; الحلقة التاسعة والعشرون: إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة: المهديّة في الميزان | مجلة المجتمع

العنوان الحلقة التاسعة والعشرون: إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة: المهديّة في الميزان

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1980

مشاهدات 112

نشر في العدد 490

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 22-يوليو-1980

حارب المهدي دولة الخلافة.. ومصر.. والسنوسية فأعان الإنجليز على قتل الحركة المهدية.

ذكرنا في الحلقة السابقة أن من سلبيات الحركة المهدية، عدم بلورة منهج الحركة، وادعاء محمد أحمد المهدية وها نحن نضيف في هذه الحلقة بقية الأسباب التي أودت بالحركة إلى الفشل رغم حكمها للسودان ستة عشر عامًا. 

فقد ذكرنا أن من دعائم الحركة المهدية سهولة الإسلام ويسره ومع صحة هذا المبدأ إلا أن محمد أحمد لم يكن مدركًا لحدود هذا اليسر ومجالاته، وأخذ هذا المبدأ على إطلاقه سواء في الأمور العقائدية أو الفكرية أو الأحكام الاجتهادية وبناء على هذا الفهم اعتقد أن كتب المذاهب الأربعة لا داعي لها، بل إنها عقبة في فهم الإسلام حجبت الإسلام الصحيح عن الناس وحالت بينهم وبين الكتاب والسُنة، ولذلك أصدر حكمه ببطلان العمل بالمذاهب الأربعة إلا أن المهدي يشكر أصحاب هذه المذاهب على اجتهادهم وأنهم أوصلوا الإسلام إلى عصر المهدي المنتظ؛ ولذلك أمر بإحراق كتب الفقه والأصول وغيرها ولم يبق إلا القرآن الكريم والصحيحين وإحياء علوم الدين للغزالي وغير ذلك من الكتب التي سماها له الأنصار، ولعله بهذا كله كان متأثرًا بما أورده الشيخ محيي الدين بن عربي عن الإمام المهدي بأنه سيرفع المذاهب ويعيد الدين إلى ما كان عليه أيام النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن فهم هذا وإقدامه على إحراق كتب المذاهب الأربعة جلب عليه إنكار العلماء داخل السودان وخارجه وقلل من مكانته العلمية ودخل في حرب لذلك مع الصوفية أيضًا باعتبارها مسؤولة أيضًا عن حجب الناس عن الكتاب والسُنة، وجلب عليه كثيرًا من المصاعب لتأصُّل الصوفية في وقته ولقد كان ذلك سببًا في عرقلته في كثير من الأماكن التي كان يرغب أن يدخلها ويؤثر فيها لوجود الطرق الصوفية المناهضة له.

● وموقفه من الحركة السنوسية: 

فقد كانت الظروف التي نشأت فيها الحركة المهدية هي نفس الظروف التي نشأت فيها السنوسية والدوافع والأهداف واحدة، وكانت المنطقة محتاجة لعمل موحد يجمع شتات الأمة ويصيغ منهم جبهة واحدة متراصة أمام المؤامرات والغزو والظلم والجور الذي يزاوله الاستعمار الأوربي بعد أن أجهز على ما تبقى للخلافة من قوة وتأثير. 

وكان الواجب في ظل تلك الظروف أن تتوحد كلمة السنوسي والمهدي إلا أن الأمر كان على عكس ذلك بل كان الخلاف بينهما محتدمًا -كما سبق- ونحن نحمل المهدي الجزء الأكبر من مسؤولية هذا الموقف، فهو الذي طلب ابتداء من السنوسي أن ينضم تحت لوائه وأن يحضر من ليبيا ليستلم منصب الخليفة الثالث وكان يعلم ابتداء أن السنوسي سيرفض ذلك والسنوسي في حقيقة الأمر يحمي ظهر محمد أحمد ويسد ثغرة هامة فكان على محمد أحمد أن يعي ذلك.. ولهذا فإن إرساله طالبًا حضور السنوسي ليس له ما يبرره..

وكان من سوء التصرف أن المهدي كان عازمًا على حربه، وهو يعلم أنه مسلم لا يحل رفع السلاح في وجهه، وقد سير التعايشي الجيش -فعلًا- لحربه ولكن السلطان يوسف رد هذه الجيوش عن وجهتها كما سبق. 

مثل هذا الموقف العدائي من الحركة السنوسية أضعف بلا شك كلتا الحركتين وجعل اللقاء، وتوحد القوتين صعبًا وفي نفس الوقت جعل فرصة القضاء عليهما من قِبَل المستعمر قوية، وهذا ما حدث.

● ثم أخيرًا:

موقفه من دولة الخلافة لم يكن وضع دولة الخلافة الإسلامية يسعد أحدًا مثل ما يسعد الدول الأوربية التي تعمل جاهدة لتقويض صرح الخلافة الذي ظل سياجًا حاميًا للبلاد الإسلامية قاطبة حتى في أيام الخلافة الأخيرة.

وكان الأوربيون ومن معهم من اليهود والروس يباركون أي انفصال لأي جزء من البلاد المسلمة ويعملون لذلك جهدهم لأنه سيعينهم في مؤامرتهم الدنيئة لإسقاط الخلافة الإسلامية.

وكان موقف المهدي من دولة الخلافة موقفًا عدائيًا صريحًا وقد كشف عن ذلك بالرسائل التي كان يرسلها إلى السلطان عبد الحميد يعلنه فيها أنه هو المهدي الذي ينبغي أن ينصاع له المسلمون وأن دولة الخلافة ينبغي أن تنتقل إلى مكة.. والحروب التي اصطدم فيها مع إخوانه المصريين تشعر بهذا الموقف العدائي وموقفه هذا من دولة الخلافة كان سببًا في إضعاف حركته من جهة استمرارها وشرعيتها، وعونًا للاستعمار المتربص لدولة الخلافة الدوائر.

وكان الواجب أن يضع كل إمكاناته لإحياء دولة الخلافة وتقويتها والذود عن حياضها، وهذا ما لم يكن، ولقد حاول السلطان عبد الحميد أن يخضع الحركة لسلطته ويعيدها إلى خطها السليم وهو معاداة الإنجليز فحسب وتقوية دولة الخلافة في العمل باسمها في إفريقيا لتتوحد الجهود بين السنوسي في شمال إفريقيا والمهدي في وسطها وجنوبها، وكانت إنجلترا تستنكر خطط السلطان عبد الحميد

للتدخل لأنه ليس من مصلحتها -حقيقة- إخماد الثورة ما دامت تؤدي إلى إضعاف مركز دولة الخلافة، وهذا ما يجعل نجاح الثورة أخف ضررًا بالنسبة لإنجلترا من إخمادها بقوة واسم دولة الخلافة الإسلامية، وذلك لا نستبعد إطلاقًا أن يكون الإنجليز وراء توسع الثورة وتصعيدها وتهيئة سبل وصولها إلى غايات أكبر من حجمها وبسرعة فائقة، مع أننا لا نغالي كما يذهب البعض إلى أن الحركة المهدية برمتها من عمل الإنجليز، لكن استفادت الإنجليز من خلال موقف الحركة من دولة الخلافة أمر وارد..

ولقد أشار السياسي الكبير السلطان عبد الحميد في مذكراته لهذا كله فقال: «أن السياسة التي يتبعها اللورد «كرانفيل» تجاه الدولة العثمانية ليست مرضية، وقد أثارت أحداث السودان «ثورة المهدي 1883 - 1884» صدى واسعًا في الجزيرة العربية وكان من المقرر أن نقوم بالتدخل العسكري ليعتد -أي ليعود- إلى المهدي صوابه ولنحافظ على سيادتنا في هذه البلاد، واتفقنا في هذا الشأن مع شريف «وزير شؤون مصر» كما وافقنا الخديوي على هذا الرأي، لكن إنكلترا استنكرت هذا التدخل، مثلما فعلته عام ۱۸۸۰ عندما أزمعنا على إخماد الثورة التي قام بها عرابي باشا في مصر. 

أما بارتلمي سانت هيلاف فكان يخشى أن أستعمل صلاحياتي في مصر كخليفة للمسلمين، لأن نفوذه في شمال إفريقيا، وفي تونس على وجه الخصوص، سيكون في خطر، ولهذا تعمد ارتكاب الخطأ الكبير في الوقوف إلى جانب إنكلترا في سياستها تجاه مصر، أما اليوم فالتاريخ يعيد نفسه في السودان. 

إن سياسة الإنكليز في مصر تتلخص في زيادة نفوذ المهدي كزعيم ديني على حسابنا، والحط من شأننا في الولايات العربية توطئة للقضاء على حكمنا فيها، ولا شك أن كلام السلطان عبد الحميد يدل على بُعد نظر للسياسة التي ينبغي أن تسير عليها تلك الحركات الإسلامية المنبثة في بقاع العالم الإسلامي كالحركة المهدية التي كان عليها أن تصب في رصيد دولة الخلافة وتعمل باسمها لترتفع هيبتها ومكانتها في نفوس الشعوب المسلمة فتستعيد تلك المكانة التي تريد إنجلترا وأعوانها القضاء عليها.

فلم يكن المهدي موفقًا في عدائه لدولة الخلافة، فقد أضر بحركته فاستنزف قوته في محاربة إخوانه المسلمين، فأضعف الحركة مستقبلًا أمام الإنجليز وأعوانهم وفي نفس الوقت أضعف مركز دولة الخلافة الإسلامية، ولذلك تركته إنجلترا يحقق بنفسه كل هذه النتائج فيضعف نفسه وحركته ويضعف مركز دولة الخلافة ثم بعد ذلك تستوعبه إنجلترا بقوتها فلا يستطيع المواجهة وهذا ما حدث فعلًا فيما بعد.

«1» مذكرات السلطان عبد الحميد ١١٩

الرابط المختصر :