العنوان ١١ عامًا على غزو الكويت.. صدام ما زال الأخطر
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2001
مشاهدات 78
نشر في العدد 1462
نشر في الصفحة 28
السبت 04-أغسطس-2001
مركز راند للدراسات السياسية: ثلاثة تهديدات تشكل خطرًا على المصالح النفطية الغربية في الخليج
اتجاه لتكريس أزمة الثقة في المنطقة.. وترتيبات لزيادة القوات الأجنبية
الخطر الصهيوني الزاحف للمنطقة.. لماذا السكوت عليه؟!
في الثاني من أغسطس الجاري يكون قد مر على غزو العراق للكويت 11 عامًا، وما زال الخطر العراقي محدقًا بالمنطقة، يحمل معه مبررات التواجد العسكري الأمريكي- البريطاني، وذلك على الرغم مما نُقل على لسان مسؤولين أمريكيين من رغبة واشنطن لرؤية نهاية وشيكة للرئيس صدام حسين، وسنحاول هنا تناول أهم التطورات التي جرت في المنطقة منذ الغزو العراقي، مع التركيز على المحاور التي تأخذها الولايات المتحدة بعين الاعتبار لدى وضع استراتيجيتها الأمنية وانعكاسات ذلك على مستقبل دول المنطقة، بما فيها إيران والعراق.
سياسة التحالفات العسكرية: أسفر الغزو العراقي للكويت عن انكشاف جانب مهم من الحالة التي كانت تسود المنطقة، ولم تكن معلنة أو معروفة، وهو أن الخطر المحدق بدول الخليج لم يأت من إيران كما صور صدام الحكومات المنطقة لإقناعهم بدعمه وإنما من نظامه البعثي نفسه، وأسفر أيضًا عن الاعتراف بغياب صيغة أمنية طويلة المدى لا تعتمد على تحالفات إقليمية مؤقتة، أو دعم خارجي له مبرراته المصلحية المعروفة، وإنما على التعاون العسكري المشترك الذي لا يطمح لتغليب هيمنة قوة على أخرى، وكانت الصيغة التي تم التوصل إليها بعد تحرير الكويت هي تشكيل تحالف عسكري مكون من دول مجلس التعاون الخليجي ومصر وسوريا في إطار ما سمى بإعلان دمشق الذي أبرم سنة ۱۹۹۱م وتمركزت محاور الاتفاقية، كما ورد في بنودها على بناء نظام عربي جديد لتعزيز العمل العربي المشترك عسكريًا واقتصاديًا، واحترام سيادة ومقدرات كل دولة عربية.
وعبر الإعلان أيضًا عن طموحه لتحويل الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل خاصة النووية.
وعلى الرغم من أن الموقعين على الاتفاقية كانوا يضعون قوة الكيان الصهيوني النووية في حسبانهم إلا أن التوجس المباشر كان من تداعيات امتلاك قوة عربية- بحجم العراق- أسلحة نووية، حيث أثبت صدام حسين- عبر مذبحة «حلبجة» التي استهدفت الأكراد وعبر تهديداته لجيرانه- بأن جيرانه وأبناء شعبه هم أقرب المتضررين من نفوذه العسكري وليس الصهاينة أو هكذا بدت الحالة.
وأضاف: الإعلان بأن القوات المصرية والسورية ستشكل محورًا لقوة عربية لحفظ وضمان السلام في الخليج ونموذجًا لمدى فاعلية نظام دفاعي عربي مشترك، وتشكلت القوة العسكرية العربية من ٣٦ ألف جندي و٤٠٠ دبابة تابعة لمصر، و۱۹ ألف جندي و٢٥٠ دبابة تابعة لسورية، و٤٠ ألف جندي من القوات البرية و٥٠٠ دبابة و۱۸۰ مقاتلة عسكرية تابعة للسعودية، و7 آلاف جندي، و٦٠ دبابة و۲۰ طائرة تابعة للكويت المحررة، فيما ساهمت بقية دول المجلس التعاون الخليجي بـ ٨ آلاف جندي و٢٤ دبابة و٨٠ مقاتلة موزعة بينها .
لكن لأسباب غير معلنة من بينها مخاوف بعض دول المنطقة من الآثار طويلة المدى لوجود قوات عسكرية عربية على أراضيها- ولتحفظ إيران على الوجود المصري في الخليج بسبب علاقات مصر مع الكيان الصهيوني، والزعم بأن إعلان دمشق بصيغته الحالية يستثني طهران من المعادلة الأمنية، وبالتالي يمكن أن يتحول لقوة عسكرية تستهدفها- تقلص حماس بعض دول المنطقة للإعلان وتأجلت اجتماعاته اللاحقة فقررت القاهرة ودمشق سحب قواتها لمبررات مفرطة في الدبلوماسية النهاية التي اعتبرت طيًا لصيغة إقليمية كان يمكن أن تتطور لو سمحت لها الظروف، وبعدها بدأت مرحلة جديدة للبحث عن صيغة أمنية شكلت الولايات المتحدة أهم عناصرها. ومع وجود صيغة أمنية تتمركز حول دور أمريكا لم تتمكن واشنطن من حسم مسألة الاستقرار الأمني تمامًا في المنطقة وإنما برزت أنماط جديدة من القلاقل المستمرة حتى الآن بدون حل.
الخليج يكتسب أهمية استراتيجية
من المعلوم من السياسة بالضرورة أن أهم مصلحة للوجود الغربي في الخليج هو النفط لكن الجديد هو أن الخطر العراقي عزز هذه الأهمية وجعل الغرب يفترض بأن أفضل وسيلة لضمان تدفق البترول بدون مشاكل هو التواجد الفعلي بالقرب من منابعه لأجل غير مسمى. وبانتهاء الحرب الباردة واستفراد أمريكا بتشكيل ملامح النظام العالمي الجديد اكتسبت المنطقة أهمية استراتيجية بالغة.
وقد صنع غزو العراق للكويت موقفًا أمريكيًا يرتكز على توفير أكبر تعبئة عسكرية دولية تحط على المنطقة كي تعيد الأوضاع لما كانت عليه. ولم تفعل أمريكا- ضمن صياغتها الأمنية الجديدة- سوى أن شملت العراق داخل منظومتها الاحتوائية لإيران، مما عرف بسياسة الاحتواء المزدوج. ولم تكن هذه السياسة التي فشلت أصلاً، تحظى بشعبية كبيرة، لأنها كانت تعادل بين الخطر الإيراني- الذي يعتقد أنه شابه الكثير من المبالغة- وبين الخطر العراقي، فضلاً عن أنها لم تكن تعد بإسقاط فوري لحكم صدام.
وبرغم ما قدمته أمريكا من تبريرات لسياستها إزاء إيران والعراق، إلا أنها تبريرات كشفت عن تناقض وازدواجية «النظام العالمي الجديد»، فقد كان هناك اعتراف عربي ضمني بأن صدام يشكل خطرًا حقيقيًا بأسلحة الدمار الشامل، لكن كثيرًا من العرب يتساءلون عن مبررات عدم تطبيق نفس القيود الأمريكية على الكيان الصهيوني الذي صار معلنًا امتلاكه لرؤوس نووية؟ وتمكن صدام من توظيف هذا التساؤل المشروع لتحقيق مكاسب سياسية تطيل بقاءه، سيما مع مجيء الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون الذي كانت تتمتع إدارته بعلاقة خاصة مع اللوبي الصهيوني، وسعت واشنطن لتحقيق سلام الصهاينة والفلسطينيين أثبتت الانتفاضة الحالية مدى هشاشته كي تخفف من حدة الانتقادات الموجهة لها تجاه سياستها في الخليج، لكن دون جدوى، إذ ظل الخطر العراقي مبعث قلق متكرر لدول المنطقة، على الأقل عبر تصريحات صدام العدوانية نحو جيرانه، وإزاء ذلك لم تكن أمريكا تستطيع سوى توظيف هذا القلق لتتريس المنطقة بالمزيد من الأسلحة التي تنعش اقتصاد مصانعها العسكرية المصابة بالركود منذ انتهاء الحرب الباردة.
وبهذا الوضع المعقد، الذي تتداخل فيه إيران والعراق والخليج ومصر وسوريا والكيان الصهيوني كل بأهداف مختلفة ومتضاربة لم تعد هناك صيغة أمنية محددة تحظى بقبول القوى الإقليمية في المنطقة، فكما قالت محللة الشؤون السياسية روزماري هوليس في دراستها المهمة Gulf Security: No Consensus بعنوان «أمن الخليج: لا إجماع» «ليس هناك أفق للاتفاق بين جميع الأطراف المعنية بأمن الخليج على صيغة أمنية معينة، لأن الجميع لديه طموحات متصارعة، فالعراق وإيران تريدان نهاية للوجود الأمريكي في المنطقة، وأمريكا ومعظم دول الخليج تريد رؤية تغيير في النظام العراقي، وبالتالي أصبح أمن الخليج ضحية طبيعة الحكومات الموجودة» على حد وصف هوليس، والنتيجة هي المزيد من التسلح المحموم لحد غير مسمى أو واضح، وتقديم الاعتماد على الدعم الخارجي الذي تقدمه أمريكا على التعاون العسكري المشترك، وتعتقد هوليس «بأن أفضل حل للخروج من المأزق الأمني هو أن يمارس كل طرف سياسة ضبط النفس في تعامله مع الآخر لتحقيق الاستقرار على المدى البعيد، لكن عمليًا وعلى ضوء التجارب السابقة فهذا بحد ذاته غير سهل».
محاولة الخروج من المأزق
وإزاء تعقد الأوضاع في المنطقة وتمكن صدام من اللعب على أوراق كثيرة لها علاقة بتناقضات المنطقة وعاطفية الشارع العربي، والصلف الصهيوني، لم تتمكن واشنطن وحدها من تحقيق الصيغة الأمنية المناسبة حتى الآن، وما زالت الأفكار تتوالى حول تطوير عقوبة الحصار كي تكون أكثر فاعلية بعد تزايد الانتقادات بأنها توجع شعب العراق أكثر من قيادته، وأصبح هناك اعتراف أمريكي بأهمية دعم المعارضة وتمويلها إعلاميًا وعسكريًا على الرغم من انقسام قيادتها وتبني بعضهم- وهؤلاء الذين تتحمس أمريكا لدعمهم بالذات- لأفكار وطروحات وبرامج لا تعكس آمال الشعب العراقي وطموحاته السياسية، فلجأت أمريكا- لندن مؤخرًا إلى فكرة ما عرف بـ«العقوبات الذكية» التي تستهدف نظام صدام تحديدًا دون شعبه، غير أن واشنطن لم تتمكن من إقناع جميع دول مجلس الأمن بطروحاتها حيث صوتت موسكو ضد القرار واعتبرت الجولة محسومة مؤقتًا لصالح دعاية صدام وإحداث المزيد من التمزق.
ويعبر محلل الشؤون الشرق أوسطية روجر هاردي عن أزمة أمريكا الحقيقية قائلاً: أدركت أمريكا بأن سياستها القديمة لم تفرز النتائج المطلوبة حيث لم تزح صدامًا من السلطة، وأدركت أيضًا بأنه طرأت تحولات مهمة على الرأي العام العربي، وإزاء هذه التطورات وانتهاء مدة صلاحية السياسة القديمة صار من السهولة إدراك أسباب الحديث عن «العقوبات الذكية».
ويضيف هاندرسون في تصريح لـ«المجتمع» من مقره في لندن قائلاً: هناك تناقض صارخ سيكون على أمريكا محاولة حسمه قبل الطموح بتغيير الحالة الأمنية في الخليج، وهو أنها تتطلب من العراق التعاون في أمور كثيرة من بينها تنفيذ قرارات حالة خاصة من الحصار، أقصد العقوبات الذكية بينما هذه العقوبات تستهدف رأس النظام شخصيًا، فهل نفاجأ إذًا عندما نعرف أن بغداد سترفض التعاون؟
وقد نجح صدام في إحداث تباين في المواقف السياسية لكثير من الدول العربية، فعلى الرغم من أن دولاً أبدت رفضها للحصار، وأخرى تحفظت على مبررات استمراريته، لجأت دول مثل الأردن ومصر وسوريا وتركيا إلى التعامل تجاريًا مع النظام العراقي مما أضعف جبهة التحالف وأغرى بأن الأوراق السياسية قد تعود لحالتها السابقة، بحيث تستوعب المنطقة صدامًا مرة أخرى بنواياه غير المتوقعة وبما يضمره لشعبه وجيرانه من تربص للانتقام والبطش.
العنف واندلاع الحروب: أخطار محدقة بالمصالح الغربية
وإزاء القلق الذي سببه وجود صدام وعدم قدرة القوات الغربية على حسم صراعها معه بصورة فورية تعقدت الأوضاع الأمنية في المنطقة بدلاً من تحسنها، حيث اندلعت سلسلة من أعمال العنف التي استهدفت أمن المنطقة ذاتها كما حدث في اليمن، وبذلك أصبحت المنطقة بسبب صدام وما أفرزه وجوده من تداعيات سياسية واجتماعية- عرضة لأنماط مختلفة من المخاطر لم تكن موجودة من قبل. وبدلاً من أن تحسم هذه المظاهر لصالح أمن مستقر بالخليج يخدم مصالح دول المنطقة، تسعى أمريكا لتكريس الخيارات العسكرية المجردة بما يضمن استمرار تدفق البترول بصرف النظر عن انعكاسات ذلك مستقبلاً .
ولخدمة هذه العقلية أصدر معهد أبحاث الدفاع القومي «رائد» المعني بتحليل الشؤون السياسية- ومن ضمنها سياسة الخليج والشرق الأوسط- دراسة عام ۱۹۹۹م حول ما أسماه بـ«العنف السياسي والاستقرار في الخليج»، تناولت المصادر الاحتمالية لاندلاع عمليات عنف سياسي في الخليج تستهدف المواقع العسكرية التابعة لأمريكا، وطرحت الدراسة أهم الخيارات التي يمكن أن تقلص من شأن هذا العنف مثل تغيير تركيبة وطبيعة الوجود الأمريكي أو تجميد التدخل الأجنبي تمامًا، ومقابل ذلك تعزيز هذا الوجود وتعميق العلاقات الخليجية- الأمريكية بما في ذلك تحسين القدرات العسكرية والأمنية لمجابهة تزايد هذا التيار.
واعترفت الدراسة في استنتاجها الأخير بأن مصادر العنف السياسي في الخليج قوية ولن تتمكن واشنطن من منع مخاطرها تمامًا، وكل ما تستطيعه هذه الخيارات هو أن تقلص حوادث العنف لا أن تقضي عليها، وقالت بأن على واشنطن أن تعرف بأن لكل خيار سلبياته وثمنه فالحديث عن أية إصلاحات بالمنطقة قد لا يكون من مصلحة مستقبل الوجود الأمريكي وقد يعرض مصالحها لمزيد من الخطر، كما أن انسحابها قد ينقص هذه المخاطر لكن لن يمحوها بالمرة وإنما ستظل تعبر عن نفسها بأنماط وطرق مختلفة، وتقترح في النهاية- كحل وسط- بقاء هذه القوات لحفظ مصالحها مع زيادة جرعة التترس العسكري وتوفير تكنولوجيا الحماية الأمنية لجنودها .
كما أصدر المعهد نفسه دراسة أخرى سنة ۲۰۰۰م حول الأمن في الخليج بعنوان «تحسين مساهمات قوات التحالف يحث فيها الدول الأوروبية وحلف «ناتو» بالذات على الاهتمام بالخليج كمنطقة استراتيجية تهم الاستقرار الاقتصادي في أوروبا نفسها، وتحث الدراسة صناع القرار في الحلف على أن يفكروا جديًا بخيار نشر قواتهم بصورة فورية في حالة اندلاع أية أعمال تهدد استقرار الخليج، وعدم الاكتفاء بتوظيف قواتهم لخدمة الجغرافية الأوروبية فقط وتعزيزًا لجدليتها، ذكرت الدراسة أهم التهديدات التي قد تشكل خطرًا على المصالح النفطية لأوروبا وأمريكا في الخليج ومن بينها:
- حرب عراقية- إيرانية ثانية وهذه قد تنشب تحت أي غطاء للتدخل من الجانبين مثل اعتداء إيران على الحدود العراقية وسط انشغال بغداد بحرب أهلية لدى رحيل صدام، أو اعتداء عراقي على الحدود الإيرانية وسط انشغال طهران بصراعاتها الداخلية.
- صراع عسكري بين إيران والكيان الصهيوني فالكيان قد يقوم بشن ضربة احترازية بصواريخه على إيران مثلما فعل مع العراق سنة ۸۲ مما قد يسفر عنه أن تقوم إيران بدعم جماعات للقيام بعمليات رد عنيفة على تل أبيب، كما قد تقوم إيران أيضًا بخلق حالة من الاختناق الاقتصادي على الدول الغربية إذا قررت مثلاً قفل مضيق هرمز أو تغيير أسعارها في بيع البترول.
- اعتداء عراقي على الخليج فعلى الرغم من شل قوة صدام العسكرية عبر القصف المستمر لآليته العسكرية إلا أنه اعتداء وارد ومحتمل بقوة حيث ما زال لصدام طموحه في الانتقام.
هذه بالإضافة لعمليات العنف المقصود بها إرهاب الوجود الأمريكي ذاته ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل