمضمون الاتفاقية وتؤكد ولاءها لله وحده...

 

غير أن الوضع لم يستمر أكثر من ثلاثة أشهر حتى 1 انقلبت الموازين ووافق الصادق ووافقت الجمعية  التأسيسية «البرلمان» وصمتت أصوات الاحتجاج أو حجمت... فكيف تم ذلك؟ لقد جاءت الاتفاقية في إطار حملة أمريكية عارمة تدعو لوقف الحرب في الجنوب... تحت شعار إنقاذ الجنوبيين من مجاعة رهيبة وما إن وقع الميرغني على «ورقة» "أديس أبابا" حتى علق "شارلي ردمان"- الناطق الرسمي باسم الخارجية الأمريكية بأن "الولايات المتحدة" تؤيد الاتفاقية وهي رسالة مفتوحة للصادق المهدي حتى يتجاوب مع الرغبة الأمريكية غير أن الصادق لم يذعن لتلك الرغبة ومن وقتها بدأت عمليات مكثفة للترويض بدأت بحجب الاتفاقيات السابقة مع دول نادي "باريس" وانضم إليها الصندوق الدولي وقامت قائمة الإعلام تشهر بالمجاعة التي أبادت ٢٥٠ ألف جنوبي مسيحي وهو رقم تكذبه وقائع الأحوال في الجنوب الاستوائي وجاءت الوفود تتحرى وتطالب بأن الحل يكمن في استبعاد الشريعة الإسلامية وإقصاء الجبهة الإسلامية ومنعت دول الاتجار بالسلاح أن تبيع أسلحة لحكومة "الخرطوم" الرافضة لاتفاقية «المطبخ الأمريكي» وهنا نكأ الجرح الأكثر حساسية فكانت مذكرة القوات المسلحة بعد أن نفذت ٦٥% من النقابات في "السودان" إضرابات أحدثت ربكة واسعة في استقرار الأوضاع فما كان من "المهدي" إلا أن أبدى بعض التجاوب عبر القوات المسلحة والنقابات بالإضافة إلى ضغوط "الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا" أرادت أن يصاغ ذلك في ميثاق فكانت وثيقة القصر الجمهوري التي عرفت فيما بعد «ببيان القصر».

 

.وجاءت حكومة «البيان» لتتوج المخطط الرامي لإزاحة الأصالة الإسلامية والأصالة الوطنية وما زال مسلسل الإرهاب الإعلامي مستمرًا فقد صرَّح رئيس وفد الكونغرس "ميكي ليلاند" الذي زار "الخرطوم" في ٨٩/٤/٥ بأن «عدد ضحايا حرب الجنوب قد بلغ مليون منذ عام ١٩٨٣» وقد جاءت الزيارة لإكمال حلقات التوافد الأمريكي الذي ختم في الأسبوع قبل الماضي بزيارة "جيمي كارتر" الرئيس الأمريكي الأسبق وحكومة "الخرطوم" لا تملك حاليًا إلا السير في إطار الوثيقة التي أقصت دور الجمعية التأسيسية «البرلمان» الممثل الشرعي والدستوري للشعب بإدخالها للنقابات وأشتات الأحزاب اليسارية الذين ما فتئوا يتعاملون مع قرنق كمشروع رئيسي لفض عروة الإسلام "بالسودان".... هكذا فعل مخطط الترويض فعله وتوجهت الفعاليات السياسية نحو «المطبخ الأمريكي» عدا الجبهة الإسلامية.

 

الدور المفقود

لقد تعاملت حكومة الخرطوم مع حركة التمرد وكأنها دولة مستقلة ذات سيادة وسمحت لنفسها بأن تبتلع الطعم الأمريكي القائم على إمداد المتمردين بالغذاء وربما بالسلاح تحت شعار مكافحة المجاعة في جنوب السودان وهي تعلم زيف تلك الأساليب... ولا حرج فبعض فئات التشكيل القائم لا يرى في قرنق التمرد والخروج وإنما يراه كمنقذ لشعب "السودان"- اليسار وبعض الجنوبيين وقد أغرى هذا الوضع حركة التمرد بمزيد من التعنت فأيدت ما استتر من نياتها وكثرت عن قواها وعدوانيتها ونقلت الحرب إلى جنوب كردفان وبدأ قرنق يهدد باحتلال كل مدن جنوب السودان الرئيسية- جوبا، واو، ملكال- وقال إنه يمتلك جيشًا أعظم من جيش الحكومة وكل ذلك لم يحرك ساكنًا في التسابق لإرضاء التمرد وزعيمه المغرور والذي يتأكد يومًا بعد يوم بأن حركة التمرد لا تريد سلامًا وإنما تريد مطامع أخرى وإزاء هذا الموقف دعت الجبهة الإسلامية القومية جماهير الشعب المسلمة والوطنية إلى الدفاع عن مكتسباتها ومقدراتها العقائدية والوطنية ودعت الحكومة إلى الكف عن الانزلاق خلف الوهم والترجي إلى ما عرف بالمؤتمر الدستوري بناء على أن التجارب أثبتت عدم رعاية قرنق للعهود والمواثيق ولعل الحل الذي يجب أن يبقى حاضرًا في الشعور الوطني يرتكز على التعبئة العامة لجماهير الشعب والتسلح بالوعي واليقظة حتى لا تتفلت خطط التآمر كما أن على القوات المسلحة أن تعي عظم الدور الوطني المنوط بها في الحفاظ على سلامة أرض الوطن وصوت الدستور من العابثين فالتعبئة الشعبية تحتم إعلان الدولة للجهاد للذود عن حياض الشريعة الإسلامية وفك تعنت وصلف المتمرد العميل وهو طريق فرضته قوى التآمر الداخلي والخارجي سعيًا منها لتقويض العروبة والإسلام في "السودان" وإقامة نظام تابع لمحاور الشرق والغرب... إن إخفاق مساعي السلام واضح للعيان وهي لعبة الدول الكبرى ولا يبقى إلا اتخاذ الحل الذي يقي "السودان" لعبة الشعارات والتدخلات الأجنبية حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فقد هتفت جماهير الشعب «لا سلام بلا إسلام».

الرابط المختصر :