; إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (العدد 481) | مجلة المجتمع

العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (العدد 481)

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1980

مشاهدات 96

نشر في العدد 481

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 20-مايو-1980

دولة الخلافة توكل للسنوسية حكم دواخل إفريقيا 

  • اتخذ السنوسي سياسة العزلة بحركته عن مواجهة دولة الخلافة الإسلامية، مع اعترافه بسلطتها وشرعيتها.
  • الدول الأوروبية انزعجت من انتشار الحركة السنوسية لوقوفها في وجه مطامعها..

كان لا بد أن يحدد الشيخ محمد السنوسي موقفه تجاه أهم القوى التي قد تؤثر على سير الحركة الجهادية مع الدول الأوروبية التي تتحين الفرص للقضاء على هذه الحركة التي لم يعد خطرها وتأثيرها يخفى عليهم.

كان لا بد أن يحدد الشيخ محمد السنوسي موقفه من حركة محمد أحمد «مهدي السودان» وكان عليه أن يحدد علاقته وموقفه من دولة الخلافة الإسلامية، وكان لابد أيضًا أن يحدد موقفه علنًا تجاه الدول الاستعمارية، ولننظر كيف استطاع هذا القائد الحنك أن يسير بدعوته قوية وسط هذه العواصف السياسية الحادة.

 كان ظهور الحركة المهدية في السودان بقيادة محمد أحمد مثار قلق للسيد السنوسي بسبب المواقف التي وقفتها المهدية من حركته، فقد كانت المهدية تهدف إلى إقامة حكومة إسلامية في السودان، ونشر سلطانها على بقية الأقطار الإسلامية؛ حتى تتمكن من إعادة الخلافة الإسلامية على يد محمد أحمد الذي ادعى أنه المهدي المنتظر. 

وقد استطاعت المهدية أن تحقق انتصارات كبيرة في السودان، وأن يمتد نفوذها إلى بعض الجهات التي كانت الزوايا السنوسية عامرة فيها، مما جعل دواعي الخصومة والمنازعة قائمة بين الحركتين، فقد كان للسنوسية زوايا في السودان حتى حدود دارفور، وفي السودان المصري، ولهم في كل هذه البقاع اتباع وأنصار.

وقد أرسل المهدي إلى السنوسي رسائل يدعوه فيها إلى الانضواء تحت لوائه ومبايعته على المهدية، كما أرسل إلى بقية الدول الإسلامية في ذلك إلا أن السنوسي أهمل رسالته، ولم يرد عليها، وأرسل المهدي رسالة أخرى بعد أن دخل الخرطوم منتصرًا، وعين السيد السنوسي خليفته الثالث بمثابة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وطلب من السنوسي أن يحضر؛ ليستلم هذا المنصب، وقد أهمل السنوسي الرد على هذه الرسالة أيضًا. وكان محمد أحمد المهدي يهدف من ذلك إلى كسب قوة السنوسية إلى صفه وخضوع الشمال الأفريقي للحركة المهدية، ومن جانب آخر كان محمد أحمد المهدي ينوي الزحف على مصر وإخراج الإنجليز منها، وسيستعين بقوة السنوسية في تحقيق ذلك. 

ولم يتخذ السنوسي موقف العزلة والإهمال من رسائل المهدي إلا بعد أن وقف على حقيقة هذا الرجل فأرسل رسولًا من واداي؛ ليستطلع أمر المهدي، فوصل الرسول إلى الأبيض عاصمة الكرد، فإن عقب سقوط البلدة مباشرة في أيدي محمد أحمد في يناير ۱۸۸۳ بعد حصار استمر أربعة شهور، وحدثت بسببه مجاعة مخيفة. وعند احتلال الأبيض ارتكب أتباع محمد أحمد المهدي فظائع كثيرة من قتل وسلب ونهب، ورجع رسول السنوسي يحمل ما شاهده من أعمال أتباع المهدي في الأبيض، ومنها قرر السنوسي قطع صلته بالمهدي، والتزام جانب الصمت، وعدم استثارة المهدي؛ لتحاشي أي صدام بينهما.

ولذلك لما جاءته رسالة المهدي في مايو ١٨٨٣ يدعوه فيها لأمرين: أما الهجوم على مصر، وأما الحضور إليه والانضمام إلى صفوفه أهمل الرد عليها أيضًا، وطلب من الشعوب الإسلامية خصوصًا في واداي وبرنو والبلاد المجاورة «أن تمتنع عن تأييد مدعي المهدية محمد أحمد الذي لم يكن إلا مخادعًا كاذبًا، وبهذا أصبحت واداي وبرنو وبرقة وباقرمة وبقية ممالك السودان الغربي؛ حيث تنتشر السنوسية أعداء للمهدية. وعندما توفي محمد أحمد المهدي في يونية ۱۸۸۵ وتولى من بعده خليفته عبد الله التعايشي جدد المحاولات لجذب السنوسي، وأرسل له الرسائل يدعوه للجهاد وإخراج الإنجليز من مصر، إلا أن موقف السنوسي لم يتغير، ولم يجب التعايشي لطلبه، فما كان من الأخير إلا أن أمر جيوشه بالزحف من دارفور عام ۱۸۹۰ لمواجهة السنوسي وحربه؛ حتى وصلت جيوشه إلى واداي، ولكن سلطانها يوسف كان عظيم الإخلاص والولاء للسنوسي، فقام برد جيش التعايشي وأوقف زحفهم، وكفى السنوسي موقفًا صعبًا طالما تحاشاه.

ويذكر أحد المؤرخين أن سلطان برقو أرسل للسنوسي رسالة يستوضحه فيها عما يكون عليه موقفه من التعايشي الذي طلب من هذا السلطان مؤازرته، فرد عليه السنوسي أنه إنما يعني بالدعوة إلى إصلاح الدين سلمًا لا حربًا، بينما تنفر الملة التي يراد أحياؤها نفورًا عظيمًا؛ بل وتشتد ثورتها ضد الدماء التي يهدرها والجرائم التي يرتكبها في السودان» «۱».

أما موقفه من دولة الخلافة الإسلامية، فقد كان السيد محمد بن علي السنوسي يرى أن الخلافة ينبغي أن تكون بيد قرشي، وقد أوضح ذلك في كتابه «الدرر السنية» ومعنى ذلك أن السنوسي كان لا يرى أحقية الترك في الخلافة، ومع هذا فإن السنوسي لم يثر موضوع الخلافة من هذه الناحية؛ لأنه يعلم يقينًا أن إثارة هذا الموضوع معناه فتح باب للنزاع لا يعود إلا بالضرر على السنوسية وعلى المسلمين أجمع، وأن النزاع مع دولة الخلافة يتنافى وهدف الحركة، وهو إيجاد دولة إسلامية قوية تعين دولة الخلافة، وتعيد لها قوتها وثقة الناس بها.

ولذلك اتخذ سياسة العزلة بحركته عن مواجهة دولة الخلافة الإسلامية مع اعترافه بسلطتها وشرعيتها وليس معنى ذلك أنه يريد بناء دولة منفصلة عنها فهذه النتيجة لا تجد لها أي دليل من خلال سير الحركة السنوسية، بل الأدلة كلها تدل على أنه كان يريدها دولة تحت لواء دولة الخلافة وتعمل لتقويتها وتأكيد سلطتها في البلاد الإسلامية. ولذلك لم يتبع السنوسي أساليب الإضعاف لدولة الخلافة، فلم يشعل الثورات، ولم يسمح للدول المسيحية أن تنتقص من حق دولة الخلافة مع حرص هذه الدول ومحاولاتها للإيقاع بين السنوسي ودولة الخلافة..

لقد كانت دولة الخلافة ضعيفة لا تستطيع السيطرة على كل البلاد الإسلامية، وكان سلطانها لا يتعدى المنطقة الساحلية بمدنها فضلًا عن الاضطراب والفوضى في داخل العاصمة الأستانة وأمام هذا الحال كانت دولة الخلافة تبحث عن رجل قوي يدين لها بالولاء لتوكل إليه باسمها حفظ الأمن وإبقاء الصلة وثيقة بين الدول المتباعدة ودولة الخلافة، وكان السيد محمد بن علي السنوسي الرجل المجاهد الذي يطمئن إليه، فكانت سياسة حكيمة من دولة الخلافة أن اعترفت عن طريق وإليها في طرابلس بالحركة السنوسية. 

ولم يكن هذا الاعتراف الأول من نوعه بل كانت سياسة اتبعتها دولة الخلافة لإعادة الثقة بين العرب والترك وأسلوبًا جيدًا للمحافظة على الصلة مع هذه الدول التي لا تستطيع أن تفرض سلطتها عليهم فيما لو أرادوا الانفصال؛ ولذلك اعترفت بإمارة آل سعود على نجد وآل الرشيد على حائل وآل الصباح على الكويت. فكذلك كان اعترافها بإمارة السنوسية من باب أولى، ويتفق مع سياستها وخطتها في إعادة الثقة إليها. وبهذا الاعتراف تركت للسنوسية حكم دواخل البلاد، وقد أعطى هذا الاعتراف قوة معنوية وهيبة للحركة السنوسية، فكانت العرب تحترم أوامر السنوسي، وتنفذ أوامر الأتراك بناء على تبني السنوسي لهذه الأوامر، فكانت هذه السياسة تخدم السنوسي وفي نفس الوقت تخدم دولة الخلافة. 

إلا أن السنوسي في واقع الأمر لم يكن من سياسته- مع تلك الفترة- إعانة دولة الخلافة فعليًّا كتزويدها برجال محاربين يعينونها في حروبها المتوقعة، ولذلك حينما اعتلى السلطان عبد الحميد عرش الخلافة وطلب من السيد محمد السنوسي إرسال قوة من رجاله من الأقطار البرقاوية الطرابلسية لمساعدة دولة الخلافة في حربها مع روسيا عام ۱۸۷۷ امتنع السنوسي من تنفيذ هذا الطلب، وكان هذا أول مؤشر لاحتمال سوء النية بين السنوسية ودولة الخلافة، الأمر الذي جعل السلطان عبد الحميد يرسل الرسل إلى السنوسي للوقوف على حقيقة موقفه، وقد عادت هذه الرسل تؤكد ولاء السنوسية لدولة الخلافة.

 أما عن موقفه من الدولة الاستعمارية فقد كانت سياسة محمد بن علي السنوسي وابنه من بعده تجاه تلك الدول الطامعة في استعمار تلك البقاع سياسة العزلة وتحاشي أي صدام بينهما؛ ليتفرغ لمهام الحركة والانتهاء من مرحلة التكوين والتربية ومرحلة الاستعداد للجهاد؛ كي يستطيع الوقوف في وجه الأطماع الأوروبية. 

ولا شك بأن انتشار الحركة السنوسية وتمكنها من فرض سيطرتها على الشمال الأفريقي بكثرة الزوايا المنتشرة بنظام وترابط تأمين أزعج الدول الأوروبية خاصة في مرحلة تنازع دم هذه الدول على اقتسام القارة الأفريقية؛ وذلك في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر.

فإنجلترا التي احتلت مصر في عام ۱۸۸۲ ثم السودان، كانت تتحين الفرص لمد نفوذها إلى غربي أفريقية، فبدأت ترصد في الحركة السنوسية التي قد تقف لها بالمرصاد وخصوصًا من ناحية السودان المصري.

وفرنسا التي احتلت الجزائر ومدت نفوذها إلى تونس، وصارت تتوغل من جهة الغرب في قلب أفريقية حتى وصل نفوذها إلى واداي وهي من الأقطار التي دانت للسنوسية، وصارت من أقوى دعائم السنوسية في قلب الصحراء الأفريقية.

وإيطاليا تتطلع إلى تحقيق أطماعها في أفريقيا، بل أن ألمانيا بعد انتصارها على فرنسا في الحرب السبعينية بدأت تسعى هي الأخرى لتحقيق أطماعها في طرابلس الغرب على الخصوص، ولكنها لم تنجح؛ لأن إيطاليا استطاعت بتحالفها مع الدول الأوروبية الأخرى أن تؤمن لنفسها حرية العمل في طرابلس وتنفذ إليها، فقد عقدت في ۱۸۸۷ في اتفاقية سرية مع بريطانيا تناولت مسألة طرابلس، واتفق فيها على أن تترك بريطانيا لإيطاليا حرية العمل في طرابلس، ثم اتفقت إيطاليا مع فرنسا عام ۱۹۰۰ ومع روسيا عام ١٩٠٩ على المبدأ نفسه مقابل ترك حرية العمل في مصر لبريطانيا وفي تونس والمغرب لفرنسا وفي المضايق لروسيا.

وكل هذه الدول الطامعة في طرابلس وأفريقيا كانت تحسب حسابًا كبيرًا للحركة السنوسية وتعلم علم اليقين أن السنوسي كان يتابع الحركات السياسية المجاورة، ويمدها بما يستطيع من قوة. وكان محمد بن علي يهرب الأسلحة والأموال إلى الجزائر أثناء حربها مع فرنسا. وكانت فرنسا ترصده بدقة، وتعتبر فرنسا أن السنوسية هي المسئولة عن جميع أعمال المقاومة ضد فرنسا في الجزائر، وأنها السبب في الثورات المختلفة كثورة محمد بن عبد الله في تلمسان وصحراء الجزائر ١٨٤٨ - ١٨٦١ وعصيان محمد بن تكوت في الظهراء. 

وقد حاولت بعض هذه الدول الأوروبية أن تكوَّن صلة ما مع الحركة السنوسية، فكانت تجمع المعلومات بشتى الطرق لمعرفة سير الحركة وأهدافها وزعيمها، وقد تمت محاولات الاتصال بالسيد محمد بن محمد السنوسي، ولكنه كان يرفض مقابلة أي رحالة أجنبي كانت هذه الدول ترسلهم إليه لاستمالته وكسب وده، بل كان يرد الهدايا التي كانت ترسلها تلك الدول للتأثير عليه وإبداء حسن النية تجاهه.

كل هذه الأجواء كانت كافية لتوقع الصدام بينه وبين هذه الدول الأوروبية المستعمرة.

الرابط المختصر :