; إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة ... الحلقة السابعة والأربعون ... دولة الخلافة والحركة الوهابية | مجلة المجتمع

العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة ... الحلقة السابعة والأربعون ... دولة الخلافة والحركة الوهابية

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الأربعاء 07-يناير-1981

مشاهدات 89

نشر في العدد 510

نشر في الصفحة 38

الأربعاء 07-يناير-1981

● لم يخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب على دولة الخلافة ولم يحارب دولة تحت سلطانها المباشر.

● كان بإمكان الشيخ أن يدخل مكة والمدينة بقوة السيف عام ١٢٠٦ هـ ولكنه لم يفعل.

ذكرنا في الحلقة السابقة بعض المواقف الدالة على أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكن يفكر بالخروج، ولم يخرج على دولة الخلافة ممثلة بمكة والمدينة، فذكرنا موقفه من الهجوم المسلح الذي شنه شريف مكة، ثم أتبعنا ذلك برسالة مؤيدة لذلك الموقف العملي تجاه دولة الخلافة. 

واليوم نستكمل المسير في تعميق وتكريس هذا المعنى من خلال رسالة ثانية وهي آخر وأهم رسالة خطها الشيخ وكانت في سنة وفاته.

وقد جاءت هذه الرسالة في أكثر الظروف حساسية، وأشدها حرجًا، وأكبرها مدعاة للمواجهة والصدام بين شريف مكة والحركة الوهابية. ففي عهد الشريف غالب أمير مكة حاول الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يحسن علاقته، فبعد أن أرسل له الشيخ عبد العزيز الحصين ليناقش علماء البلد الحرام، وليطلع الشريف بنفسه على حسن نية وسلامة عقيدة الشيخ، وكانت الزيارة والمناقشة ناجحة، بعد هذا طلب الشيخ من الشريف أن يسمح لأهل نجد بأداء فريضة الحج، فإنها بلد آمن يدخله كل مسلم دون قيد أو شرط، وأن منع أهل نجد من زيارة البلد الحرام أمر غير جائز شرعًا.

-وقد كان هذا المنع ساريًا منذ فترة طويلة، لكن الشريف غالب رفض هذا الطلب وأصر على عدم السماح بدخول أهالي نجد إلى مكة، وكان ذلك عام ۱۲۰۳ هـ. ۱۷۸۹م، ولم يكتف الشريف بهذا، ففي عام ١٢٠٥ هـ ١٧٩٠م جهز حملة عسكرية بلغ عددها عشرة آلاف مقاتل، وأسند قيادتها إلى أخيه عبد العزيز ومعه كثير من أشراف مكة، وكانت هذه الحملة مزودة بالذخيرة والعتاد، ومعها عشرون مدفعًا، وأمرها بالمسير إلى نجد، فسار الشريف عبد العزيز كما أمر، وكان يستميل في طريقه القبائل الحجازية وقبائل شمر ومطير، فعسكر ذلك الجيش على أطراف نجد وطال مكوثه هناك دون أن يعمل شيئًا.

ثم جهز الشريف غالب جيشًا قوامه بعض القبائل، وخرج يقوده بنفسه في ٢٣ شعبان ١٢٠٥هـ ۲۸ نیسان ۱۷۹۱م ليلتحق بأخيه عبد العزيز ليتولى شخصيًا قيادة الجيشين، فالتحق بأخيه وساروا جميعًا إلى «الشعراء» وحاصروها ولم يفوزوا بطائل، فتركوها وقصدوا «البرود» في إقليم السر، فتفرقت عنه القبائل فاضطر عندئذ الشريف غالب للعودة إلى مكة لقرب أيام الحج، وكان موقف الشيخ والأمير سعود مجرد القيام بحركة تأديبية لتلك القبائل النجدية مطير وشمر، وقد حاولت تلك القبائل أن تتجمع من جديد لقتال الدرعية، ولكنهم خسروا تلك الجولة أيضًا. 

ولقد أعطت هذه الانتصارات قوة رهيبة للحركة الوهابية، وأفقدت في الوقت نفسه هيبة الشريف غالب، الأمر الذي جعل كثيرًا من القبائل تنضم للحركة الوهابية، وقد حاول الشريف غالب أن يقوم بعمليات تأديب لتلك القبائل التي انضمت للحركة فجهز جيشًا في شهر ربيع الثاني ١٢٠٦هـ تشرين الثاني ۱۷۹۱م، ففشلت قواته بقيادة أخيه عبد العزيز من تحقيق النصر، بل إنها هزمت شر هزيمة.

وبعد هذه النكسات أحس الشريف غالب إنه لا بد من عقد الصلح مع الحركة الوهابية أو الدولة السعودية في نجد، فأرسل كتابًا إلى الدرعية يوجه فيه الدعوة لزيارة الأماكن المقدسة وأداء فريضة الحج، فأجيب طلبه، وتوجه الإمام عبد العزيز وولده سعود وعدد كبير من أهله وحاشيته ومن أهل نجد الذين اعتنقوا الدعوة إلى مكة وهم يحملون معهم رسالة من الشيخ محمد بن عبد الوهاب معنونة «إلى علماء مكة».

ونرجح أن هذه الرسالة هي آخر رسائل الشيخ، ولعل تاريخها عام ١٢٠٦ بين شهر ربيع الثاني إلى شهر ذي القعدة من السنة ذاتها، وهو الشهر الذي توفي فيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما سيأتي. 

ولعلنا من سياق الظروف المحيطة بهذه الرسالة وتوقيتها نلحظ بجلاء أن كفة الحركة الوهابية هي الراجحة وأن دخول البلد الحرام بقوة السيف ليس أمرًا مستعصيًا، وها هو الشريف غالب يعلن عجزه بطلبه الصلح، وكان بمقدور الشيخ أن يستغل هذا الضعف، ويهتبل هذه الفرصة ويعلنها حربًا كل نتائجها تشير إلى رجحان كفته. 

وإذا كان الشيخ في تلك المرحلة قد بلغ الحادية والتسعين من عمره، وكان الأمر كله بيد عبد العزيز وسعود، إلا أنهما لم يكونا ليصدرا في هذا الأمر الخطير دون استشارته، بل إن رسالته تدل على أن الشيخ ما زال يدلي برأيه في الأمور المهمة -كما سيأتي- كان باستطاعته أن يقول ويعلن ما يريد.. لكنه خط تلك الرسالة والتي ستظل معلمًا شاخصًا ودليلًا قويًا على موقف الشيخ من الدولة العثمانية من خلال موقفه السلمي من بلد الله الحرام.

فلنتتبع تلك الرسالة التي أرسلها مع الأمير عبد العزيز وولده سعود بعد بسم الله الرحمن الرحيم يقول الشيخ: «من محمد بن عبد الوهاب إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام، نصر الله بهم سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام وتابعي الأئمة الأعلام سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد: فقد جرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم، وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين، ومع هذا نهيناهم عن دعوة الصالحين وأمرناهم بإخلاص الدعاء الله، فلما أظهرنا هذه المسألة مع ما ذكرنا من هدم البناء الذي على القبور كبر على العامة وعاضدهم بعض من يدعي العلم لأسباب ما تخفى على أمثالكم، أعظمها اتباع الهوى مع أسباب أخرى.

فأشاعوا عنا أنّا نسب الصالحين، وأنا على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى الشرق والغرب، وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها، وأنا أخبركم بما نحن فيه بسبب أن مثلكم ما يروج عليه الكذب من أناس متظاهرين بمذهبهم عند الخاص والعام، فنحن ولله الحمد متبعون لا مبتدعون على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. وتعلمون أعزكم الله أن المطاع في كثير من البلدان لا يتبين بالعمل لهاتين المسألتين أنها تكبر على العامة الذين درجوا وآبائهم على ضد ذلك.

وأنتم تعلمون رحمكم الله أن في ولاية الشريف أحمد بن سعيد وصل إليكم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله وأشرفتم أنتم على ما عندنا بعدما أحضروا كتب الحنابلة التي عندنا عمدة كالتحفة والنهاية عند الشافعية. 

فلما طلب منا الشريف غالب أعزه الله ونصره امتثلنا، وهو إليكم واصل، فإن كانت المسألة إجماعًا فلا كلام، وإن كانت المسألة اجتهاد فمعلومكم إنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد، فمن عمل من محل ولايته لا ينكر عليه، وأنا أشهد الله وملائكته وأشهدكم إني على دين الله ورسوله، وإني متبع لأهل العلم.

ويلاحظ على هذه الرسالة المهمة أنها أتت في اكتمال الدولة التي أسسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب على عقيدة التوحيد، وأصبح وجودها وقوتها واقعًا يفرض نفسه، ومع ذلك نلحظ هذا الأسلوب الرقيق المشعر بمقدار الظلم الذي وقع على هذه الدعوة الصادقة الصافية، وها هو الأمير عبد العزيز وابنه سعود يدخلان بدعوة من شريف مكة بلا ضغط ولا تخويف.

وهذه الرسالة بمجرها تعبر عن موقف عملي جاد لم يحاول أن يغيره الشيخ، بالرغم من كل تلك الفرص المتاحة، إنه يريد أن تبقى بلاد الحرمين تمثل الحبل الموصول بدولة الخلافة، ولن يكون الشيخ محمد بن عبد الوهاب سببًا في قطعه. وها هو يثبت حُسن نيته بتلك الرسالة، وبذينك الرسولين، والشيخ قد كبرت سِنُه وبلغ من العمر منتهاه، واكتفى من توسع دعوته بما وصلت إليه حامدًا الله شاكرًا حتى توفاه الله في سنة هذه الرسالة عام ١٢٠٦هـ .

وهكذا كانت سياسة الشيخ وموقفه تجاه بلاد الحجاز مكة والمدينة طوال حياته، ولم يؤثر عن تحريض أو استعداء أو دعوة لحربها أو الاستيلاء عليها، لشعوره أن ذلك الفعل قد يفسر على أنه خروج على دولة الخلافة، وكان يكفيه بإزائها الوعظ وتوصيل الدعوة وإنكار المنكر.

أما موقفه الآخر تجاه ما عدا الأراضي المقدسة فإننا نجدها سياسة تتفق وما تقتضيه الحكمة، وتهدي إليه الدربة، وطول المراس ورسائله إلى ماعدا بلاد الحرمين الشريفين، بأسلوب الإنكار الشديد، والذي ترقى تدريجيًا حسب تدرج قوة الحركة من النصح والإنكار إلى التغيير باليد والسلاح، كما تومئ وتشير إلى ذلك ميول الرسائل السابق عرضها، فمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هنا متروك له فيه أسلوب التغيير حسب قدرته، وما تركت دولة الخلافة سياسة أمور العباد والبلاد فيها إلا عجزًا، ولو استطاعت أن تغير ما أمكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يغيره لغيرته أو بمعنى أصح لوجب عليها تغييره، ومن هذا التصور بنى الشيخ تحركه ورسم خطته، وكانت هذه سياسته لم يغيرها حتى وفاته.

ولما كانت هذه السياسة متفقة وسياسة دولة الخلافة، فإننا نجدها لم تحرك ساكنًا ولم تبدر منها أية بادرة امتعاض أو خلاف يذكر، بالرغم من توالي أربعة من سلاطين آل عثمان في حياة الشيخ، فقد بدأ دعوته عمليًا منذ عام ١١٥٣ه عندما توفى والده، وبدأ طور دعوته جهرًا وبقوة وحماسة كما سبق وكان ذلك في عهد السلطان محمود الأول الذي تولى السلطة سنة ١٧٣٠، ثم خلفه السلطان عثمان الثالث، ثم السلطان مصطفى الثالث، ثم السلطان عبد الحميد الأول، والذي توفي في أبريل ۱۷۸۷، ثم أدرك الشيخ جزءًا من خلافة السلطان سليم الثالث، وبالرغم من أن الحركة الوهابية اتسعت كثيرًا داخل الجزيرة، إلا أن دولة الخلافة لا ترى في كل ذلك ما يستحق تحركها، وبالرغم من محاولات الإيقاع بينها وبين الحركة الوهابية.

أما الأحساء فإن الحروب من قبل الحركة الوهابية بدأت حقيقة في عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولم يتم دخولها إلا بعد وفاته عام ۱۲۰۸، ولما كانت دولة الخلافة تولي الأحساء أهمية خاصة لموقعها، فقد جعلت فيها حامية من قبلها كما أشرنا سابقًا منذ عهد مبكر في ١٠٠٠هـ، حين استولوا عليها وعينوا فاتح باشا نائبًا من جهتهم، وكانت الأحساء بيد آل أجود الجيري العامري وذويه قبل استيلاء العثمانيين. 

فلما كان عهد السلطان محمد خان الرابع، وكانت دولة الخلافة مشغولة بالحروب من جهات عدة، وكانت الاضطرابات الداخلية على أشدها، اغتنم آل حميد -وهم بطن بني خالد- الفرصة وثاروا على ولاة الترك العثمانيين، وقتلوا عسكر باشا وطردوا الباقين، وحكم الأحساء زعيمهم براك بن غرير بن عثمان آل حميد رئيس بني خالد، وظلت قبيلة بني خالد تحكم الساحل الشرقي للجزيرة العربية باستقلال فعلي حقيقي عن الدولة العثمانية، ولعل حالها لا يرقى حتى إلى مقولة إنها تحكم باسم الدولة العثمانية كما تزعم المصادر التاريخية. ومن ناحية أخرى كان تخوف أمراء الأحساء من الحركة الوهابية أكبر من تخوف الوهابية منهم، ولذلك بدأوا بتسيير الجيوش على الدرعية لما استولت الحركة على العينية وضمتها، وكان أمير الأحساء يعتبر العينية من مقاطعات آبائه فجهز عام ١١٧٢هـ 1658م جيشًا كبيرًا قاصدًا الدرعية. 

ولقد أشرنا سابقًا إلى المبررات التي حدت الحركة الوهابية لضم الأحساء وأهمها: الموقع الإستراتيجي، والأهمية الاقتصادية، ووجود الشيعة، والخلافات المذهبية، والعقائدية التي كان يرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ضرورة القضاء عليها.

والذي نريد ترتيبه على ذلك أن ضم الأحساء إنما تم انتزاعًا من يد آل حميد، ولم يكن لدولة الخلافة أية سلطة هناك حتى يكون الشيخ قد خرج بفعله هذا على دولة الخلافة، ولذلك لم تحرك ساكنًا إزاء المناوشات في عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولا حينما استولى سعود عليها وعلى نواحيها نهائيًا عام ١٢٠٨ ، والدولة السعودية الأولى ٦٧ وما بعدها.

«تاريخ الجزيرة العربية في عهد الشيخ محمد بنعبد الوهاب»، تأليف حسين خلف الشيخ خزعل ٢٥٤ وما بعدها ط دار بيروت.

وهكذا كانت مواقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب العملية في القتال ونشر الدعوة بالقوة على البلدان المجاورة داخل الجزيرة، فلم يكن يقصد حرب دولة الخلافة، فلم يتطاول على بلاد الحجاز إطلاقًا، وظلت سياسته على هذا طوال حياته لا نستطيع تحميله غير ذلك، خصوصًا إذا علمنا أن الشيخ خف تأثيره في الأمور السياسية عمومًا عندما فتحت الرياض ١١٨٨هـ - ١٧٧٤م «وذكر شكيب أرسلان أنه دخلها ١٧٧٢ حاضر العالم 4/ 162 وهو وهم».

فقد شعر الشيخ عندها وقد نيف على السبعين أنه قد حقق غرضه وهدف دعوته، فقد استتب الأمر للدين في نجد، ودخلت جميع البلدان حولها في حظيرة الدعوة، وتأمنت السبل ولم تعد الحركة تخشى اعتداء يأتيها من داخل الجزيرة.

وهذا ما يشعر به كتاب الشيخ إلى الأمير عبد العزيز بعد فتح الرياض، حين قال فيه «أحب لك ما أحب لنفسي، وقد أراك الله في عدوك مالم تؤمل فالذي أراه أن تكثر من قول الحسن البصري، وكان إذا ابتدأ حديثه يقول: اللهم لك الحمد بما خلقتنا وهديتنا وفرجت عنا، لك الحمد بالإسلام والقرآن، ولك الجهر بالأهل والمال والمعافاة، كبت عدونا وبسطت رزقنا وأظهرت أمننا وأحسنت معافاتنا وفي كل ما سألنا فلك الحمد على ذلك حمدًا كثيرًا طيبًا حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت» «تاريخ الجزيرة العربية، حسين خلف الشيخ خزعل»، ثم اعتزل الشيخ الحياة السياسية عام ١٢٠٦ هـ - ۱۷۸۸م تاركًا تصريف الأمور السياسية وإدارة الدولة للأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود، وأن الأمير كان يستشيره في الأمور الكبيرة، وفي ذلك يقول ابن بشر: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان «بيده الحل والعقد والأخذ والإعطاء والتقديم والتأخير، ولا يركب جيش ولا يصدر رأى من محمد وابنه عبد العزيز إلا عن قوله ورأيه، فلما فتح الله الرياض واتسعت ناحية الإسلام، وأمنت السبل وإنقاذ كل صعب من باد وحاضر، جعل الشيخ الأمر بيد عبد العزيز وفوضه أمور المسلمين وبيت المال إليه، وانسلخ منها ولزم العبادة وتعلم العلم، ولكن ما يقطع عبد العزيز أمرًا دونه ولا ينفذه إلا بإذنه».

وعندما تفرغ الشيخ لتدريس العلوم الشرعية وهو في سن الرابعة والسبعين استمر معتزلًا إلى أن توفى، وإذا صحّت رواية صاحب «لمع الشهاب»، فإن الشيخ لما بلغ عمره الثمانين سنة اعتزل عن التصرف في الأمور، وولى ابنه الشيخ حسين على منصب المشيخة» «لمع الشهاب 102» فعلى الرواية الأولى يكون الشيخ قد ترك الحياة السياسية قبل وفاته بسبع عشرة سنة، وعلى الرواية الثانية تركها قبل وفاته بإحدى عشرة سنة، وهكذا انتهت المرحلة الأولى للحركة الوهابية في علاقتها بدولة الخلافة ممثلة في علاقة الحركة ببلاد الحجاز، وهذه المرحلة نستطيع تحديدها من قيام حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب حتى وفاته سنة ١٢٠٦هـ، فقد انتهت هذه المرحلة دون أن يبادر الشيخ إلى المصادمة مع بلاد الحجاز أو افتعال أي مبرر لمثل هذا الصدام، بالرغم من أن الشريف غالب حاول ضرب الحركة والقضاء عليها، بل إنه سير جيشه فعلًا حتى وصل إلى «قصر بسام» في السر، وهو حصن تابع للدولة السعودية، لكنه لم يتمكن من الاستيلاء على الحصن، وعادت قواته أدراجها في سنة ١٢٠٥هـ.

ومع ذلك لم يحدث في حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أي موقف لرد الهجوم بهجوم آخر سوى عمليات التأديب للقبائل التي ساندت الشريف قام بها الأمير سعود بن عبد العزيز، وظل الأمر على حاله إلى أن توفى الشيخ يوم الجمعة آخر شهر ذي القعدة من سنة ١٢٠٦ هـ، ۲۲ حزیران ۱۷۹۲م وهو في الحادية والتسعين رحمه الله رحمة واسعة. ثم بدأت المرحلة الثانية للحركة والتي سنتناولها في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى. 

الرابط المختصر :