العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة- السلطان عبد الحميد يحول دون سقوط دولة الخلافة ثقافيًّا وعلميًّا
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-فبراير-1980
مشاهدات 87
نشر في العدد 471
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 26-فبراير-1980
عبد الحميد يشجع المعرفة ويقول: «كل إنسان أظهر من المعرفة بقدر البندقة وجد مني اهتمامًا بقدر الجوزة»- المقالة العاشرة
عبد الحميد ينشئ الجامعات والكليات والمعاهد والمدارس ويطلب جوهر الحضارة الغربية ويرفض قشورها.
* كان المتفرنجون من الأتراك والرعايا الفرنسيون والإنجليز؛ يقومون بدور كبير في إفساد أحوال المسلمين وشبابهم ونسائهم، بما يُرِّوجون له من الروايات المترجمة التي تحكي ألوان الفسق والفجور، وتدعو المرأة والأسر عمومًا إلى ممارسة الحياة الأوروبية الجديدة، وكانت الصحف من ناحية أخرى تقوم بدور أخطر من دور الروايات، بما تبثه من أفكار غربية وما تحكيه من حضارة وتقدم، ينعم به المجتمع الأوروبي، وهي بذلك تُحرِّك حوافز وحماس الشباب، لتغيير حال مجتمع المسلمين بما فيه يومها من ضعف ومشاكل متعددة الجوانب.
ولذلك لم يكن أمام السلطان عبد الحميد لإصلاح هذا الوضع وحفظ المجتمع من نتائجه؛ سوى تشديد الرقابة على الصحف التي كانت تصدر في تركيا، أو الداخلة إليها من غيرها، وكذلك الروايات الأجنبية المترجمة، فكان يشذبها مما فيها من انحراف أو يمنعها كلية من الانتشار في المجتمع، وهذا وضع سليم حكيم، كان لابد أن ينهجه كي يقي مجتمعه من التأثر بأوضاع المجتمعات الأوروبية، فإن تلك المجتمعات يتحمل مجتمعها تلك الانحرافات، لما كانت تعيشه من قوة ونهضة علمية، واتساع في استعمار الدول، الأمر الذي يوازن أو يغطي تلك المفاسد من أن تطيح بصرح المجتمع وأسره وأفراده، فإذا اجتمع هذا الفساد والانحلال في تركيا، وهي في حال من ضعف وهزال فإنه كفيل بسرعة إسقاطها وضياع سلطانها وولاء المسلمين لقيادتها.
* ولعل مهمة هذه الرقابة كانت مرهقة للسلطان عبد الحميد؛ نظرًا لكثرة الصحف وكثرة الطوائف وتعدد المنظمات العلمية والسرية، والتي كان يهمها انتشار مثل هذه الصحف والروايات، إلا أن السلطان عبد الحميد بذل كل ما في وسعه لمنع ذلك من التغلُّغل بين الأسر المسلمة، الأمر الذي كان مثار نقد من تلك الطوائف والمنظمات والمتفرنجين، وشنوا على السلطان عبد الحميد حملات قوية، تحت شعار معاداة العقل والعلم والتقدم والحضارة، وقد ردَّ السلطان عبد الحميد على ذلك في مذكراته مُبيِّنًا سياسته الواعية النابعة من تصور إسلامي سليم فيقول: «لو كنت عدوًّا للعقل والعلم فهل كنت أفتح الجامعة؟ وهل كنت أُنشئ المدارس التي تعد للدولة الإنسان المثقف مثل «ملكية شاهانه» ولو كنت هكذا عدوًّا للعقل والعلم فهل كنت لأنشئ لفتياتنا اللواتي لا يختلطن بالرجال دار المعلمات؟ لو كنت عدوًّا للعقل والعلم حقيقة أفكنت أجعل من «فلطة سراي سلطانيس» في مستوى الجامعات الأوروبية وأفرض على الطلاب فيها دروس الحقوق؟ إن الإسلام لا يعادي التطور والرقي، لكنه يرفض التطور المستند إلى مبادئ غريبة عنه، وعندما أمرت بتدريس الفلسفة في «ملكية شاهانه» تمرَّد الطلاب جميعهم، وقالوا:
يريدون أن يجعلونا كفارًا، لكني كنت أعرف أن الكفر ليس في العلم، ولكنه في الجهل، وتمسَّكت بتدريس الفلسفة ودرسوها مع تعديل الاسم، غيَّرنا الاسم إلى «الحكمة»، كما أمرت بتدريس هذه الدروس في الجامعة باسم «الفيزيقا».
لم تقتصر جهودي في إعداد أشخاص متعلمين بفتح المدارس فقط، وإنما شجَّعت هؤلاء الذين يعدون أنفسهم بأنفسهم، ساندت وأيدت ماديًّا ومعنويًّا؛ كلًّا من جودت باشا وأحمد مدحت أفندي، حتى مراد أفندي الذي يعتبر نفسه مُؤرِّخًا عظيمًا، والكثير غيرهم، كما ضمنت لهم حصولهم على الكتب.
دار الشفقة أُسست قبلي، لكنها كانت متوقفة تقريبًا، أسست هذه المدرسة لرعاية يتامى دولتي، أما وضعها اليوم فقد حدث بجهدي.
لم أخشَ مُطلقًا في يوم من الأيام من رجل متعلم، إنَّما أتجنَّب هؤلاء الحمقى الذين يعتبرون أنفسهم علماء بعد قراءتهم بعض الكتب، وهذه الفئة من الوالهين بالغرب، الذين تفتنهم معامل الأمم الأوروبية وأزياؤها، لا تلقى مني أدنى عناية، لست نادمًا على هذا، ولكن هل يمكن أن يكون عدوًّا للعلم والعقل سلطان بذل كل ما في وسعه قرابة ثلاثين عامًا لكي يرى في كل قرية مسجدًا، وبجانب كل مسجد مدرسة؟.
لينظروا إلى الكتب التي طُبعت في عهدي، ويقارنوها بما بعد ذلك، وكم في أوروبا من أديب وفيلسوف وعالم كبير طبعت أحسن أعمالهم وراجت بيعًا وقراءة.
ما أردت قوله إن أتوقاه ليس علم أوروبا ولكن الجهل به.
كما إني أرسلت البعثات إلى أوروبا للدراسة صحيح، إنه ظهر بينهم ثلاثة أو خمسة من الفاسدين، ولكن أكثرهم يؤدي خدمات خيرة للدولة وأنا أفخر بهم.
قد يكون الناس أيام سلطنتي لم يتمكنوا من الثرثرة كثيرًا، لكنهم درسوا وتعلَّموا أكثر، وأنتج عهدي علماء، وكل إنسان أظهر من المعرفة بقدر البندقة وجد مني اهتمامًا بقدر الجوزة، كيف لا أشجعهم وكل المصائب التي نزلت ببلادي كانت من جرَّاء جهلنا بما حدث في العالم.
بمجرد ارتقائي العرش أدخلت التلغراف في كل أرجاء الدولة، وكان في ذلك الوقت لم يدخل حتى بعض الدول الأوروبية، وبإشرافي المباشر والمستمر أُقيم خط تلغرافي بلغ ٣٠,٠٠٠ ثلاثين ألف كيلومتر، امتد حتى القرى.
وقامت تجارب الغواصة في إستانبول من مالي الخاص، وفي تلك الأيام لم تكن حتى إنجلترا تملك سفينة تسير تحت البحر، وإن كانوا قد تركوا هذا العمل بعدي، فلابد وأنهم لن يسجلوا هذا الذنب علي.
لا وأكرر وأؤكد بقلب حزين، إنني لم أكن عدوًّا لأي شيء جيد وجميل ومفيد على الإطلاق، وليس من عدو لهذا إلا هم ([1]).
- ولقد أقام السلطان إلى جانب ذلك مؤسسة حديثة للمياه، وغرفًا للصناعة والزراعة والتجارة، وأسس البلديات، وأدخل خطوطا للترام، واهتم بتدعيم المواقع العسكرية في الدردنيل، مما ساعد على انتصار الأتراك فيما بعد على أساطيل كثيرة في موقعة الدردنيل المشهورة في الحرب العالمية الأولى، بل دمر أساطيل الحلفاء ومنعها من اقتحام الدردنيل، وبهذا الأسلوب وهذه العقلية كان السلطان عبد الحميد يخطو حثيثًا في عمليات الإصلاح، وكان موقفه ومفهومه للحضارة مفهومًا نابعًا من تصوُّره السليم، فليست الحضارة مجرد شکلیات وثقافات وأفكار غربية، إنما الحضارة هي العلم والتكنولوجيا المتطورة، وحتى هذه العلوم لا يستطيع عبد الحميد استيعابها وإدخالها دولة الخلافة دفعة واحدة، بل على دفعات متوالية حسب الحاجة إليها، لئلا تحدث ردة فعل في المجتمع الإسلامي، ولذلك يقول: «ليس من الصواب القول بأني ضد كل تجديد يأتي من أوروبا، لكن العجلة من الشيطان، ويقابل العجلة الهدوء والاعتدال، يجب أن نضع نصب أعيننا ما تفضل به الله علينا، ليس الإسلام ضد التقدم، لكن الأمور القيمة يجب أن تكون طبيعية، وأن تأتي من الداخل وحسب الحاجة إليها». ([2])
المدارس والكليات
اهتَّم السلطان عبد الحميد بإنشاء المدارس التي تغذي الجامعة سابقة الذكر، وكان منطلق تفكيره أن المدارس والاهتمام بالنشء هي السبيل الوحيد لنهضة الأمة، وكانت المهن الفنية كالهندسة والطب وغيرها عملة نادرة بين الأتراك، في حين كانت الدولة مكتفية بالموظفين والجنود، لذلك كان اهتمام عبد الحميد قويًّا في إنشاء المدارس، حتى بلغ عددها أكثر من ٠٠٠ , ۲۰۰ مدرسة بمستوى الابتدائي والمتوسط والثانوي، وكانت مناهجها على مستوى جيد، فأنشأ في إستانبول ستة مدارس ثانوية، وبث المدارس الابتدائية في جميع القرى، وجعل تعليم اللغة الأجنبية إلزاميًّا في المرحلة المتوسطة، وافتتح المؤسسات الثقافية، مثل متحف الآثار القديمة والمتحف العسكري ومكتبة بايزيد ومكتبة يلدز؛ إلا أن المشكلة التي واجهت عبد الحميد هي المعاهد العليا، فإن الجمود الفكري لم يكن ليستوعب هذا التطور، وكان وضع الأزهر أحسن حالا من معاهد إستانبول، حتى إنه كان يستقطب كثيرًا من شباب إستانبول، ومع هذا فقد نشأت عدة كليات ومدارس عليا ومتخصصة، منها «كلية للآداب والحقوق وكلية للعلوم السياسية، وأكاديمية للفنون الجميلة، ومدارس عليا للتجارة والزراعة والبيطرة والغابات والتعدين والتجارة البحرية، والمعلمين العليا ومدارس متخصصة، مثل مدارس الصم والعمى والبكم، وأقام مدارس عليا بمستوى الجامعات في كلٍّ من دمشق وبغداد وبيروت وسلاتيك وقونية وغيرها» ([3])
إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة
*وأنشأ أول مدرسة زراعية في سلاتيك، ووعد بافتتاح مدرسة ثانية وتكون الدراسة فيها مجانية.
*وأنشأ مركزًا لتربية دود القز، ومدرسة التشجير في مدينة «بورسة»، وقد حسَّن ذلك من صناعة الحرير وتنوع الأشجار المثمرة وانتشارها، كما بنى مستشفى الأطفال، ودار العجزة من ماله الخاص، وكذلك مركز البريد العام، ومبنى دار الفنون ودار النفوس العامة، ومد قساطل المياه التي أنقذت إستانبول من العطش «مياه الحميدية» ([4]).
ولقد واجهت عبد الحميد مشكلة المدارس الخاصة المنتشرة في تركيا انتشارًا واسعًا، وقد كانت معقلًا للطائفة التي تنتمي إليها، وكانت السفارات تحميها، ولم يستطع السلطان عبد الحميد أن يُقلِّص منها؛ بعدما تمكنت وأصبحت واقعًا حيًّا محميًّا من السفارات.
وإلى جانب هذه المشكلة التي استعصت على الإصلاح، مشكلة أخرى لا تقل عنها خطورة، وهي البعثات الدراسية، فكانت مقتصرة على إرسال طلاب الطبقات العليا بادئ الأمر، وكانوا يقضون سنوات عديدة في أوروبا، ولا يعودون إلا بالأفكار الهدامة إلى مجتمعهم، فرأى عبد الحميد إرسال الطلاب من سائر الطبقات ولمدة قصيرة، ليطلعوا في تلك الدول على أساليب الحضارة، ولا يكون عندهم الوقت الكافي لغير تعلم الأمور النافعة، وكانت أكثر البعثات إلى فرنسا وألمانيا.
([1]) مذكرات السلطان عبد الحميد ۷۷ والسلطان عبد الحميد مذكراتي السياسية 197.
([2]) مذكرات السلطان عبد الحميد.1
([3]) مقدمة مذكرات السلطان عبد الحميد للدكتور محمد حرب.
([4]) مذكرات السلطان عبد الحميد 10، والسلطان عبد الحميد مذكراتي السياسية ۱۳.