العنوان تقرير خاص بالمجتمع من مراسلها في إندونيسيا: «عريضة قلق والوضع السياسي بإندونيسيا»
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1980
مشاهدات 77
نشر في العدد 487
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 01-يوليو-1980
- القلق السياسي في إندونيسيا يدفع بعريضة إلى الرئيس سوهارتو!
- «عريضة قلق» أجرأ تحد لسلطة الرئيس!
- الصراع بين الحكومة صاحبة «بانتشاسيلا» وبين الحزب الاتحادي للبناء الإسلامي.
- الجنرال محمد ياسين: لا أستطيع أن أثق بالرئيس سوهارتو، ولا...
- قائد قوات إعادة الأمن والنظام أميرال كان مسلمًا ثم تنصر!
- هل تبقى القوات الإندونيسية محايدة في هذا الصراع؟!
اضطرب الهدوء النسبي الذي ساد الوضع السياسي بإندونيسيا، عقب تقديم عريضة تسمى «عريضة قلق» إلى مجلس النواب الشعبي «البرلمان الإندونيسي»، فقد تقدم بها عدد من الأعلام الإندونيسيين من كبار الضباط العسكريين المتقاعدين والزعماء السياسيين المدنيين السابقين، جاء فيها انتقاد شديد على ما جاء في خطب الرئيس سوهارتو مؤخرًا، وعدم موافقتهم على أقوال الرئيس سوهارتو بوجوب استمرار القوات المسلحة تلعب دورًا في الصراع السياسي بإندونيسيا.
وطالبوا من مجلس النواب الشعبي «البرلمان» ومجلس الشورى الشعبي، وهو المجلس التشريعي الأعلى في البلاد، إبداء رأي وتعليق على خطبتي الرئيس سوهارتو بتاريخ ۲۷ مارس ۱۹۸۰ و١٦ إبريل ۱۹۸۰. وقالوا: إن الرئيس سوهارتو قد أخطأ في تفسير باتشلاسيلا «المبادئ الخمسة» وهي فلسفة الدولة وأساسها بإندونيسيا، وأنه قد جعلها لا كوسيلة التوحيد للأمة، ولكن كوسيلة التهديد إزاء خصومه السياسيين.
وصف مراسل إذاعة أستراليا بجاكرتا ووريك بويتلر «أن تصرفهم هذا يعتبر أجرأ التحديات ضد الرئيس سوهارتو منذ زمن طويل»، وتتبين خطورة هذا التصرف من أنه سرعان ما اتخذت سلطات الأمن بإندونيسيا إجراءات أمن، ومنها منع جميع الصحف والمجلات من نشر ما جرى في البرلمان يومئذ، وإجراء مراقبة مشددة على ما كتبه المراسلون الأجانب العاملون بجاكرتا، وأما الإذاعة والتلفزيون فقد التزما الصمت وتجاهلا الأمر كأنه لم يحدث شيء.
فقد قال الرئيس سوهارتو في خطبته يوم الخميس ٢٧ مارس ۱۹۸۰ أمام اجتماع قادة القوات المسلحة الإندونيسية في مدينة باكن بارو بجزيرة سومطرا: «والحقيقة أنه الآن لا تزال توجد أطراف ما زالت مترددة في قبول بانتشاسيلا لا تزال في حيز الوجود قوة اجتماعية سياسية تضيف إلى جانب أساس بانتشاسيلا أساسًا آخر»، وصرح أيضًا تعيينًا بتلك الأطراف: «... حتى في مرحلة إتمام قانون الانتخابات لا تزال توجد طائفة انسحبت من الاجتماع استنكارًا». ذلك ما جاء في إحدى الخطبتين اللتين ألقاهما الرئيس سوهارتو من غير نص مكتوب، والأخرى كانت يوم الأربعاء ١٦ إبريل ۱۹۸۰ بمناسبة عيد تشكيل فرقة الكومندو البرية «ذوي القبعات الحمراء»، ونفى فيها نفيًا شديدًا الاتهامات الموجهة ضده وضد أسرته من فساد وجمع ثروات، وأن زوجته السيدة تين صاحبة الكلمة العليا في تقرير المناقصات، وقال أيضًا: «لعلهم نسوا إن نجحوا في إطاحتي فلا تزال توجد قوات أخرى ستدافع عن أيديولوجية الدولة، وهي بانتشاسيلا وقانون سنة ١٩٤٥، وهم جنود القوات المسلحة، ومنهم فرقة الكومندو وغيرهم من المدافعين عن بانتشاسيلا».
لا شك في أن هدف حملاته الشديدة هذه هي الحزب الاتحادي للبناء؛ أي الحزب الإسلامي، وهو الحزب الأوحد الذي جعل أساسه «بانتشاسيلا» والدين الإسلامي، وأما الحزب الديمقراطي وغولكار «طائفة العمل» وهو الحزب الحاكم، فكلاهما قد جعل أساس كل منهما «بانتشاسيلا» فقط لا غير، وقد انسحب من اجتماع مجلس النواب «البرلمان» أعضاء هذا الحزب الإسلامي استنكارًا واحتجاجًا على بعض فقرات قانون الانتخابات، وجدير بالذكر أنه في هذه السنوات الأخيرة قد ركز الحزب الحاكم غولكار حملاته، وستستمر في تركيزها على الحزب الاتحادي، وأما الحزب الديمقراطي -أي الحزب الوطني- وقد طرح أرضًا إذ تفرق شمله مرات عديدة بعد سقوط الرئيس السابق سوكارنو، قالت صحيفة «ذي سدني مورنينغ هيرالد» الأسترالية يوم ٤ مايو ١٩٧٦: «بعد انهيار الشيوعيين والوطنيين بقي الآن الطائفة الإسلامية تشكل تهديدًا على غولكار».
جدير بالذكر أن الجنرال سوهارتو، قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية، قال مرة للرئيس العام للحزب الوطني الإندونيسي الراحل علي ساستر وأميجويو قبيل انعقاد مؤتمر الحزب الوطني ١٩٦٦، وآنئذ انشق الحزب إلى جماعتين، قوله: «إني قلق للوضع داخل الحزب الوطني، إنه الحزب الوطني الوحيد، وفي استطاعته معادلة القوى الإسلامية»، وفضلًا عن ذلك أنه في سنة ١٩٧٣ أراد زعماء الأحزاب الإسلامية أن يجعلوا للحزب الاتحادي المتألف من الأحزاب الإسلامية اسمًا إسلاميًّا، وهو الحزب الاتحادي الإسلامي أبدى الرئيس سوهارتو عدم موافقته على هذا الاسم الإسلامي، فصار الاسم الحزب الاتحادي للبناء.
ونعود إلى العريضة فقد قال مراسل آخر لإذاعة أستراليا بيتر مونتن: «إن الحكومة ستكون في حيص وبيص» ومضى قائلًا: يكاد أن يكون جميع الأطراف الذين ادعوا اتهامات ضد الرئيس سوهارتو من الإعلام الذين يحظر مسهم «لا يمس». إلى جانب كبار المدنيين المحترمين، ففي ضمنهم جنرالات ذوو النجمات الثلاث والأربع، وهم قواد سابقون في الجيش والبحرية والبوليس والكومندو البحريين، ومحترمون جدًّا عند القوات المسلحة المؤيدة لنظام الرئيس سوهارتو».
ومن بينهم الجنرال عبد الحارث ناسوتيون الذي كان وزيرًا للدفاع والأمن ورئيسًا لأركان القوات المسلحة، والأميرال محمد نازر مؤسس القوات البحرية الإندونيسية ورئيس أركانها الأول، وجنرال البوليس هوغانغ الذي كان رئيسًا عامًّا للبوليس الإندونيسي، واللفتنان جنرال علي صادقين الذي كان قائدًا لفرقة الكومندو والبحريين، ثم محافظًا للعاصمة جاكرتا، واللفتنان جنرال أحمد يونس موكوغنتا الذي كان قائدًا لمنطقة الدفاع الأولى سومطرا، ثم سفيرًا لدى مصر، واللفتنان جنرال محمد ياسين كان وكيلًا أول لرئيس أركان الجيش. ومن المدنيين محمد ناصر الزعيم المسلم الشهير، كان رئيسًا للوزارة ورئيسًا لحزب ماشومي الإسلامي المحظور سابقًا، ورئيس المجلس الإندونيسي للدعوة الإسلامية حاضرًا، وهو أيضًا نائب رئيس المؤتمر الإسلامي، وغيره من زعماء المسلمين مثل برهان الدین هاراهاب كان رئيسًا للوزارة وشفر الدين براو يرانيغارا، كلاهما من زعماء حزب ماشومي الإسلامي المحظور، ومن الحزب الوطني أي الحزب الديمقراطي حاليًا مناي سفيان والدكتور أندا ترى مورتي وغيرهم، ويبلغ عدد الموقعين على العريضة خمسين شخصًا.
وإلى جانب هذه العريضة فقد قدم أيضًا اللفتنان جنرال محمد ياسين خطابًا شديد اللهجة، وقال فيه: «إني لا أستطيع أن أثق بالرئيس سوهارتو، ولا أقدره؛ حيث إن زعامته الوطنية في جميع المجالات منافقة، وفي استطاعتي إظهار نفاقه، سواء كان في المجال الاقتصادي أم في المجال السياسي». ففي المجال السياسي ذكر أن الرئيس سوهارتو من جهة يؤيد سياسة الجنرال محمد يوسف وزير الدفاع والأمن وقائد القوات المسلحة أن القوات المسلحة تقف فوق جميع الأطراف؛ أي تلتزم الحياد، ولكن من جهة أخرى فقد أكد دعم القوات المسلحة لحزب غولكار ضمانًا لنيل الانتصار في انتخابات ۱۹۸۲م، وكان ذلك بواسطة الأميرال سودومو نائب القوات المسلحة وقائد قيادة إعادة الأمن والنظام الذي اتفق مع زعماء حزب غولكار يوم ۱۷ أكتوبر ۱۹۷۹، والمعروف أن الأميرال سودومو شديد العداوة للقوى الإسلامية.. كان مسلمًا ثم ارتد وصار نصرانيًّا بعدما تزوج بنصرانية.
وقال الجنرال محمد ياسين أيضًا: إنه كان الموقف إزاء الرئيس سوكارنو عدم التسامح لخطئه السياسي حتى حدثت محاولة الانقلاب الشيوعي ١٩٦٥، فليس ممكنًا التسامح إزاء هذا الفساد وهذا النفاق.
يدل تصرف كبار الضباط المتقاعدين على محاولتهم لفصل القوات المسلحة عن شخصية الرئيس سوهارتو، وصيانة سمعة القوات المسلحة وبراءتها من اتهامات الفساد الموجهة إلى الرئيس سوهارتو، وإلى جانب ذلك فإنه محاولة لإبقاء القوات المسلحة محايدة وخارجة عن ميدان الصراع السياسي.. هل سينجحون في ذلك؟
إن الصراع السياسي لا يزال قائمًا على قدم وساق، وإلى جانبه صراع بين الجنرالات.
۱۰ حزيران ۱۹۸۰م- عبد الله
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل