; ٤١ ضابطًا أمام الجنايات بتهمة التعذيب | مجلة المجتمع

العنوان ٤١ ضابطًا أمام الجنايات بتهمة التعذيب

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1986

مشاهدات 66

نشر في العدد 787

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 14-أكتوبر-1986

  • وراء القضبان بانتظار قرار الإفراج والخلاص من التعذيب.
  • التعذيب لم يكن حالة فردية، ولكنه كان اتجاهًا عامًا في كل البلاد وقع في وقت واحد تقريبًا.

أخيرًا.. وبعد مرور أكثر من ثلاثين شهرًا على بدء التحقيقات في اتهام ضباط وزارة الداخلية بتعذيب المتهمين في قضية الجهاد، أحال النائب العام 41 ضابطًا وأربعة من مساعدي الشرطة لمحكمة الجنايات، وطلب معاقبتهم بالأشغال الشاقة أو السجن لمدد تتراوح بين 3 و10 سنوات، وذلك لاتهامهم بالتعذيب للحصول على الاعترافات، وبعد قرار الإحالة أكبر وأضخم قرار اتهام بأحداث التعذيب في مصر.

وقد أعلن النائب العام أن قرار الاتهام قد جاء نتيجة التحقيق في 28 بلاغًا فقط من بين 422 بلاغًا حقق فيها المكتب الفني للنائب العام، وأضاف أن هناك 22 بلاغًا جاري استكمال الأوراق والمستندات لإعلان قرار الاتهام فيها، أي أن جملة ما سيتم إعلانه هو نتيجة التحقيق في 50 بلاغًا فقط، ليتبقى أكثر من 370 بلاغًا، تقرر حفظها لعدم ثبوت الأدلة!

وبالرغم من أن هناك ملاحظات كثيرة على قرار الاتهام والتحقيقات التي تمت، والتوقيت الذي أعلن فيه قرار الاتهام إلا أننا نقدر شجاعة النائب العام المستشار محمد عبدالعزيز الجندي الذي تصدى لواحدة من أهم القضايا في الفترة الأخيرة، بإحالته لهذا العدد الضخم من الضباط وضباط الصف الذين أجرموا في حق مصر وشبابها، بل وفي حق الإنسانية جمعاء، بإقدامهم على ارتكاب أبشع جرائم التعذيب الجسدي والنفسي، والتي كشفت عنها وأكدتها تقارير الطب الشرعي في قضايا الجهاد الثلاث: التنظيم، والانتماء والأحداث، مما دعا محكمة أمن الدولة العليا التي نظرت قضية تنظيم الجهاد إلى إهدار كل الاعترافات التي أدلى بها غالبية المتهمين يقينًا منها بوقوع تعذيب رهيب على المتهمين، وأكدت- في حيثيات حكمها- أنه ثبت لديها- على وجه القطع واليقين- اعتداء أجهزة الأمن على غالبية المتهمين، وأنها أحدثت بهم إصابات خطيرة استدعت نقلهم إلى المستشفيات العامة، ومنها مستشفى الشرطة!

حرمة التعذيب

لقد كان موقف محكمة أمن الدولة العليا برئاسة المستشار عبدالغفار محمد أحمد حاسمًا وقويًا تجاه تعذيب المتهمين في القضية، بل كان أحد أسباب الحكم بالبراءة على أكثر من نصف المتهمين في القضية، وأوصت المحكمة بسرعة التحقيق في جرائم التعذيب على أعلى المستويات، ولسنا في حاجة إلى التأكيد على بشاعة جريمة تعذيب الإنسان، ومنافاتها لأبسط الحقوق، وإهدارها للكرامة، فحرمة التعذيب- حتى على الحيوان- ثابتة ومؤكدة في الإسلام، وكذلك في التشريعات الوضعية والقوانين الأرضية، فالتعذيب جريمة بشرية وقانونية، إن لم يحاسب مرتكبها في هذه الدنيا، فله عند الله عذاب شديد، وحديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن المرأة التي «دخلت النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» يؤكد هذا المعنى.

ملاحظات وتحفظات

1- وأولى ملاحظاتنا على قرار الاتهام هو توقيت إعلانه، فبالرغم من انتهاء التحقيقات قبل أكثر من شهرين من إعلانها، إلا أن النائب العام استغل زيارة رئيس الوزراء الصهيوني لمصر في 11 من سبتمبر وأعلن قرار الاتهام، فكان واضحًا أن تأخير إعلان نتائج التحقيقات يهدف إلى اختيار الوقت المناسب سياسيًّا، حتى يذوب هذا الموضوع في زحمة الأحداث الجسام، ويخفت تأثيره على الرأي العام، وقد تحقق بعض المقصود بالفعل.

2- أهمل قرار الاتهام ذكر كبار المتهمين بالتعذيب، أو مجرد توجيه اللوم، أو المشاركة في المسؤولية الجنائية، سواء بالأمر المباشر، أو بالتستر على التعذيب؛ فالمعروف أن أمرًا خطيرًا مثل التعذيب لا يعقل أن ينفذ دون علم المسؤولين الكبار في وزارة الداخلية على الأقل، إن لم يكن قد شاركوا فيه، فلماذا لم يتناول قرار الاتهام كبار المسؤولين في وزارة الداخلية، وعلى رأسهم اللواء نبوي إسماعيل وزير الداخلية في فترة وقوع التعذيب، واللواء حسن أبو باشا الذي كان يرأس جهاز مباحث أمن الدولة في نفس الوقت، ثم عين وزيرا للداخلية خلفًا للواء نبوي إسماعيل، ثم اللواء فؤاد علام مسؤول النشاط الديني بمباحث أمن الدولة وقت وقوع التعذيب، وهو خبير من خبراء التعذيب المعروفين منذ الستينات، وحتى نقله مؤخرًا إلى شرطة السياحة والآثار التابعة لوزارة الداخلية، واللواء فؤاد علام كان يعرف عنه أنه يقضي يومه كاملًا في غرف التحقيقات التي كان يجري فيها التعذيب، ويباشر هو ذلك بنفسه، وهو كذلك قد ذكر صراحة في كثير من المتهمين في قضايا الجهاد متهمًا بالتعذيب، ثم اللواء زكي بدر وزير الداخلية الحالي، الذي كان مسؤولًا عن مديرية أمن أسيوط أثناء وقوع التعذيب، لماذا لم يدرج اسمه ضمن المتهمين بالتعذيب من الضباط؟! لماذا لم يدرج أي من هؤلاء في قوائم الاتهام؟! يقول المستشار الدكتور شريف فوزي الذي باشر التحقيقات معهم: «إن النيابة واجهت اللواء نبوي إسماعيل بما ذكره خمسة من المتهمين بأنه أشرف على تعذيبهم في سجن الاستقبال أثناء التحقيق معهم عام 81، وأنه أثناء خروجهم من غرفة الاستقبال كان يمسك بكرباج في يده، وأن الذي أخبرهم بأن وزير الداخلية هو الذي اشترك في تعذيبهم أحد الجنود في السجن، إلا أن اللواء نبوي إسماعيل نفى هذه الاتهامات، وبرر الإصابات التي أثبتها تقرير الطب الشرعي بأنها حدثت نتيجة اعتداء بعضهم على بعض، حتى تهدر المحكمة اعترافاتهم في تحقيقات النيابة.. أرأيت هذا التبرير المنطقي جدًا من وزير الداخلية الأسبق والذي كان أيضًا نائبًا لرئيس الوزراء! هل يمكن أن يتصور عاقل حدوث هذا «الاعتداء»؟ ولماذا إذا كانوا- في نظر السيد اللواء- قد أدلوا بالاعترافات دون أية ضغوط؟! ما هي الحاجة إذن لمثل هذا الاعتداء؟ ومن أين وصلتهم تلك الأدوات التي استخدموها في إحداث الآثار الموجودة على أجسامهم مثل: حرق السجائر، والضرب بالسياط، والصعق بالكهرباء، والطوق الحديدي الذي يضغط على الرأس؟! هل عند سيادة اللواء إجابة أم أن السيد المستشار لا يستطيع أن يسأل هذه الأسئلة؟

ادعاء كاذب!

أما اللواء حسن أبو باشا فقد نفى وقوع التعذيب على أي متهم أثناء توليه منصبه! يقول هذا ويده لا تزال فيها رائحة الدماء الطاهرة لكبير من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، والذي أمسك برقبته بعد تعذيبه، ولم يتركه إلا جثة هامدة! فأين يذهبون من المنتقم الجبار؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ (إبراهيم: 47).

ولنقرأ معًا في تقارير الطب الشرعي طرفًا من الحديث عن هؤلاء الجبابرة.

يقول محمد ياسين همام: إنه جرى تعذيبه بأوامر شخصية من اللواء نبوي إسماعيل هو ووالدته وشقيقه أحمد وجمال، وأنه اعْتُدِيَ عليه أمامهم داخل السجن، وحلق شعر والدته، ويقول أيضًا: إنه هدد بالتمزيق إربًا من اللواء نبوي إسماعيل، ويقول عادل علي بيومي: إنه اعتدي عليه ضربًا بمؤخرة البندقية على الرأس، وبالعصا، وبأسلاك كهربائية على البطن والخاصرتين، وتعليقًا من الكاحلين بقيد حديدي، ومن الرسغين المقيدين خلف الظهر، وأنه هدد بفعل الفاحشة في أمه وأخته، وبهتك عرضه.. ويقول أيمن أحمد عيسى: قبض علي، وقيدوني من يدي وقدمي، وذهبوا بي إلى سجن القلعة، حيث ألبسوني بذلة الإعدام، ووضعوني في زنزانة مملوءة بالبراز، ليس فيها مكان للوقوف بعيدًا عنه، وكانوا يحضرونني من زنزانتي للتعذيب، ويقولون: إن هذا «أمر» نبوي إسماعيل شخصيًا.

ويقول محمد محمود صالح: إنه ضرب بالسياط وبالأسلاك الكهربائية، وإنه عذب بالكي بالنار، وهتك عرضه تحت إشراف وبتعليمات من اللواء حسن أبو باشا، كما تعرضت شقيقته الصغرى للكي بالنار، واعتدي جنسيًا على أمه الكفيفة بعد تجريدها من ملابسها أمامه في السجن، وأصيب والده بالشلل لإجباره على مشاهدة هذا الاعتداء ومن شدة حزنه، وقام العميد محمد عبدالفتاح عمر مأمور سجن القلعة -متهم بالتعذيب- بتعذيبه.

ويقول إسماعيل محمد رفاعي: إنه أصيب بحالة خرس وشلل نتيجة تعذيبه، وقام بالإشراف على تعذيبه اللواء فؤاد علام والعميد محمد عبدالفتاح عمر، ويقول: إنه تعرض للضرب بالكابلات الكهربائية، والتعليق من الرسغين المقيدين خلف الظهر..

أما عن اللواء زكي بدر وزير الداخلية الحالي، فقد كان مديرًا لأمن أسيوط وقت التعذيب.. يقول خلیل صلاح عبد الرحمن- 17 سنة: إنه ضرب في مديرية أمن أسيوط بالكرباج، وأطفئوا السجائر في جسده، كما خلعت عنه ملابسه، وعلق من ذراعيه، واعتدي عليه جنسيًا، وإنه لا يعلم من الذي أحدث به تلك الإصابات لأنه كان معصوب العينين.. فمن المسؤول؟!

أما أشهر حدث تعرض للتعذيب وهو محمد على عبد الصالحين فيقول عن التعذيب في مديرية أمن أسيوط: إنه ضرب بالكرباج على قدميه بعد وضعها في الفلقة، وصعقه بالكهرباء في الشفتين والرجلين، كما حدثت به إصابات من زجاج متطاير كنتيجة لكسر لوح نافذة زجاجي، ولسع بسجائر مشتعلة، ثم رحل لسجن القلعة.. ماذا يقول إذن اللواء زكي بدر؟!

أماكن التعذيب

3- إن التحقيقات أثبتت تورط «الكبار» في وزارة الداخلية في التعذيب، فقرار الاتهام شمل لواء وتسعة من العمداء، ومثلهم من العقداء، و12 برتبة مقدم، و7 برتبة رائد، وهم من مختلف أفرع الداخلية، وإن التعذيب لم يقتصر على مكان دون آخر، فقد وقع التعذيب بمقر مباحث أمن الدولة بلاظوغلي، وفي سجن استقبال طرة، واتهم مأمور السجن، وفي مصلحة الأمن العام، ومباحث أمن الدولة بالفيوم، والدقهلية، والمنصورة، وأسيوط، والمنيا، وسوهاج، وإنه شارك في التعذيب ضباط من أمن الدولة، ومن مصلحة السجون، ومن مباحث الضرائب، ومن مصلحة الأمن العام، ومن مصلحة وثائق السفر والهجرة والجنسية، ومن إدارة التفتيش والرقابة، ومن شرطة السياحة والآثار، ومن المباحث الجنائية، ومن مديريات الأمن والبحث الجنائي، وحتى شرطة ميناء الإسكندرية، هذا عدا ما لم يظهر بعد، وما لن يظهر أبدًا.

إذن فالتعذيب لم يكن حالة فردية، ولكنه كان اتجاهًا عامًا في كل البلاد وقع في وقت واحد تقريبًا، وبالتالي لم يكن غريبًا أن تتردد الأنباء عن غضب الضباط الذين ظهرت أسماؤهم في قرار الاتهام بالتعذيب، وتهديدهم بفضح كل شيء ما لم تتدخل الوزارة في الدفاع عنهم، وبالفعل تم اعتماد مبلغ حوالي مائة ألف جنيه كدفعة أولى للدفاع عنهم.. بينما هددت نقابة المحامين بالفصل لكل من يتقدم للترافع عنهم أمام القضاء، وأدرجت أسماء هؤلاء الضباط في القوائم السوداء التي تمنع من ممارسة المهنة أو القيد في النقابة..

لا يجوز حفظ بلاغ

4- الملاحظة الرابعة وهي قانونية، تقول بأن جرائم «الخفاء» لا يجوز فيها الادعاء بعدم ثبوت الأدلة، ودعوى التعذيب من هذا النوع، وقد كان الشهود بالمئات، وكما قال لي أحد كبار المحامين إن دعوى التعذيب هي الدعوى الوحيدة التي لا يجوز فيها حفظ بلاغ، أو حماية متهم، تحت مسمى عدم كفاية الأدلة.. وذلك لأنه من الطبيعي ألا يملك السجين أو المعتقل دليلًا على شخصية معذبيه، فهو مربوط العينين طوال الأربع والعشرين ساعة، فكيف يرى من يقومون بتعذيبه؟ وإن الذين يقومون بالتعذيب يتخذون في الغالب جميع الاحتياطات التي تكفل عدم معرفتهم خوفًا من الانتقام منهم، وكان يجب أن تراعي النيابة العامة هذه النقطة، وإلا فما حجية تقارير الطب الشرعي التي أثبتت وقوع التعذيب مع تطور آلات التعذيب التي لا تظهر أثرًا ماديًا مثل الصعق بالكهرباء، والضرب بالسياط، وإلقاء الماء المثلج على الجسم، والتعريض للصدمات الجسدية والنفسية وغيرها، وكان يكفي تقرير الطب الشرعي كدليل واضح على حدوث التعذيب، فقد استقر العمل القضائي على ذلك.

5- إن قرار إحالة بعض الضباط إلى محكمة الجنايات بتهمة التعذيب هو نوع من أنواع «الترضية الإعلامية»؛ وذلك لأن وقائع التعذيب التي تجري- ومازالت- في القضايا التي تنظر الآن، والتي تصل تقاريرها إلى النائب العام شخصيًا، لم تتأثر بقرار الإحالة، وإن النائب العام يدرك تمامًا بوقوع التعذيب، وقد تسلم بنفسه كافة البلاغات المقدمة من المتهمين، فضلًا عما أثبته الطب الشرعي والمناظرات التي أجرتها النيابة على المتهمين.

6- وهذه الملاحظة تتعلق بالنائب العام الذي تجاهل التحقيق في البلاغات التي قدم منذ عام 1974 بشأن التعذيب، والتي أثبتتها تقارير الطب الشرعي التي أرفقت مع بلاغات التعذيب، ومع ذلك لم يتم إلى الآن تحقيق حول هذه البلاغات، فهل يمكن أن يعيد النائب العام فحص الملفات التي يحويها مكتبه؟!

التعذيب ليس مرفوضًا من النظام!

7- والملاحظة السابعة أن وزير الداخلية تحدى الشعور العام، وأعلن بكل وضوح أنه لن يتخذ أي إجراء بوقف أو نقل أي من الضباط المتهمين في قضايا التعذيب بدعوى «أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، مع أن مواقع كثير منهم تستطيع التأثير على بعض المتهمين في قضية تنظيم الجهاد مثل مديري سجون منطقة طرة، ومأمور سجن القلعة وغيرهم..

وموقف اللواء زكي بدر المتخاذل- تجاه الضباط الذين اتهموا بممارسة التعذيب- يفسر بوضوح موقف النظام المصري من جريمة التعذيب، وإصراره على تحدي الشعور العام، والإيحاء بأن هذا الأسلوب ليس مرفوضًا مادام النظام يتعرض للخطر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

203

الثلاثاء 12-مايو-1970

يوميات المجتمع - العدد 9

نشر في العدد 41

116

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

أهكذا تربى الأجيال!