; إصرار تركي على دخول السوق الأوربية لماذا؟! | مجلة المجتمع

العنوان إصرار تركي على دخول السوق الأوربية لماذا؟!

الكاتب محمد إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1990

مشاهدات 73

نشر في العدد 964

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 24-أبريل-1990

  • يجب على المسلمين استغلال الفرصة لإعادة تركيا إلى محيطها الإسلامي الطبيعي.
  • حزب الرفعة الإسلامي التركي يعارض انضمام تركيا للسوق الأوروبية المشتركة.

جددت تركيا طلب انضمامها للسوق الأوروبية المشتركة الذي قدمته أول مرة في أبريل (نيسان) 1987، ومرة أخرى يقابل طلبها بالرفض المؤقت أو الإرجاء وبطلب الانتظار والتمهل، وهذا الرد الأوروبي يعكس اختلافًا أوروبيًّا وتخوفًا في نفس الوقت من قبول تركيا كعضو رقم 13 في النادي الأوروبي، ولكن السوق الأوروبية بقرار إرجائها النظر في الطلب التركي لم تغلق الباب نهائيًّا في وجه الأتراك، ولم تقطع أمل تورغوت أوزال في جعل تركيا أوروبية بالمعنى الكامل.

وضع صعب وقرار أصعب

الأتراك الذين يطرقون باب أوروبا اليوم وقف أسلافهم منذ ثلاثمائة سنة على أبواب فيينا، وهذه الصورة تحضر الخيال الأوروبي عندما ينظر الأوروبيون اليوم في طلب انضمام تركيا إلى السوق الأوروبية المشتركة، فلا يصرحون بمخاوفهم صراحة؛ بل يعلنون أن من عوائق هذا الانضمام الاختلاف الثقافي! ويضيفون أن عوائق اقتصادية تحول أيضًا -على الأقل الآن- دون أن تصبح تركيا عضوًا كامل العضوية في المجموعة الأوروبية، ذاكرين مثلًا أن متوسط دخل الفرد التركي هو أقل بكثير من متوسط الدخل في أي بلد أوروبي، ولكن ماذا لو قارنا بين الاقتصاد التركي والاقتصاد البرتغالي أو حتى اليوناني؟ فهل أن القاعدة الاقتصادية في كل من هذين البلدين اللذين سمح لهما بدخول النادي الأوروبي أمتن من قاعدة الاقتصاد التركي؟

الحقيقة أن وضع تركيا الجغراسياسي وماضيها وحاضرها الإسلامي هو العقبة الكأداء التي يقف أمامها الساسة الغربيون في حيرة من أمرهم، ذلك أولًا أن تركيا يقع عشرها في أوروبا وتسعة أعشارها في آسيا الصغرى، وهي تحاذي دولًا شرق أوسطية، كانت ولا تزال تمثل محيطها الطبيعي العربي الإسلامي (سوريا- العراق- إيران) الذي لا يمكن أن تنفصل منه انفصالًا تامًا، بل إن الصحوة الإسلامية ساعدت في السنوات الأخيرة على إعادة ما انقطع وإصلاح ما فسد، وتوطيد ما كان وما استجد من أواصر جديدة بدافع الدين الواحد والماضي المشترك.

وثانيًا أن تركيا تقع في خاصرة العدو التقليدي للغرب وهو الاتحاد السوفياتي، ولذلك مازالت وستبقى برغبة الغرب طبعًا عضوًا مهمًا في حلف الناتو، وهي تتكلم في مضيقين من أهم المضايق العالمية التي تعبر منهما السفن التجارية والحربية السوفياتية نحو البحر الأبيض المتوسط، وهذا الوضع الاستراتيجي المهم إضافة إلى كون الجيش التركي يحيي ثلث خط الدفاع لحلف الناتو ضد أي غزو سوفياتي محتمل على أوروبا الغربية، يجعل من الصعب على أوروبا الموحدة التفريط في تركيا، ويعبر رجل أعمال تركي عن هذه الأهمية لبلاده بالنسبة لدول الغرب بقوله: «إذا أصبحت تركيا إيران أخرى أو فنلندا أخرى فسيبدأ تحقيق كبير في المغرب لمعرفة الخطأ الذي حدث؛ لكن التحقيق سيكون متأخرًا».

الوضع كذلك صعب بالنسبة للأتراك أنفسهم.. إنهم يعيشون اليوم أزمة انتماء بعد سبعين سنة من «الجمهورية الكمالية العلمانية» التي أنشأها مصطفى كمال أتاتورك عام (۱۹۲۳)، وإذا كانت النزعة نحو الغرب ومفاهيمه حادة، فلا يعني ذلك أن نزعة الأتراك نحو الشرق ونحو المفاهيم الإسلامية أقل حدة، ولا ننسى أن الساسة الأتراك وهم يطرقون أبواب أوروبا تظل أعناقهم مشرئبة نحو الشرق العربي والإسلامي، وحتى بلاد اليابان وجنوب شرق آسيا، ولا أدل على ذلك من توطيد علاقاتهم مع هذه الدول في السنوات الأخيرة، وإعطاء دفعة قوية لتجارتهم معها، والتهديد بالتوجه نحو الصين واليابان بدل أوروبا لتمويل المشاريع الكبرى في تركيا وإنجازها مما سيحرم الشركات الغربية من أرباح، كان يمكن أن تحصل عليها بسهولة في صورة القبول بعضوية تركيا في النادي الأوروبي..

إن تركيا تعاني من أزمة انتماء في هذا الوقت بالذات بعدما قدمت ما قدمت من التنازلات لأوروبا، وبعدما استجدت القبول بعضويتها في السوق الأوروبية المشتركة دون جدوى، وبعدما أخذ الوعي الإسلامي يعود إلى القلوب والعقول التركية التي لم تحد عن دينها طوال ثلاثة أرباع قرن من الحكم العثماني. إن تركيا اليوم تتجاذبها التيارات، ومن هنا يتحتم على المسلمين حكومات ومنظمات وأفراد أن يقفوا الموقف الذي يفرضه عليهم دينهم، وأن يستغلوا هذه الفرصة لإعادة تركيا لمحيطها الطبيعي؛ لتقوم بدورها الإسلامي الذي طالما افتقدناه.

إن المعارضين لانضمام تركيا للسوق الأوروبية المشتركة يخشون أولًا وقبل كل شيء من انتشار إسلامي سلمي في كامل أوروبا بعد فتح الحدود ورفع الحواجز أمام كل الأفراد والبضائع والأموال، كما يخشون في حالة قبول المطلب التركي أن تصبح حدودهم على مشارف من يرون فيهم أعداء تقليديين لهم، ولكن ليسوا بالتأكيد أعداء لإخوانهم الأتراك المسلمين الذين يمكن أن يتعاونوا معهم تعاونًا وثيقًا. أما المناصرون لدخول تركيا للسوق الأوروبية المشتركة، وينخرط ضمنهم الصليبيون الحاقدون والصهاينة المتربصون؛ فإنهم يحذرون من رفض أوروبي تكون له ردة فعل تركية عنيفة بالتوجه نحو الشرق، وتشكيل قاطرة إسلامية قوية تقطر وراءها قوة إسلامية جبارة، يرون فيها أكبر خطر على مصالحهم، إن الصليبيين الحاقدين واليهود يمشون على القبول بعضوية تركيا في النادي الأوروبي من أجل استيعابها حتى تشيح بوجهها نهائيًّا عن محيطها الشرقي التاريخي السابق، وتتكرس فيها العلمانية والمفاهيم الغربية، لاسيما وأن التيار العلماني في تركيا رغم الهزات التي أصابته مازال متمكنًا من الأرض التركية.. إنهم يطالبون بالتضحية المادية في السنوات القليلة القادمة من أجل كسب المعركة الاستراتيجية على المدى البعيد.

مازالت الفرصة متاحة

إن تعليق الإجابة على الطلب التركي بالانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة يترك المجال مفتوحًا أمام هؤلاء وهؤلاء، ويبقي على الفرصة متاحة، ولكن إلى حين قصير لا نعتقد أنه يتجاوز الخمس أو السبع سنوات على أقصى تقدير؛ لأن الأتراك سيملون من الانتظار طويلًا على باب أوروبا الموصد في وجوههم، ولكن لا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن ساستهم العلمانيين ينطلقون يطرقون بقوة على هذا الباب على أمل فتحه وسيتخذون من الإجراءات العلمانية الغربية ما يغري المجموعة الأوروبية بضمهم إليها، وقد ظهرت بوادر هذا النهج السياسي منذ عدة سنوات بتأكيد العديد من الشخصيات التركية على «أوروبية» تركيا، وعلى التنظير من جديد لرؤية أتاتورك الأوروبية.

وقد عبر عن هذا النهج مقدم الطلب التركي للسوق الأوروبية ورئيس وزرائها تورغوت أوزال في كتاب له بعنوان «تركيا في أوروبا» كتبه باللغة الفرنسية، وجاء فيه أن تاريخ تركيا مشترك مع أوروبا كان ذلك عبر بيزنطة أو روما أو حتى اليونان، ويصل الأمر أحيانًا إلى حد الاستجداء المهين، كما جاء في تعليق أحد الصحافيين الأتراك، والذي يقول فيه: «عندما نصل إلى باب أوروبا يطلب إلينا الحارس أوراق هويتنا، ولكننا لا نستطيع أن نجيبه إلا بقولنا: إن الهوية القديمة لم تعد صالحة، ولكننا لم نحصل بعد على الهوية الجديدة».

وبعد، ماذا سيترتب عن انضمام تركيا إلى السوق الأوروبية إذا ما تم ذلك؟ إنه سؤال مصيري بالنسبة لمجموع المسلمين؛ لأن تركيا في هذه الحالة ستعرف ثورة علمانية كبيرة تعمق الثورة العلمانية الأولى التي قام بها مصطفى كمال أتاتورك، وعندئذ ستنضم تركيا انضمامًا كاملًا إلى صف أعداء المسلمين التقليديين من الصليبيين واليهود، ناهيك عن تجاوز المد العلماني الحدود التركية شرقًا وجنوبًا، وهنا يجب أن تكون وقفتنا إلى جانب المسلمين الأتراك ودعوتهم إلى التحرك بكل قوة من أجل إفشال انضمام بلادهم إلى السوق الأوروبية المشتركة؛ لأن أخطار هذا الانضمام كبيرة وآثاره السيئة شديدة عليهم وعلى كل المسلمين وعلى القضية الفلسطينية التي نريد من كل المسلمين أن يجتمعوا عليها ومن أجلها، من أجل يوم نقف فيه جميعًا صفًا واحدًا مجاهدين مكبرين من أجل تحرير الصخرة والقدس.

إن الأمل كبير في حزب الرفعة الإسلامي التركي، وفي الوعي الإسلامي التركي في إفشال مخططات الأعداء، وإن الأمل كبير في المنظمات الإسلامية العالمية التي لابد أن تقوم بدورها في اجتذاب تركيا نحو عالمها الإسلامي، والبرهنة لها أن حل مشاكلها الإنمائية والاقتصادية يمكن بتعاون إسلامي أخوي، ولم لا في إطار سوق إسلامية مشتركة حتى لو قادتها تركيا بنفسها.

الرابط المختصر :