; إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (العدد493) | مجلة المجتمع

العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (العدد493)

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1980

مشاهدات 99

نشر في العدد 493

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 12-أغسطس-1980

إعلان محمد بن عبد الوهاب دعوة التوحيد ([1])

- بيعة محمد بن السعود لمحمد بن عبد الوهاب.. ومرحلة الجهاد.

- بدخول الشيخ إلى الدرعية بدأت الدعوة تجمع السلطان إليها.

- طارت للشيخ شهرة بعد أن نفذ أحكام الله.

بدء الإعلان بالدعوة وذلك عندما وصل الشيخ محمد إلى بلد حر يملأ وجلس عند أبيه يقرأ عليه ثم بدأ ينكر ما يفعل الجهال من البدع والشرك في الأقوال والأفعال. وكثر منه الإنكار لذلك ولجميع المحظورات حتى وقع بينه وبين أبيه كلام، وكذلك وقع بينه وبين الناس في البلد. فأقام على ذلك مدة سنين حتى توفى أبوه عبد الوهاب في سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف، ثم أعلن بالدعوة والإنكار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتبعه ناس من أهل البلد، ومالوا معه واشتهر بذلك، وكان في البلد عبيد لإحدى القبيلتين يقال لها: الحميان كثير تعديهم وفسقهم. فأراد الشيخ أن يمنعوا عن الفساد و ينفذ فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم العبيد أن يفتكوا بالشيخ، و يقتلوه بالليل سرًّا، فلما تسوروا عليه الجدار علم بهم الناس، فصاحوا بهم فهربوا، فانتقل الشيخ بعدها إلى العيينة ورئيسها يومئذ عثمان بن حمد بن معمر، فتلقاه بالقبول وأكرمه، وتزوج فيها الجوهرة بنت عبد الله بن معمر، وعرض على عثمان ما قام به ودعا إليه، وقرر له التوحيد، وحاوله على نصرته وقال: إني أرجو إن أنت قمت بنصر لا إله إلا الله أن يظهرك الله تعالى وتملك نجدًا وأعرابها، فساعده عثمان على ذلك، فأعلن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبعه أناس من أهل «العيينة» وكان فيها أشجار تعظم، ويعلق عليها، فبعث إليها سرًّا من يقطعها بأجرة من ماله فقطعت، وفي البلد شجرة هي أعظمهن عندهم، فخرج الشيخ إليها بنفسه سرًّا يريد قطعها.

فوجد عندها راعي غنم أهل البلد. فأراد أن يمنعها منه أو أنه خاف أن ينم عليه، فأعطاه الشيخ أحد أسلابه الذي عليه، وخلى بينه وبينها، فقطعها، ثم صار أمره في ازدياد، واجتمع معه عصابة نحو سبعين رجلًا معهم من هو من رؤساء المعامرة.

ولقد عظم أمر الشيخ محمد، وبدأت دعوته تأخذ انتشارها، وخطها العملي من حادثتين الأولى حادثة هدم قبة قبر زيد بن الخطاب رضي الله عنه، والثانية حادثة رجم الزانية.

 ۱- هدم قبة قبر زيد:

أراد الشيخ محمد أن يهدم قبة قبر زيد بن الخطاب رضي الله عنه التي عند «الجبيلة» فقال لعثمان: دعنا نهدم هذه القبة التي وضعت على الباطل وضل بها الناس عن الهدى فقال: دونكها فاهدمها، فقال الشيخ: أخاف من أهل الجبيلة أن يوقعوا بنا، ولا أستطيع هدمها إلا وأنت معي، فسار معه عثمان بنحو ستمائة رجل. فلما قربوا منها ظهروا عليهم أهل الجبيلة يريدون أن يمنعوهما. فلما رآهم عثمان علم ما هموا به. فتأهب لحربهم وأمر جموعه أن تنعزل للحرب، فلما رأوا ذلك كفوا عن الحرب وخلوا بينهم وبينها، وذكر أن عثمان لما أتاها قال للشيخ: نحن لا نعترضها. فقال: أعطوني الفأس. فهدمها الشيخ بيده حتى ساواها، ثم رجعوا فانتظر تلك الليلة جهال البدو وسفهاؤهم ما يحدث على الشيخ بسبب هدمها فأصبح في أحسن حال.

۲رجم الزانية وبعد ذلك أتت امرأة إلى الشيخ واعترفت عنده بالزني والإحصان، وتكرر منها الإقرار فسأل عن عقلها فإذا هي صحيحة العقل. وقال: لعلك مغصوبة، فأقرت واعترفت بما يوجب الرجم، فأمر عليها فرجمت فعظم أمره بعد ذلك، وكبرت دولته، وفشا التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلما صدرت منه هذه أعني رجم المرأة، اشتهر أمره في الآفاق، فبلغ خبره سليمان بن محمد بن غرير الحميدي قائد الإحساء والقطيف وما حوله من العربان وقيل له: إن في بلد العيينة عالمًا كذا وكذا وقال كذا وكذا، فأرسل سليمان إلى عثمان كتابًا، وقال: إن هذا المطوع الذي عندك فعل وفعل، وتهدد عثمان وقال: اقتله، فإن لم تفعل قطعنا خراجك الذي عندنا في الإحساء وخراجه عندهم كثير، قيل: إنه اثنا عشر مائة أحمر وما يتبعها من طعام وكسوة، فلما ورد عليه كتابه ما وسعه مخالفته، واستعظم أمره في صدره؛ لأنه لم يعلم قدر التوحيد ولا ما لمن نصره، وقام به من العز والتمكين في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة، فأرسل إلى الشيخ وقال له: إنه أتانا خط من سليمان قائد الإحساء وليس لنا طاقة بحربه ولا إغضابه فقال له الشيخ: إن هذا الذي قمت به ودعوت إليه كلمة لا إله إلا الله وأركان الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن أنت تمسكت به ونصرته، فإن الله سبحانه يظهرك على أعدائك فلا يزعجك سليمان ولا يفزعك فإني أرجو أن ترى من الظهور والتمكين والغلبة ما ستملك بلاده وما وراءها وما دونها فاستحى عثمان وأعرض عنه.

ثم تعاظم في صدره أمر صاحب الإحساء وباع الآجل بالعاجل، وذلك لما علم الله سبحانه الذي يعلم السر وأخفى يعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير أن نصر هذا الدين والظهور والغلبة والتمكين يكون لغيره وعلى يد غيره فأرسل إلى الشيخ ثانيًا وقال: إن سليمان أمرنا بقتلك ولا نقدر على غضبه ولا مخالفة أمره؛ لأنه لا طاقة لنا حربه، وليس من الشيم والمروءة أن نقتلك في بلادنا.

فشأنك ونفسك وخل بلادنا، فأمر فارسًا عنده وقال: أركب جوادك وسر بهذا الرجل إلى ما يريد، فقال الشيخ: أريد الدرعية فركب الفارس جواده والشيخ يمشي راجلًا أمامه وليس معه إلا المروحة وذلك في غاية الحر في فصل الصيف، فقال ابن معمر لفارسه: إذا أنت وصلت إلى أخيه يعقوب فأقتله عنده، وكان يعقوب هذا رجلًا صالحًا قتل ظلما بين الدرعية والعيينة وجعل في غار جبل هناك على قارعة الطريق، ونسب الشيخ إلى إخوانه لأجل الصلاح، فسار الفارس والشيخ أمامه وهو لا يلتفت ويلهج بقوله تعالى﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ (الطلاق: 2-3) وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، والفارس لم يكلمه، فلما هم بقتله كف الله عنه يده وأبطل كيده، وقذف الله سبحانه في قلبه الرعب حتى ما استطاع أن يمشي قدمًا فحرف جواده وانصرف إلى «العيينة» وقال لعثمان: إنه أصابني رعب عظيم حتى خفت على نفسي.

دعوة السلطان: وبدخول الشيخ محمد إلى الدرعية بدأت الدعوة تأخذ خطا جمع بين الدعوة والسلطان ويقصد بها قوة ومؤازرة محمد بن سعود للدعوة واحتضانها فكان أول نزول الشيخ محمد على بيت محمد بن سويلم العريني فلما دخل عليه ضاقت عليه داره وخاف على نفسه من محمد بن سعود فوعظه الشيخ وأسكن جأشه وقال: سيجعل الله لنا ولك فرجًا ومخرجًا فعلم به خصائص من أهل الدرعية فزاروه خفية فقرر لهم التوحيد، واستقر في قلو بهم فأرادوا أن يخبروا محمد بن سعود و يشيروا عليه بنصرته فهابوه، فأتوا إلى زوجته وكانت ذات عقل ومعرفة، فأخبروها بمكان الشيخ وصفة ما يأمر به وينهي عنه، فوقر في قلبها معرفة التوحيد، وقذف الله في قلبها محبة الشيخ، فلما دخل عليها زوجها محمد أخبرته بمكانه، وقالت: إن هذا الرجل أتى إليك وهو غنيمة ساقها الله لك، فأكرمه وعظمه واغتنم نصرته فقبل قولها، وألقى الله سبحانه في قلبه للشيخ المحبة.

فأراد أن يرسل إليه فقالوا: سر إليه برجلك في مكانه، وأظهر تعظيمه والاحتفال به لعل الناس أن يكرموه ويعظموه، فسار إليه محمد، فدخل عليه في بيت ابن سويلم ورحب به، وقال: أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعز والمنعة، فقال الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين، وهذه كلمة «لا إله إلا الله» من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد.

وهي كلمة التوحيد وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم.

ثم أخبره الشيخ بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما دعا إليه وما عليه أصحابه رضى الله عنهم من بعده، وما أمروا به وما نهوا عنه، وأن كل بدعة بعدهم ضلالة، وما أعزهم الله به بالجهاد في سبيل الله وأغناهم به، وجعلهم إخوانًا، ثم أخبره بما عليه أهل نجد اليوم من مخالفتهم بالشرك بالله تعالى والبدع، والاختلاف، والجور، والظلم.

فلما تحقق محمد معرفة التوحيد وعلم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية قال له: يا شيخ، إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه، وأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به والجهاد لمن خالف التوحيد؛ ولكن أريد أن أشترط عليك اثنتين، نحن إذا قمنا في نصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترتحل عنا وتستبدل بنا غيرنا والثانية أن لي على الدرعية قانونًا أخذه منهم في وقت الثمار وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئًا.

فقال الشيخ: أما الأولى فأبسط يدك الدم بالدم والهدم بالهدم. وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها، فوقع تحقيق ظنه رحمه الله تعالى

فأنه أتى إليه غنيمة عظيمة فقال له الشيخ: هذا أكثر مما أنت تأخذه على أهل بلدك، فتركها بعد ذلك، ثم أن محمدًا بسط يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله والجهاد في سبيل الله، وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقام الشيخ ودخل معه البلد واستقر عنده، فلما استقر في الدرعية تسلل إليه شيعته الذين في العيينة ومن ينتسب إلى الدين ومعهم أناس من رؤساء المعامرة معاكسين لعثمان بن معمر، وهاجر إلى الدرعية أناس ممن حولهم من البلدان لما علموا أن الشيخ استقر ومنع ونصر.

فلما علم عثمان أن محمد بن سعود آواه ونصره وأن أهل الدرعية فرحوا به والذين كانوا عنده في بلده هاجروا وتركوه وأن أمره صار إلى زيادة؛ ندم على ما فعل من إخراجه، وعدم نصرته وخاف منه أمورًا تفاقم عليه، فركب في عدة رجال من أهل العيينة ورؤسائها، فقدم على الشيخ في الدرعية، وحاوله على الرجوع معه ووعده نصره ومنعه، فقال الشيخ: ليس هذا إليَّ إنما هو إلى محمد بن سعود، فإن أراد أن أذهب معك ذهبت، وإن أراد أن أقيم عنده أقمت، ولا أستبدل برجل تلقاني بالقبول غيره إلا أن يأذن لي، فأتى عثمان إلى محمد فأبي عليه ولم يجد إلى ما أتى إليه سبيلًا فرجع إلى بلده

ولما هاجر من هاجر إلى الدرعية واستوطنوها كانوا في أضيق عيش وأشد حاجة وابتلوا بلاءً شديدًا، فكانوا في الليل يأخذون الأجرة ويحترفون وفي النهار يجلسون عند الشيخ في درس الحديث والمذاكرة، وأهل الدرعية يومئذ في غاية الضعف وضيق المؤنة؛ ولكن كما قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا» (1).

وبعد أن هاجر إلى الدرعية من هاجر لنصرة الدعوة ومؤازرتها بدأ محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود يخططان لسير الدعوة، فما هي أسس الدعوة وماهي الأساليب والطرق التي نهجاها، هذا ما نستدركه في الحلقة القادمة إن شاء الله.

«۲نجد»

عنوان المجد ١٧ وما بعدها بتصرف.

 



[1] - مجلة المجتمع، العدد (493)، 2 شوال 1400هـ / 12 أغسطس 1980م، ص46. 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :