العنوان «طلابي» يطلق قذائفه الفكرية على اليسار المغربي
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1998
مشاهدات 71
نشر في العدد 1324
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 03-نوفمبر-1998
تحولت من الماركسية إلى الإسلام لكي أقتسم الأجر من الله مع الإسلاميين
•الإسلام هو قطار النهضة ومن لا يرى الميل التاريخي نحو الصحوة فهو «مستقيل العقل»
•الحركة اليسارية في المغرب تسير نحو الانحدار والتلاشي ولم يعد منها سوى بعض الجيوب بالجامعة
• استقلت من منظمة «العمل الديمقراطي» لانعدام الديمقراطية فيها ومخالفة الفعل للقول السياسي
•الإسلام هو المرجعية العليا لبناء النهج السياسي في بلادنا.. والأنظمة في حاجة إلى رشد سياسي
•سأعطي عقلي وجسدي للعمل مع التيار الإسلامي من أي موقع... وأنصحه بالوعي الجاد بالمرحلة التاريخية
يعتبر أمحمد طلابي واحدًا من رموز النضال السياسي في صفوف اليسار المغربي، فقد عمل في إطار منظمة العمل الديمقراطي والشعبي التي تعتبر من بين أحزاب اليسار المغربي الأكثر صرامة في التشبث بالأيديولوجية الماركسية- اللينينية - وكذا بمواقفها في تعاطيها مع السلطة فيما يخص مسلسل الإصلاح الديمقراطي في المغرب ووصل في مساره السياسي إلى أن أصبح عضوًا في المكتب السياسي، وهو أعلى سلطة تنفيذية في الحزب.
طلابي من مواليد 10 أكتوبر ١٩٥٣م بإحدى القرى المجاورة لمدينة خريبكا وسط المغرب حاصل على الإجازة في التاريخ من جامعة محمد الخامس بالرباط وتسجل في الجامعة نفسها لمتابعة الدراسات العليا، لكن انشغالاته الحزبية حالت دون ذلك.
نشأ طلابي في عائلة معروفة في قريتها بتعليم القرآن وتحفيظه لأبنائها، لدرجة أن اسم طلابي يعود إلى أن القرية كان يتخرج فيها الكثير من الحفظة الذين يسمون في البوادي المغربية بـ«الطلبة».
تحول طلابي من اعتناق الأيديولوجية الماركسية - اللينينية إلى اعتناق المشروع السياسي الإسلامي الذي اختمر لديه منذ مد، إلى أن أعلنه مؤخرًا من خلال رسالة مفتوحة إلى قيادة المنظمة، ركز فيها على أن استقالته ليست فقط من حزب إلى آخر، لكنها انتقال بالتمام من الماركسية إلى الإسلام، مما أحدث ردات فعل عنيفة في أوساط اليسار المتطرف في المغرب. مجلة المجتمع التقته في الرباط وأجرت معه الحوار التالي:
نود في البداية أن تحدثنا عن أهم محطات مسارك السياسي والنضالي؟
إن مساري السياسي بسيط ومتواضع فقد مارست السياسة داخل منظمة العمل الديمقراطي والشعبي منذ أن أصبحت حزبًا شرعيًا سنة ۱۹۸۳م، وركزت كل جهدي في العمل داخل الحزب، وطبعًا حاولت أن أسهم في تأسيس عدد من المنظمات المدنية مثل المنظمة المغربية لحقوق الإنسان التي كنت أحد مؤسسيها، وكذلك الجمعية المغربية للبيئة والتنمية وغيرها من الجمعيات غير أن جهدي كله تركز على بناء حزب منظمة العمل الديمقراطي والشعبي.
كانت إسهاماتي في البداية محلية، ولكن بعد المؤتمر الثاني للمنظمة أصبحت عضوًا في اللجنة المركزية، ثم بعد ذلك مسؤولًا داخل اللجنة الوطنية التنظيمية، وهي بمثابة الهيئة التي تدير الحزب وتشرف على عمله اليومي.
وحاولت من خلال التحاقي بهذه اللجنة الحيوية أن أسهم في الانتقال بالمنظمة من منظمة أطر إلى حزب جماهيري، وأسهمت ببعض الأفكار الأساسية في هذا المجال، وأهمها أفكار تنظيمية مثل فكرة الانشطار التنظيمي في العمل، فبدل أن يكون هناك فرع لإقليم يتم تشطيره إلى عدد من الفروع، وقد ساعدت عملية تشطير الفروع هذه المنظمة على التوسع بشكل كبير بين المؤتمرين الثاني والثالث، كذلك أسهمنا في الناحية التنظيمية بأفكار أخرى أهمها تأطير الفلاحين باعتبار أن هذه الكتلة حاول الاستعمار - وبعده خلال الاستقلال - تهميشها استراتيجية رسمية تهدف إلى عدم تسييس الفلاحين، باعتبار أنهم كتلة جبارة لو انخرطت في العمل السياسي، وتاريخ المغرب يؤكد أن تسييسها ضرورة، فخلال أربعة عشر قرنًا من الزمن، تبين أن الشعب المغربي كان دائمًا شعبًا منخرطًا بكل فئاته في المعارك الكبرى. «إذن إن تأطير الفلاحين وتسييسهم كان من الأفكار التي أسهمت بها داخل المنظمة، وقد كنت مسؤولًا عن كذلك أسهمت بطرح هذا القطاع. بعض الأفكار ذات الأهمية للمستقبل. وبالخصوص مسألة سلامة البيئة وحمايتها وهذا الفكر أصبح الآن منتشرًا داخل المنظمة وجزءً من عقيدتها السياسية، بمعنى آخر: إن كل جهدي خلال خمس عشرة سنة داخل المنظمة تركز على تدعيم أركان هذا الحزب الذي مازلت اعتنق جزءً من فكره السياسي، وخصوصًا مسألة النهج الديمقراطي الداخلي، بحيث اعتبر أن منظمة العمل بأغلبيتها الساحقة أكثر من ٨٠٪ و ٨٥٪ تؤمن بالنهج الديمقراطي والتعددية والتسامح، وتحترم الأحزاب الأخرى والتيارات الإسلامية، وتريد أن يكون لهذه التيارات وجود في الساحة السياسية، وهذا النهج حملته معي وطبعًا أضفت إليه قناعتي السياسية الجديدة المتمثلة في الإسلام كمرشد وموجه للعمل السياسي.
هذا باختصار مساري السياسي والنضالي داخل المنظمة، وطبعًا تحملت مسؤولية المكتب السياسي منذ المؤتمر الثالث إلى الاستقالة.
الديمقراطية الداخلية مفتقدة
جاء في معرض جوابكم أن المنظمة. بخلاف العديد من الأحزاب الأخرى - ميالة إلى الممارسة الديمقراطية الداخلية، لماذا إذن لم تعملوا على تفعيل قناعتكم الإسلامية داخل المنظمة نفسها؟
هذا السؤال فكرت فيه كثيرًا قبل الإعلان عن استقالتي من «منظمة العمل»: هل أعلن عن قناعتي السياسية الجديدة من داخل المنظمة وأجاهد من أجل إشاعتها وإعطائها موقعًا داخل منظمة العمل؟ أم أمارسها من خارج المنظمة؟
كانت قناعتي الأولى منذ المؤتمر الوطني الثالث هي طرح القضية: قضية الإسلام داخل المنظمة والدعوة إلى تبني منهجيته بالحوار والإقناع، لكن ظروف المنظمة الداخلية والصراع بين التيار الديمقراطي والتيار المحافظ ثم الانشقاق فيما بعد كل هذه عوامل لم تسمح لي بفرصة طرح الأمر داخل «المنظمة»، ولو كانت الآليات الديمقراطية تسير بشكل عادي، لكان بالإمكان أن اطرحها وأدافع عنها، وأكيد أن لها أنصارها داخل المنظمة، ولكن بما أن «المنظمة»، ما زالت إلى الآن تسعى لترسيخ دمقرطة حياتها الداخلية ومازال المؤتمر الرابع مؤتمر الديمقراطية الداخلية أولًا، وليس قضية أخرى فقد كان صعبًا عليَّ أن اطرح قضيتين كبيرتين على مؤتمر واحد، قضية الديمقراطية وقضية الإسلام كنهج سياسي داخل المنظمة؛ لأن الأمر كان سينتهي بعدم التقدم في أي من القضيتين لهذا وبعد تفكير عميق فضلت الاستقالة، لأنني طبعًا لم اكن مستعدًا لأن أوجل الأمر إلى المؤتمر الخامس، لأن الزمن متسارع ولابد لي من ممارسة قناعتي السياسية بأي شكل من الأشكال.
تنعتون المنشقين عن «المنظمة» بالتيار المحافظ، ومعروف أن مصطلح «محافظ» يحمل حمولة أخرى بعيد أن يوصف بها الاشتراكيون، فهل لكم أن توضحوا لنا ماذا تقصدون بالتيار المحافظ؟
أولًا- التيار المحافظ الذي أقصده ليس موجودًا فقط داخل المنظمة، بل إن الحركة الوطنية الديمقراطية بصفة عامة تخترق أحزابها استراتيجيتان كبيرتان: استراتيجية سياسية محافظة وأخرى مناضلة: المحافظة يمكن أن أعطي معالمها الكبرى بكونها تتبنى نهجًا سياسيًا يمارس رقابة ذاتية مفرطة، برغم أن الدستور والقوانين ومواثيق حقوق الإنسان تعطي إمكان التخلص والتخفيف من الرقابة الذاتية في العمل السياسي والإعلامي، وفي أساليب النضال.. إلى غير ذلك.
في حين أن تيار الواقعية السياسية المناضلة هو تيار يدفع في اتجاه تخفيف الرقابة الذاتية في العمل السياسي على جميع الأصعدة التي ذكرت هذا الوجه الأول للخلاف والوجه الثاني للخلاف بين التيار المحافظ أو ما يسمى بالواقعية السياسية المحافظة والواقعية السياسية المناضلة هو أن المحافظة تتبع كذلك استراتيجية المناشدة والمناوشة في الصراع السياسي، بمعنى أنها لا تطرح قضايا الشعب، وفق نهج استراتيجي مكافح ومناضل، بل وفق استراتيجية مناشدة، أو كما سماها محمد حسنين هيكل في المشرق بالصدقة السياسية، في حين أن النهج الواقعي السياسي المناضل هو نهج: يتبنى ويقتنع بأنه لا يمكن التقدم في تحقيق مكاسب للأمة والمجتمع دون استراتيجية سياسية مناضلة ومجاهدة وطبعًا واقعية، بمعنى أنها تأخذ بعين الاعتبار ميزان القوى وقوانين التطور، ولكنها في الوقت نفسه تعمل على تغيير ميزان القوى لصالح الشعب وتغيير اتجاهات التطور بشكل إيجابي وليس بشكل سلبي.
كذلك فإن من مميزات تيار الواقعية السياسية المحافظة أو النهج المحافظ أنه يعاني من أزمة خلقية في عمله السياسي، لديه هبوط أخلاقي في العمل السياسي من أبرز مظاهره الكبرى مخالفة الفعل السياسي للقول السياسي؛ بحيث إن الشعار يمكن أن يكون شعارًا جميلًا يلوح بضرورات الحياة السياسية، ويعبر بالفعل عن حاجة من حاجات المجتمع، لكن أثناء الممارسة السياسية يظهر أن الفعل لا علاقة له بذلك الشعار، وهذا التعارض بين القول السياسي والفعل السياسي اعتبره هبوطًا في الأخلاق السياسية.
هذه باختصار المميزات الكبرى بين تيار سياسي واقعي محافظ وتيار واقعي مناضل في بلادنا، وطبعًا هذه الظاهرة ازدادت بروزًا بعد سنة ١٩٩٦م، أي ما بعد التصويت على دستور ١٩٩٦م بنعم من طرف جل، وليس كل التيارات السياسية المحسوبة على الصف الديمقراطي في بلادنا بحيث أخذت تطفو على السطح مظاهر الرقابة الذاتية المفرطة، وأخلاقيات المناشدة والبحث واللهاث وراء المناصب أو الفتات السياسي، وطبعًا هذا أدى إلى أزمة سياسية بين الشعب والحركة السياسية المغربية بحيث إن الانتخابات السابقة أفرزت مليونين من الأصوات الملغاة فيما عرفت خمسة ملايين عن التصويت وهي نسبة كبيرة جدًا، وتمثل رسالة واضحة لكل سياسي في المغرب تقول: «نحن لسنا معكم، لأنكم لا تطابقون بين الفعل السياسي والقول السياسي في عملكم ولأنكم لا تلتزمون بالقضايا الحيوية للشعب في التنمية والديمقراطية والتقدم والكرامة».
عرفت سنوات الصحوة الإسلامية تحول العديد من الأسماء الماركسية الكبيرة في المشرق العربي إلى المنظومة الفكرية والسياسية الإسلامية، وربما تكون أنت القيادي الماركسي الأول في المغرب الذي يعلن تحوله بهذه الصراحة، فإلى ماذا تردون هذا الإحجام هنا في المغرب، هل إلى قوة التيار الماركسي المغربي وتخوف أصحاب النزعة الإسلامية داخل أحزاب المنظومة الماركسية من القوة الإعلامية لهذه المنظومة، أم إلى ماذا؟
في نظري - وهذا رأي تقديري أكثر منه حقيقي - هناك فرق بين المشرق العربي والمغرب العربي بشكل عام في هذه القضايا، وعلى رأسها قضيتا الماركسية والعلمانية، فعلاقة علمانيي المشرق العربي بالإسلام - التي كانت في الغالب علاقة قطيعة - ليست هي علاقة علمانيي المغرب بالإسلام نفسها - وإلى هذا أرد قلة المتحولين إلى الإسلام في المغرب العربي من الماركسيين، وليس إلى قوة التيار الماركسي الذي يسير الآن نحو الانحدار والتلاشي.
لقد مر اليسار المغربي بفترة قوة في الستينيات والسبعينيات، لكنه لم يصل قط إلى مرحلة الرشد السياسي باستثناء «منظمة العمل الديمقراطي والشعبي».
ومن جهة أخرى، إذا كنت أول ماركسي مغربي يعلن تحوله إلى الإسلام - كما قلتم - فإنني أتمنى أن تكون هذه بادرة تفتح الأبواب أمام من كانوا مترددين ليطرحوا المسألة بجرأة فكرية وأخلاقية وسياسية.
أسباب الاستقالة
هل لكم أن توضحوا أكثر... فحوى ومضمون رسالة الاستقالة التي وجهتموها إلى قيادة المنظمة؟ ولماذا ركزتم فيها على القول بالانتقال بالتمام من الماركسية إلى الإسلام؟
لقد حددت في رسالة الاستقالة ثلاثة عوامل متساوية:
۱ - التحول العميق في قناعتي الفكرية ونهجي السياسي.
٢- نهاية موجة سياسية أولى وبداية موجة سياسية ثانية.
٣- فشل قيادة المنظمة في تحقيق الإصلاح الديمقراطي، هذه هي العوامل الثلاثة، فأنا أصبحت اعتبر الإسلام مرجعية عليا لبناء نهج سياسي في بلادنا، اعتبر الإسلام سيكون صدر المعركة الإصلاحية القادمة من أجل الالتحاق بركب الحضارة وبناء النهضة.
هذه النهضة سوف تتم بالمشروع الإسلامي المتفاعل مع الديمقراطية والتنمية، أو كما سبق أن عبرت عن ذلك في إحدى المجلات الناطقة بالفرنسية بأن الإسلام سيكون هو القطار والديمقراطية السكة، والهدف التنمية، لا يمكن في نظري الفصل بين هذا الثلاثي.
فانتقالي من الماركسية إلى الإسلام هو في عمقه انتقال سياسي، إلى جانب أنني الآن أريد أن أفكر بمنظومة الإسلام الفكرية، ولهذا قلت إن انتقالي كان سياسيًا، لأنني أفصل بين الإسلام كعقيدة وإيمان، وكفرائض وواجبات تهم الفرد. وبين الإسلام كشأن عام وكمنهج سياسي للحياة فانتقالي كان سياسيًا، لكون تفكيري الآن يدخل في الثلاثية.
العامل الثاني: يكمن في كون استقالتي هي في عمقها ليست من «منظمة العمل»، كحزب والمتأمل جيدًا في الرسالة يمكن أن يرى ذلك بوضوح، فالرسالة كتبتها وأعدت كتابتها بعد تفكير عميق، إنها استقالة من موجة سياسية انتهت، وهي الموجة التي أعطت الاستقلال ووحدة الوطن وهامشًا ديمقراطيًا، واعتبرها قد أنجزت مهمتها وانتهت والآن أريد أن أكون في الموجة السياسية الثانية، أريد أن أكون منخرطًا فكرًا ووجدانًا وسياسة في الموجة الثانية التي قلت إن محركها الديمقراطية والتنمية ورايتها الإسلام.
إذن هي استقالة من تيار أعطى وأنجز مهامه ولا بُدَّ من تجديده، وهذا التجديد سوف يأخذ في نظري أحد اتجاهين، إما أن يكون تيارًا ديمقراطيًا رايته الإسلام، وهو ما سميته بالديمقراطية الإسلامية، وإما أن يكون تيارًا علمانيًا رايته نظرية وضعية ليبرالية أو اشتراكية في تفاعل مع الديمقراطية، أما التيارات المتزمتة والمحافظة- مهما كانت مرجعيتها الفكرية - فهي تهمش نفسها من ميولات التطور القادمة، وهكذا أرى ميولات التطور، طبعًا هذه تقديرات والتاريخ ماكر فيمكن الظروف التاريخ أن تعطي أشياء أخرى.
ويبقى العامل الثالث الذي هو تحصيل حاصل لأن المنظمة بالفعل لم تستثمر الانشقاق الذي حصل بشكل فاعل وبمردودية عالية، وأنا أيضًا اتحمل مسؤوليتي، لأنني عندما أقول قيادة المنظمة، فإنني أعني نفسي أيضًا، لأنني كنت عضوًا في المكتب السياسي، فلو أن الآلية الديمقراطية داخل المنظمة سارت بشكل جيد لكان ممكنًا أن أطرح قناعتي الإسلامية داخل المنظمة ولأمكن أكثر من ذلك أن تعطي المنظمة خميرة تيار ذي توجه إسلامي في داخلها.
طبعًا هذا كان واردًا فلو أن المنظمة نضجت أكثر ومارست ديمقراطية داخلية أكثر لا تسمت هياكلها وقواعدها بشيء من النسبية في التوجهات، ومن بينها التوجه الإسلامي.. إلى جانب تيارات أخرى داخلية يمكن أن تتعايش في جو ديمقراطي.
لكنني اعتبر أن هناك تيارًا آخر عميقًا يتشكل بقوة في مجتمعنا وأريد أن أسهم فيه بالفكر أو بالسياسة أو التنظيم أو غير ذلك.. أريد أن أسهم فيه لأنني أعتبر أن ترشيده سياسي - بهذا المعنى والإسهام في ترشيده، وبصراحة، أريد أن يكون لي نصيبي من الأجر في هذا العمل، أريد أن اقتسم الأجر مع باقي الإسلاميين، ولذلك أعتبر أنه من الواجب ترشيد هذا التيار العميق وعقلنته ودفعه في الاتجاه الذي يعطي النهضة وليس انتكاسة أخرى، لأنه لا قدر الله. لو انتكست من الأمة من جديد فيمكن ألا يبقى هناك لا إسلامي ولا علماني ديمقراطي ولا غيره، وإنما ستعم أنذاك الفوضى والجريمة وتسيطر عصابات المافيا وغيرها، وهذا هو الانتحار الجماعي للأمة.
ربما تلتقون في تفكيركم هذا مع ما دعا إليه سابقًا السياسي المخضرم محمد الفقيه البصري ومن قبله المفكر محمد عابد الجابري، وكذلك قبلهما المفكر المغربي کرامشي فيما يتعلق بـ «الكتلة التاريخية»؟
هذا السؤال سبق أن طرح علي، والحقيقة أنني لم انتبه إلى ذلك، فقد فكرت في الكتلة التاريخية بشكل مستقل، إنني أقول إن الكتلة التاريخية طبعًا ضرورة، ولكن ليست حتمية، وذلك بمعنى أن النهضة تتطلب كتلة تاريخية، ولكن ليس بالضرورة أنها ستحدث، ومن هنا فالضروري ليس دائمًا حتمي الوقوع، لأن صيرورة التطور والارتقاء وظروف التاريخ وقوانينه وتشابكات الصراع لا يمكن أن تعطي ما هو مطلوب و ضروري إلا إذا كان هناك وعي كبير بأن النهضة تتطلب كتلة تاريخية، وهنا الفرق بين السياسي والعالم، بين الثقافي والسياسي، فالمثقف العالم الذي قد يكون في الوقت نفسه سياسيًا، يمارس العلم فيرصد الواقع وميولات التطور، فأقول كمثقف مثلًا إن ميولات التطور تتطلب نهضة الأمة في جميع المجالات ثقافية واقتصادية وسياسية وبالتالي تعطينا صحوة وعلينا أن ننمي ميولات التطور هذه، وهنا أكون في منطقة العالم، أي أشخص الواقع الموضوعي، فأرى أن الكتلة التاريخية يمكن أن تتشكل من هذا التيار الإسلامي الديمقراطي، إذا رشد عمله، ومن هذا التيار العلماني الديمقراطي، إذا رشد عمله، لكن لكي يعطينا هذان التياران كتلة تاريخية للنهضة يجب أن يتدخل عمل السياسي بقوة وإرادة، وهنا يتوارى الثقافي إلى الخلف ويبرز السياسي، ليجد أن هنالك ميلًا إلى التطور، وميلًا إلى التكور والانحطاط، فإذا كان هذا السياسي تقدميًا فإنه سيدفع في اتجاه التطور، أما إذا كان محافظًا فسيدفع في اتجاه التكور والانحطاط.
إن السياسي يدخل بعد عمل الثقافي لينظم المعطى، أي الكتلة التاريخية بإسهاماته في تشكيل تلك الكتلة، ولقد قررت أن أسهم في جناح من هذه الكتلة، وهو الجناح الإسلامي وأن أكون فيه سواء من خلال اجتهاداتي الفكرية والسياسية أو من خلال انخراطي في ممارسة النضال المباشر سواء من داخل تنظيم ما أو بشكل انفرادي، وهذه مسألة ما زلت لم اتخذ فيها قراري ولم أحدد الموقع الذي سوف أكون فيه.
إذن لا بُدَّ من أن يتدخل السياسي بإرادته لبناء ذلك التيار الديمقراطي ذلك التيار المتسامح، ذلك التيار الذي يؤمن بالديمقراطية والتعددية والخلاف ويرفض التطرف ويعمل من خلال النظام ومن تحت سقفه، ذلك التيار الذي لا يكفر أحدًا، كما أن العلماني يجب أن يتوافر فيه الوعي الكافي ليدخل بإرادته لبناء تياره العلماني الذي يؤمن بالديمقراطية والتسامح ولا يقصي أحدًا. ويؤمن بحق الإسلاميين في تشكيل أحزابهم، وفي المشاركة في الحياة السياسية، هذا هو تصوري لهذه الكتلة التاريخية التي اعتبرها ضرورة للنهضة، ولن تصبح حتمية إلا إذا تدخل السياسي بإرادته وفعل فيها وصنعها صنعًا.
قررت أن أعبد الخالق
كيف تقيمون ردود الأفعال التي ووجه بها إعلانكم، خصوصًا من طرف الصحافة الفرنكفونية بالمغرب؟
لقد قرأت ذلك، ووجدت فيه أغراضًا ورجمًا بالغيب، فهناك من قال إنني التحقت بحركة التوحيد والإصلاح، وهناك من قال إنني التحقت بالعدل والإحسان، وهناك من قال إنني التحقت بالطريقة البوتشيشية، أو بطريقة صوفية أخرى وهناك من قال بكل بساطة إنه تعب، وهناك من قال إن لديه حسابات خاصة.. وهذه ردود كنت أتوقعها، ولكن ليس لهذه الدرجة، ربما لأنني لم اكتشف أن ما أعلنته كبير جدًا، إلا بعد أن أعلنته وإن كنت واعيًا بأن ما سأعلنه ليس صغيرًا. هذه ردود أفعال لا أهتم بها، لكن هناك بعض القضايا التي طرحت وتستحق النقاش.
هناك ثلاث قضايا كبرى طرحها صحفي بالفرنسية، أولاها هي الادعاء بأنني باستقالتي من منظمة العمل أعلنت استقالة العقل والثانية قوله إنني بانسحابي من الحزب الذي كنت أنتمي إليه تخليت عن المشروع الديمقراطي، والثالثة أن استقالتي هي: تخل عن مشروع الحداثة.
وكجواب أقول: إن من قرأ رسالة الاستقالة لا بُدَّ من أن يتأكد من أن قضية الديمقراطية هي قضية محورية بالنسبة إلي، فقد قلت إن الموجة السياسية رقم ٢ سيكون مركز دفعها الديمقراطية والتنمية، وبالتالي فالديمقراطية هي جزء من عقيدتي السياسية الحالية، ومن جهة ثانية، فإن صاحب المقال يعرف جيدًا. من خاض معركة الإصلاح الديمقراطي داخل منظمة العمل، ويعرف من قاد التيار المناضل المناهض للمجموعة غير الديمقراطية داخل المنظمة ومجموعة الانشقاق ويعرف جيدًا أن قناعتي الديمقراطية قناعة ثابتة. لذلك فالديمقراطية مسألة حياة بالنسبة لي كمناضل ومسألة حياة بالنسبة للشعب الذي أنتمي إليه.. إن أول مبدأ ينظم الديمقراطية هو الاعتراف بالآخر، الاعتراف بأنك لا تملك الحقيقة المطلقة وبأن حقيقتك نسبية سواء كحقيقة سياسية أو فكرية، وبأن الحوار مع الآخر هو الذي ينمي ويوسع دائرة الحقيقة.
فهل الحقيقة الآن مع التيار الإسلامي الديمقراطي، أو مع التيار العلماني الديمقراطي أو مع غيره أرى أن كل واحد يملك نسبة من الحقيقة، وأقول إن الحقيقة الكبرى مع التيار الإسلامي، وهذا ما أحسست به، لذلك تحولت إلى هذا التيار، وهذا حقي الديمقراطي، ثم إن الديمقراطية تعني الإيمان بحرية الانتماء لأي حزب سياسي أو تيار فكري، وأنا قد غيرت انتمائي من تيار فكري سياسي إلى تيار فكري وسياسي آخر وهذا من صلب الديمقراطية، ومن يريد أن يسلبني هذا الحق ليس في الواقع ديمقراطيًا، إنه في الحقيقة يمارس الديماجوجية باسم الديمقراطية.
كذلك الديمقراطية تعني التعددية، والتعددية تعني أنه من حق أي جماعة سياسية أن تنهل من المرجعية الفكرية التي تريد، سواء كانت هذه المرجعية دينية أو وضعية، ومن يمنع أحدًا من أن ينهل من مرجعية دينية لتشكيل رؤية سياسية أو حزب أو تيار هو في الواقع بعيد كل البعد عن أن يكون ديمقراطيًا.
أما قضية الحداثة، فأنا دائمًا أعرف الحداثة بتعريف بسيط وهو أن الحداثة كما فهمتها في التاريخ وفي الصيرورة التاريخية تقوم على مبدأين:
المبدأ الأول: هو تفجير الطاقة الكامنة في طبيعة الفرد والجماعة بواسطة الحرية، والمبدأ الثاني: هو تفجير الطاقة الكامنة في الطبيعة بواسطة العلم والتكنولوجيا، هذان هما الميدان الأساسيان للحداثة، فالمبدأ الأول أعطى الإبداع البشري في المجالات الأدبية والفكرية والعلمية وغيرها، والمبدأ الثاني أعطى الثورات الصناعية والتكنولوجية، ولا يتعارض انتمائي إلى الإسلامية الديمقراطية وإلى الإسلام مع مبدأ الحداثة لسبب بسيط هو أن ديننا الحنيف كرم العلماء وأعلى مرتبة العلماء، بل إن العلم والعمل في الإسلام عبادة وفي نظري، فإن اكتشاف سنن الطبيعة وقوانينها هو في الواقع، تقرب إلى الله بواسطة آثاره، وحينما اكتشف قانونًا أو سنة من سنن الله في الطبيعة، فأنا في الواقع أتقرب إلى الله، وكذلك أعبد الله عندما اكتشف سننه في الطبيعة والمجتمع والسياسة والاقتصاد، وكذلك ليس هناك تعارض بين الإسلام والمبدأ الثاني للحداثة الذي هو تفجير الطاقة الكامنة في الطبيعة بواسطة العلم والتكنولوجيا، وتفجير الطاقتين لا يكون إلا بالحرية، إنني حينما قررت أن أعبد الخالق، فإنني في العمق قررت أن أكون ندًا متساويًا مع كل مخلوق مهما كان، أي أن أكون حرًا، فعبادة الله هي دعوة إلى مساواة كل مخلوقاته أمامه، والدعوة إلى المساواة هي دعوة إلى الحرية، وبالتالي لا تعارض بين الحرية والإسلام، قد يقول قائل: لكن هناك نصوصًا قطعية وهناك ثوابت، فكيف سنتعامل معها ؟ أقول ليس هناك منظومة فكرية- حتى وضعية - لا تضع حدودًا لعملها.
فالمنظومة الفكرية الاشتراكية والمنظومة الفكرية الليبرالية تضعان حدودًا من تعداها فقد خرج عن المنظومة، فالليبرالية تضع للحرية حدودًا. والاشتراكية تضع للمساواة حدودًا، وكذلك الإسلام أعطى أهمية للحرية، ولكن وضع لها حدودًا.
أمَّا كيف سنعالج قضايا التعاطي إسلاميًا مع معطيات مثل الديمقراطية والحداثة وغيرها. فاعتقد أن ذلك سيتم عبر الشأن اليومي ومن خلال الممارسة اليومية وبالفعل اليومي، الممارسة هي التي ستعطي كيف ستشكل هذه الصيرورة التاريخية، وتعجن هذه العملية الكبرى، وفي نظري أن الأمر بسيط جدًا، فالمسلم لنأخذ مثلًا المغربي: إنه مؤمن بالإسلام ومتشبث بالإسلام وفي الوقت نفسه بحريته وديمقراطيته.
وأما عن قضية «استقالة العقل»، فأقول إن الذي عقله في وضعية استقالة هو ذلك الذي لا يری أن هناك ميلًا تاريخيًا نحو الصحوة الإسلامية، فهناك صحوة إسلامية بالفعل وما على العالم أو العاقل إلا أن يستنبط هذا الميل التاريخي ويدفع في اتجاهه بعقلانية، وهذا في نظري هو العقل العلمي، أما من يخرج الواقع من رأسه عوض أن يخرج رأسه من الواقع وينظر إلى الواقع بموضوعية فهو الذي يعيش حالة استقالة للعقل. لأنه لا يرى أن هناك صحوة إسلامية، يجب استثمارها بعقلانية، ويفضل غض الطرف عنها. وهذا ليس بالعقل الموضوعي ولا بالفاعل، إنه هو العقل المستقيل حقًا.
عقلي وجسدي للإسلام
ما آفاق المبادرة الآن بعد الاستقالة التيار الماركسي إلى التيار الإسلامي؟
آفاق العمل رحبة ومتسعة ومواقع العمل متعددة، وما يمكنني أن أقوله الآن هو أنني سأسهم بعقلي وبجسدي، من أي موقع؟ هذه مسألة لم أقررها بعد، إلا أنني سأكون أقرب إلى الجماعة التي تعطي أهمية أكثر لبلوغ سن الرشد السياسي في عملها، بمعنى آخر أنا أرغب أن تعرف ساحة العمل الإسلامي في بلادنا نضجًا، وخصوصًا في مسألة الديمقراطية سواء داخل التنظيم الإسلامي أو في علاقته مع الآخر، سواء كان الآخر هو السلطة أو المكونات الأخرى للمجتمع المدني.
فالديمقراطية آلية مهمة وظيفتها الأساسية هي أنها تنظف الجسم على الدوام من النفايات وعندما تغيب الديمقراطية داخل التنظيم تتراكم النفايات والنفايات طبعًا سامة وستنتهي بالتلوث السياسي داخل التنظيم.
إذن، فأنا سأكون أقرب إلى من يعتبر الديمقراطية جزءً من عقيدته السياسية، وكذلك سأكون أقرب إلى الجماعات التي تتبنى مبدأ الواقعية السياسية، ولكن الواقعية السياسية المناضلة التي تكافح من أجل قضايا النهضة والتقدم والتنمية.
كما أنني سأكون أقرب إلى من يتخذ من مبدأ التدرج في ممارسته الفكرية أو السياسية. هذا هو الفكر السياسي الإسلامي الذي سوف أنتمي إليه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل