; المجتمع الثقافي (1366) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1366)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1999

مشاهدات 65

نشر في العدد 1366

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 07-سبتمبر-1999

إصدارات مختارة

أصل الكون

يهدف هذا الكتاب إلى تقديم عرض موجز عن البداية بداية الكون لغير المتخصصين من القراء ويجيب عن تساؤلات عديدة من بينها ما الأدلة التي بين أيدينا عن فجر تاريخ الكون؟ وما أحدث النظريات عن كيفية بداية الكون وهل اختبرنا تلك النظريات عن طريق الملاحظة؟ وكيف يرتبط وجودنا بها؟ هذه بعض التساؤلات التي سوف يطرحها المؤلف في معرض رحلته إلى أصول الزمان.

ويحاول المؤلف أن يقدم استعراضًا تاريخيًا وبأسلوب قصصي لمراحل التفكير التي تهدف إلى الإجابة عن هذه التساؤلات لا سيما فكرة المنشأ أو الأصل وهي النقطة التي يبرز فيها الخلاف بين الفلاسفة وعلماء الدين وعلماء الفيزياء والفلك.

وفي معرض الحوار الذي يجريه المؤلف حول مختلف الأفكار عن أصل الكون يناقش تعارض هذه الفكرة مع آراء علماء الدين وكذلك تعارضها مع العلم الذي تحتم منطقيته أن أي شيء لا بد أن يكون له أصل مادي صنع منه، ويذهب بعيدًا في الفكر فيقول إن هذا الشيء قد يكون مادة وقد يكون جزئيات المادة أو قد يكون الطاقة ذاتها أو مجرد القوانين الطبيعية والفيزيائية الأولية التي صاغها علماء الفيزياء في شکل معادلات رياضية في أي النقاط تلتقي الفلسفة مع الدين ويلتقي الدين مع الفيزياء وفي أيها يفترق كل طرف عن الآخر؟ وهل هناك تفسير ديني ثابت لحركة الطبيعة وهل أحكام الفيزياء مقدسة غير قابلة للتعديل أو التغيير؟

وهل الفلسفة تلامس الواقع في نظرياتها أم أنها مجرد تخمينات أو تخیلات تكتسب هالتها من سكونية الأبراج العاجية؟

هذه التساؤلات جميعًا يمكن معرفة إجاباتها من خلال استعراضنا لهذا الكتاب مضافًا إليه التنزيل القيم الذي لخص فيه الدكتور يوسف يعقوب السلطان مترجم الكتاب... نظرة الإسلام لأصل الكون منطلقًا من الآية الكريمة : ﴿سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡء شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53).

الكتاب: أصل الكون

المؤلف: جون بارو

ترجمة وتذبيل الدكتور يوسف يعقوب السلطان - معهد الكويت للأبحاث العلمية

قصة قصيرة

صيف قائظ...آخر!

بقلم: أسامة احمد البدر

ساعات القيظ المطبق على رأسه تزيده ضيقًا وحقنًا وهو الذي يحسب أنه اعتادها ... تسعة عشر عامًا منذ هبط القرية، وهو يمضي صيفها وحيدًا غريبًا يأكله الضجر صعبعليه أن يعرض الصغار لمحنته، أو يحرم «الكبار» هناك أن يروا أحفادهم لكنه وحيد.. الساعات الطوال لا ترضى بحيله المتكررة يقرأ يتمشى يزور إخوته في نفسقدره .. يرتاد المسجد ما بين العشاءين إلا تلك الساعات المملة عند المساء تهزأ بأعصابه وبالكاد تنقضي بعد أن تزهق تماسكه.

أمس تفجر الصبر غيظًا وحممًا ولعنة ..... تلعثم الجواب في حلقة بل تيبس «بابا .. لماذا لم تأت معنا إلى بيت «جدو اشتقنا لك ماذا يقول ياه هل تدري الصغيرة أي بحر لجي ألقت أباها فيه يصارعه ويغالبه، وهو يدرك أنهم – الأبالسة – لن يتركوه يعبر؟! .... منذ تبنى «الحركة» وهو يدرك أنهم لن يتركوه ما مشى أحد على نفس دربه إلا وأوذي وهذه الصغيرة تدعوه لأن يشاركها فرحتها بالأهل والوطن ونسيم الأحباب ياه... شلال الخير في بلاده التي حباها الله وأكرمها.. أين هو منها الآن ؟!..وماذا أبقوا منها ؟!

وفوق الغيظ والحنق واللعنة يقفز السؤال إياه قاسيًا عنيفًا.. دونما رحمة!... يهزأ به ويتحدى يقينه ويشله عن متابعة الطريق هل كنا على صواب هل تورطنا؟ هل خدعنا من «فوق »؟.. أم هم المخدوعون؟ ... نفس السؤال يبرز وقحًا كأنما لا يكفيه ما هو فيه من ضيق ووحدة وغربة؟ّ! ... 

هاتف الزوجة كان نديًا بالأمل «والدي يقول إن فرحتك كبيرة – هيا تشجع.. تعد إلى بيتنا لنسكنه معًا».

والدها يتحدث بشأنه؟!!... «كثر الله خيره» والآخرون؟.. من سيتحدث بشأنهم. وهل يجرؤ على ذلك أحد؟! جاؤوا جماعة... فهل يعودون أشتاتًا.. يعموا شطر البلاد الرحيمة ونظرهم إلى السماء فهل يرضون بالعودة «كالصغار» التائبين؟!

لكن القيظ شديد .. ما مر صيف مثل هذا الصيف... وكلما طال الزمن اشتد الحر وأشياء كثيرة تشتد والأخ «حمد»، مديره، يسأله شيئًا عن وطنه الذي ينوي زيارته هذا العام ولا يفوته في النهاية أن يكرر عليه السؤال الحرج ألن تفكر جديًا بالعودة .... إنه يعذره لا يقصد الإساءة لكنه لا يعرف الكثير أخبار كوسوفا وصراع الصومال وقتال كشمير أوضح في أذهانهم من عويل نسائنا والدنيا ليل والرشاشات مصوبة إلى الرؤوس المكشوفة!! ياه. لماذا لا يريد أن ينسى لماذا لا يستطيع أن ينسى الأسر التي تشردت والصبايا التي ترملت والأطفال الذين يتموا .. والأمهات كم عدد الأمهات اللاتي قضين بعدما انتزعوا قلوبهن من الصدور!!

ولكن لابأس.. قتلانا في الجنة إن شاء الله اللهم ألا تمضي عليه «أصياف» كثيرة فائقة لأنه يحسب الآن أن قدرته على الاحتمال تأخذ منحى سلبيًا لا يشتهيه!.. وخبرًا لصحيفة اليوم ألقي حجرة في بحيرة نفسه الهامدة «المباحثات متواصلة» كثيرًا ما قال لهم صبرنا فلنصبر أكثر صحيح أننا لسنا أقوياء بما يكافئهم لكنهم أيضًا وهنوا وإلا لما فاوضوا والنفس الطويل نحن- بثقتنا بربنا – أقدر عليه فلا يجب أن تتعجل.

الحديقة الغناء والهواء البارد العليل ولقاء الأحبة بعد عشرين عامًا ياه: هل كانت غربتنا حتمًا أم كابوسًا؟ أم تجربة نزفها إلى من بعدنا لا تتعجلوا والزمن جزء من العلاج، واتركوا روحكم الطيبة تسري في الناس بدعة كما المياه النقية في الجدول الرقراق ولا فرق صيف قائظ أو صيفان لا مشكلة ولن تفقد أعصابنا مادام کله عند الله بحسبان!!

نهضة العالم الإسلامي: في ظلال القرآن الكريم

استعرض المؤلف الشيخ محمد شهاب الدين الندوي في هذا الكتاب أسباب تقهقر العالم الإسلامي في ميدان العلم والتكنولوجيا ومؤثراته على المجتمع الإسلامي والمجتمع البشري بعد أن تقدم وازدهر فيه المسلمون في قرونهم الذهبية، كما أوضح النصوص القرآنية التي تحض المسلمين على أن يتقدموا في هذا المجال ويبلغوا فيه أوج الكمال لإنجاز الخلافة الأرضية، فيكونوا خلفاء الأرض إن هذا الكتاب القيم يبرز مزايا القرآن الكريم وإعجازه المدهش وتعاليمه المشرفة لتوجيه العالم الإسلامي ونهضته في عصر العولمة، كما يكشف القناع عن فلسفة القرآن المدنية وتوجيهاته الاجتماعية وعلاقته بالعلوم التجريبية لأول مرة بدراسة عميقة، ويدعو إلى تضامن العالم الإسلامي لمواجهة التحديات ضد الإسلام والمسلمين وهو أول كتاب متفرد في هذا الموضوع، وما قدم في هذا السفر من الأفكار الطريقة هي خلاصة تأملات المؤلف في كتاب الله لأربعين سنة.

فقد أشاد الدكتور أحمد فؤاد باشا أستاذ الفيزياء ووكيل كلية العلوم بجامعة القاهرة بهذا الكتاب بتقديمه «وفيه يقدم فضيلة الشيخ محمد شهاب الدين الندوي عرضًا شاملًا لمشكلات الأمة الإسلامية وأسباب تخلفها، ويشخص واقعها ويحدد مقومات نهضتها برؤية ثاقبة، مستندًا إلى توجيهات الإسلام الهادية، وداعيًا إلى إسلامية العلوم الطبيعية حتى تؤتى ثمارها كاملة الخدمة البشرية وترقية الحياة على الأرض كما أرادها الله تعالى».

وهذا الكتاب يشتمل على أربعة أبواب وهي:

۱- خسران العالم البشري بانحطاط المسلمينفي العلم والتكنولوجيا ومؤثراته.

2- التوجيهات المدنية للقرآن العظيم واقتراحات النهضة الإسلامية

3- الخطوات الفاصلة لنهضة الأمة الإسلاميةوأهمية التضامن الإسلامي في مجال الخلافة.

4- نظرة عابرة إلى العلوم التجريبية وأهمية النفط والبتروكيميائيات.

الثمن: 5 دولارات أمريكى «فى الهند» 8 دولارات «خارج الهند» بالبريد الجوى، يطلب من:

واحة الشعر

البياتيون

شعر: صالح علي العمري

وهلكت أفعى الحداثة.. فما كان فحيحها إلا تطاولًا على الذات الإلهية، تعالى الله عما يقول: الله في مدينتي يبيعه اليهود... الله في مدينتي مشرد طريد... أراده الغزاة أن يكون... لهم أجيرًا شاعرًا قواد يخدع في قيثارة المذهب العباد... لكنه أصيب بالجنون، وانظروا أذناب الأفعى الباكين على شيطان الحداثة... كيف ملأوا الكون نياحة على عدو الله!!

عجبت منهم ..ولما ينته العجب!

  أيمدح العهر..أو يستحسن الكذب؟

عجبت منهم.. ولما ينته العجب!

  بأي جرف على سفح الردي انقلبوا

واي إسفافة للفكر قد حملوا

  وأي كأس من الأوحال قد شربوا

قاموا عراة من الأخلاق لا سلموا

  زبالة الفكر...لا شرع ولا أدب!!

عقوا الحنيفة - عق الله صفهم

  فما لهم في الهدي عرق ولا نسب

سعارهم راعف والغدر مضطرم

  والشر مثل شرار النار يلتهب

إن حاوروا كفروا، أو عاهدوا غدروا

  أو خاصموا فجروا .أو حدثوا كذبوا

كأنهم خشب جوفًا مسندة…

  والعفو يا أمتي: قد ينفع الخشب

ليسوا رجالًا إذا عد الرجال وما

  كانوا نساء ولا بهما اذا حسبوا

أسواقهم من سقاط الفسق رائجة

  يا بئس ما طلبوا فيها وما جلبوا

هم كالخفافيش إن ناء الدجى اجترحوا

  وإن أتي النور ماتوا ثم أو هربوا

قالوا: «الحداثة» فاشتقوك من حدث

  ولا صلاة اذا لم يطهر الجنب

ساروا على نهج «فرويد» وشيعته

  فحيثما ذهبت أسيادهم ذهبوا

ساروا في «آب» سكر وفي «أيلول» زندقة

  وما تبدي لهم «شوال» أو «رجب»

يبكون كل لقيط ماجن عفن

  وما بكوا من بكاه الدين والرتب

كم صفقوا في مقام الحزن في لغط

  وهزهم في مأسي أمتي طرب

يضاحكون ودمع الشيخ منسدل

  وأرضنا - يا عباد الله – تنتحب

كم خضبوا بالليالي الحمر ناديهم

  ودورنا بدم الأبرار تختضب

لهم مع مؤسسات العهر ملحمة

  وأختنا - يا لثأر العرض – تغتصب

ويرقصون وما أشجت قلوبهم

  أم تنوح على صبيانها وأب

سود الطوية. ..كم حاكوا لأمتنا

  من كربة أججت في إثرها كرب

أسماؤهم من حروف الضاد لامعة

  وفكرهم لبني الموساد ينتسب

صرصورة لا ترى إلا على دنس

  والطهر يودي بها والمشرب العذب

جنود إبليس أما اليوم واعجبا…

  يعوذ إبليس من ويلات ما كسبوا

كم من قصيدة فسق ألقيت عبثاً

  شمطاء جرباء قد أودى بها الجرب

في عطفها مفردات الكفر سافرة

  كحبة فاح من أنيابها العطب

فالعرض مهتبل، والعرف مبتذل

  في هزلها دجل في جدها ريب

رأس الحداثة ما أعددت من خبرًا؟

  إذا تطايرت الأعمال والكتب

الرأس ولى بما في الرأس من سفة

  واليوم يا حبذا أن يقطع الذنب

هلکت يا خاسئ الذكرى فلا جزع

  فما بكي لك إلا الموطن الحرب

قضيت فيمن قضى في غير محمدة

  فلتسترح منك أرض الله والعرب

البر يبقى. وما للفسق نادية

  وما لأمتنا في ساقط أرب

أخا العقيدة يا ابن الأكرمين ألا

  لسان صدق.. فقد ناداك مغترب

هلا غضبت لدين الله في شمم

  ولا غضبت إذا لم يثمر الغضب

صونوا الشريعة... ذودوا عن محارمها

  من قبل أن تهدم الأوتاد والطلب

وحصنوا الجيل من فسق ومن دجل

  فالعين تعمي إذا لم يحمها الهدب

أن مسك الفرح يا باغي الجنان فكم

  قد مسهم من بعده نصب

من لي بحولية من قلب محتسب

  أليس في شرعة الأوزان محتسب

ثاني عليهم شهابًا ثاقبًا رصدًا

  إن الشياطين تغني جمعها الشهب


ثنائية الموت والحياة في ديوان «أحرف دامعة» (1 من 2)

بقلم د.حلمي محمد القاعود

عرف الشعر العربي منذ بداياته فن الرثاء وقد اتخذ هذا الفن مستويات متعددة تقوم على علاقة الشاعر بمن يرثيه، وقد اشتهرت بعض المراثي في شعرنا القديم لأسباب تعود إلى طبيعتها أو قيمتها الفنية أو مناسباتها، وفي العصر الحديث عرف ديوان الشعر العربي مراثي تشمل ديوانًا بأكمله يوقفه الشاعر على من يرثيه، وخاصة الزوجة، كما فعل عبد الرحمن صدقي ومحمد رجب البيومي ولكني -فيما أعلم- لم أجد شاعرًا معاصرًا يوقف ديوانًا كاملًا على رثاء الابن، كما فعل الشاعر السكندري محجوب موسى حيث نظم ديوانًا كاملًا في رثاء ولده موسی تحت عنوان «أحرف دامعة» «مطبعة دار التأليف المالية ١٩٩٦م، يقع في ۱۹۱ صفحة قطع متوسط».

ومحجوب موسي - شاعر يصعب تصنيفه ضمن الأجيال الأدبية وفقًا للتصنيف السائد الذي لا أؤمن به فإذا وضعناه ضمن شعراء الستينيات فلعل له شعرًا يسبق عام ١٩٦٠م ولكنه لم يظهر إلا بعدها، ومن هنا به سعب أيضًا أن نضعه ضمن شعراء الخمسينيات ولكننا في كل الأحوال تعده شاعرًا معاصرًا، أخلص لشعره تجويدًا وإبداعًا، ومع أنه يعيش في الإسكندرية إلا إنه فرض حضوره على العديد من الدوريات الأدبية في العاصمة المصرية والعواصم العربية، وما ذلك إلا لقيمة في شعره ومعنى في قصيده، ويكفي أنه ظل حارسًا على موسيقى الشعر العربي أمام جحافل الاستهانة بالتقاليد الأدبية والقيم الفنية التي طغت على سطح الحياة الثقافية في العقود الأخيرة، اتساقًا مع واقع فوضوي طغت فيه قيم الانتهازية والتسلق.

قصة الديوان

وأذكر أنني حاولت أن أكتب عن ديوان أحرف دامعة، لدى صدوره، وأكن محتواه فجعني وأبكاني فالكلمات الصادقة والعواطف المشتعلة، والأحزان المتوهجة جعلتني أرجئ الكتابة عنه المرة بعد المرة، حتى صار الأمر لا مفر منه مؤخرًا، وكان لا بد أن التعايش مجددًا مع الكلمات التي تقطر دمعًا وتنزف آسي وتصرخ حزنًا.

لقد فقد الشاعر ولده في ظروف مأساوية حزينة بل كاد يفقد ولده الآخر نتيجة لفقد الأول لولا أن الله سلم، وكانت التجربة المرعبة التي تتلخص في أن الفقيد كان يعاني من حالة نفسية وعصبية دامت نحو ستة أشهر قبل أن يعقد قرانه على إحدى الفتيات التي طلقها بعد يومين فقط من العقد، ثم أراد أن يردها في اليوم التالي للطلاق، ولكن صهره رفض، فأراد أن ينتقم منه، فأحيل إلى الشرطة، وعندما خرج من القسم تشاجر في البيت وكان يحمل سكينًا فحاول أخوه أن يمنعه من ارتكاب جريمة فقبض على يده، ودخلت السكين في تجويف صدره مما أدى إلى موته، وأخذ أخوه إلى السجن، ثم أفرج عنه بعد مرافقة أبيه وشهادته له!

ومن ثم ..راح الشعر ينهمر شبه يومي والشاعر يسجل تاريخ كل مقطوعة أو قصيدة «يلاحظ أن القصائد بلا عناوين لذا ستطلق عليها مقطوعات» وفي الأحرف الدامعة، يسجل الشاعر أحاسيسه ومشاعره منذ ليلة مقتل ولده موسى «أشرف ٣٧ عامًا» في 1/١٠/١٩٩٤م، حتى يوم 22/3/١٩٩٥م، أي إن النظم استغرق زهاء ستة أشهر، يعالج في كل مقطوعة جانبًا من جوانب الابن الراحل أو حالة من حالاته المختلفة، أو مرحلة من مراحل حياته المتعددة أو يلتقط لقطة من لقطات الواقع الحي تتصل به أو تعيد ذكراه على نحو ما .. لذا بعد ديوان «الأحرف الدامعة» الأول- فيما أعلم - من نوعه في الشعر المعاصر، من حيث الغزارة واللوعة والتنوع الذي يعالج رثاء الابن، بل إني أرى أن الديوان يضع أساسًا أو بذرة اللحمة شعرية تتوافر فيها عناصر المأساة أو الصراع الدرامي، حيث ينتسب القائل والقتيل إلى أب واحديعيش محنة مضاعفة، وألمًا مركبًا، ويبحث عن ملجأ أو مخرج مما هو فيه، فلا يجد إلا القصيدة الغنائية التي تتساقط حروفها دموعًا على امتداد واحد وتسعين ومائة صفحة لو أنه أراد بناها ملحمة بمواصفات الملحمة ما أجهد نفسه كثيرًا. ولكنه أثر أن يترك لنفسه العنان كي تسح دموعًا غزارًا كيفما وأتته الفكرة وجاءته الصورة.

تأخذ ثنائية الموت والحياة في الديوان بعدًا تركيبيًا معقدًا ينتظم المقطوعات من خلال المطابقة والمقابلة، وتتحول الحياة أو الدنيا إلى موت ويتحول الموت أو الآخرة إلى دنيا، من خلال المفهوم الإيماني الذي يجعل الخلود آخرويًا والفناء دنيويًا. لذا يسهل على الأب المكلوم، وهو الشاعر استعذاب الموت والترحيب به بوصفه أهون من فراق فلذة كبده.

«الحضور الإيماني يشكل رؤية الشاعر على امتداد الديوان»

«كلما همت شياطيني بنفسي

تخنق النبض نفسي

كي تسود الظلمة الحمراء أقطاري جميعًا

وإذا أوشكت فيها أن أضيعا

لاح لي قبرك يا ابني 

فإذا دنياي رمسي 

وأنا فيه أحاسب 

حيث لا نفس تعاتب 

عندها يصرخ صوتي

إن موتي لهو أهون

ويعود الرشد للنفس الغوية ..

ص ١٨٦ – المقطوعة (١٤٧)

إن الحضور الإيماني يشكل رؤية الشاعر على امتداد الديوان، سواء من خلال ثنائية الموت والحياة التي تحكمه بصفة عامة أو من خلال بعض المواقف الأخرى اليومية أو النامية، وقد لاحظنا في النبض السابق مفردات: الشياطين، الحساب، الرشد، النفس الغوية، وكلها مفاهيمإيمانية تصبغ الرؤية، وتؤثر فيها، وتجعل صاحبها يؤثر الموت على الحياة.

ومن مظاهر تجلي هذه الثنائية ما نراه من علاقة بين الأب والابن عقب الفقد، فالأب يعترف بأنه لم يفلح في تأديب ولده حيًا، ولكن الولد الميت يفلح في تأديب أبيه الحي.

«لم أفلح في تأديبك حيًا يا ولدي

يا من أفلحت في تأديبي ميتًا ... » (ص ۱۸۳)

وفي القصيدة ذاتها نجد هذه الثنائية أيضًا من خلال التعبير بالمفارقة عن غريزة الأبوة:

«ما كنت ظلًا لي أو ماني في القيظ

وإذا أبصرتك يملأ صدري الغيظ

فعلام الآن أحس بفقدك فقداني

وكأنك أخلص أعواني ؟......»

إن الراحل كان بالنسبة لأبيه مصدر إزعاج وقلق، ولم يكن منه نفع أو فائدة، فلم يكن ظلا لأبيه أو ماء، ولكنه كان "صدر الغيظ" بيد أن غريزة الأبوة ترى بعد رحيله أن الصورة كانت معكوسة فقد الأب ذاته يفقد ابنه، وضاع بعد ضياع ولده ...

وفي السياق ذاته، ومن خلال الثنائية الشعورية- إن صح التعبير- تجاه الموت والحياة، نجد بعض المقطوعات تبلغ الذروة التعبيرية، بساطة تركيب وسهولة ألفاظ وتلقائية موسيقى، وانسياب قافية فها هو مثلًا يطلب عودة ابنه الميت إليه، ولكنه يعدل عن هذا الطلب ويرفض هذه العودة لأن الموت جعله قريبًا منه، وأكثر شوقًا إليه، وهو ما يدخل في ثنائية الموت حياة، والحياة موت:

عد.. لا تعد يا بنيا

 

 

فلست عنى قصيا

 

فالموت أدناك مني

 

 

بل صرت تسكن فيا

 

وكنت من قبل تنأي

 

 

عنى فتنسى مليا

 

ولا تثير اشتياقي

 

 

ولا تحرك شيا

 

واليوم لا شيء عندي

 

 

سواك غضًا جنبًا

 

فكن كما أنت ميتا

 

 

تكن بقلبي حيا

 

(ص: 178)

إن ثنائية «عد ..لا تعد» في جماع موقف الأب المكلوم، الأمر حلم النهي واقع، وبين الحلم والواقع تمزق الشاعر، وينتهي بعد استرجاع كنت، إلى قرار كن لأنه في الحالين لا يملك «عد» ولا وعد جميعًا

وتمتد الثنائية إلى المفارقة في الأحداث المتعلقة المأساة، ففي اللحظة التي قتل فيها الابن، جاء إلى الدنيا مولود جديد هو الحفيد ابن الأخ. وهكذا على الموت الحياة، ومن خلال التضاد تستمر الدنيا:

«ولدي لم تبصر طفل أخيك 

من جاء إلى الدنيا في عين خروجك يا سبحان الله

من طي إرادته موت وحياة

موت وحياة، وليل صبح حلو مر فالدنيا

بتضاد تكاملها تحيا ...»

(ص: 152)

وفي كل الأحوال فإن ثنائية الموت والحياة حكومة بالروح الإسلامي التي تشيع في أرجاء دیوان، وتبسط علها عليه سواء باستدعاء الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية أو الأحكام التشريعية الفقهية التي تتعلق بالموت والموقف منه، فهناك يؤمن بالبعث والقضاء والقدر، وهناك تكرار لقوله لله ما أعطى ولله ما أخذه، وهناك تعبير متكرر عن الرضا بالابتلاء والإقرار بأن البكاء أبوة فاضت من عين الرسول الكريم r إلخ

لا تحسبن ولدي الفقيد مدامعي

 

 

سخطًا على قدر حكيم محكم

 

وتحسبن حزني عليك تأففًا

 

 

من أمره لا والعلي فمبسمي

 

ما أفقر إلا عن رضاء خالص

 

 

ويغير ذا ما وزن كلمة مسلم؟

 

مالحزن يا ابني والدموع أبوة

 

 

من قبل فاضت من رسول أكرم

 

(ص 12)

ومع هذا الإيمان القوي الراسخ فإن معالم التوتر والإحساس بالفقد وعدم التوازن التي تشيع هنا وهناك تجعل الشاعر أو الأب المكلوم يسترسل مشاعره ليسأل عن ولده وفق المفهوم الإيماني أيضًاهل هو في روضة من رياض الجنة أم حفرة من حفر النار؟ هل هو في قبره ظمأن أم مرتو؟

لقد كان الراحل مسرفًا على نفسه، وصنع الحياة في اللهو، ولقي ربه خالي الجعبة من عمل يقيه سغطة القبر:

«يا وليدي كيف حالك؟

ما مالك؟

قبرك الحفرة من نار أم أن القبر روضة؟

أنت ظمأن أم الري لا يمنع حوضه؟ 

نبتي يا ابني فإني

 قلق جدًا وذهني

لعبة الشد والإرخاء من كفي قنوطي ورجائي

من مسائي لصباحي وصباحي لمسائي .....»

(ص ۱۸۱)

وعلى امتداد المقطوعات ترى الشاعر المكلوم يربط الحدث الموت، بلقطات إنسانية واجتماعية – مؤثرة الحياة، من خلال العادات والتقاليد والنظر المقطوعة ١٠٤ مثلاء إن بيت الفقيد يأتي عليه العيد، والناس سعداء يعدون له العدة، وصغار البيت يرمقون بعيونهم كعك العيد لدى الجيران، لأن العادة أن أهل الميت الحزانى لا يصنعون كعكًا ولا يلبسون جديدًا، والشاعر الثاكل يتمزق بسبب صغار البيت الذين يتمنون أكل الكعك، ويكاد يستجيب لرغبتهم ويصنع لهم كعكًا، ولكنه يصطدم بالراحل الفقيد أو بخياله يعتب عليه استسلامه لرغبة الصغار.

«أأهون عليك أبي أأهون؟

فأغلق هذا الباب...»

(ص137) 

الاستفهام هنا يؤكد على قوة العادات وتسلط التقاليد، فالتساؤل لا ينبعث من الميت بقدر ما .

«أحرف دامعة، ملحمة شعرية تجمع كل عناصر المأساة أو الصراع الدرامي حين ينتسب القاتل والقتيل إلى أب واحد»

ينبعث من الحي، الذي يتمنى أولًا أن يكون الفقيد حاضرًا بين الأهل وثانيًا يجعل للعادات والتقاليد سلطانًا أقوى من سلطان العقل والمسألة في كل الأحوال تثير صراعًا حادًا في نفس الشاعر تتغلب فيه العادة والتقليد.. أو قل الحزن والأسى:

«ولدي أن تصنع كعك العيد

لن نلبس ثوب العيد

ما دمت بعيدًا.. أعني بعد الرسم

یا أقرب من ثوبي للجسم...»

(ص: 128)

«معجم الموت»

لأن الديوان رثاء، فمن الطبيعي أن يتكرر على صفحاته معجم الموت ويتكون هذا المعجم من لفظة الموت ومشتقاتها، بالإضافة إلى مقتضيات الموت القبر والرمس والتراب والكفن والدفن والغياب والضياع والثواء والغناء والأشلاء والدموع والنواح والحسرة والأحزان ويستطيع قارئ الديوان أن يجد الموت حاضرًا بصورة وأخرى من خلال معجم الموت ومقتضياته في كل مقطوعة من مقطوعاته.

انظر مثلًا المقطوعة ١٤٦ تجدها تغص بلفظة الموت وجموعها ومرادفاتها، وتكاد تراها في كل بيت من أبياتها).

ويقف معجم التصوف إلى جانب معجم الموت تعبيرًا عن زهادة واستسلام ورؤية شفافة راضية بالقضاء والقدر، ومن خلال ثنائيات متنوعة تتأكد قوة الغريزة الأبوية التي لا تسلو فقد الأبناء ولا تنساه، بل تراه حاضرًا في كل مكان وكان الموت لم يغيب الراحلين وهذا لا يتناقض مع التسليم بالقضاء والقدر:     

«وما أنت ذكر وما أنت طيف وما أنت راحل

 فأنت الحضور الذي حل مني كل المنازل 

فماذا افتقدت سوى حفنة من تراب

تحجبت منها بألفي حجاب 

فبورکت یا موت یا ناقضًا هذه الحفلة الحاجبة

براحتك الواهية»

ص (175)

تأمل معجم الصوفية الذكر الطيف الرحيل الحضور المنازل التراب الحجاب الموت لترى إلى أي مدى تلاحمت الألفاظ في سياق تجلي الراحل الغائب في وجدان الأب الشاكل، الذي يقلب الأمور المعتادة والمشاعر المألوفة تجاه الموت والأموات فيندفع إلى مباركة الموت الذي ينقض جفنة التراب التي تحجب عنه وليده الدفين ولا ريب أن تأثير الإيمان قد أعطى لهذا التصور بعده الممكن، فالمسلم يؤمن بالبعث ويؤمن بحياة الموتى بعد الدفن، وإحساسهم بما يدور حولهم في عالم الحياة والأحياء.

إن بداية المقطوعة التي اقتبسنا منها السطور السابقة تعطى هذا المذاق الذي يجعل المؤمن يرى الموت أريجا بعطر واقع الأحياء، ويقربهم إليه أو يقربه إليهم، وتبدأ حالة من التوحد والوجد الصوفي الذي يعبر عن حالة من فناء كل طرف في الآخر وحلوله فيه، والحلول هنا بعيد عن نظرية الحلول المتطرفة التي تتعلق بالاعتقاد: 

«تضوعت موتًا فأفعمت قبل شميمي قلبي

وكل كياني

وأصبحت تشغل مني مكاني زماني

عجيب هو الموت هذا التلاقي التداني

فقد كنت تفهم مني عياني وما كنت تملأ ذاكرتي أو بياني .....»

(ص: 174)

وإنسانية «التلاقي التداني» تكمن في إحساس الأب المكلوم باقترابه من فتاه اقترابًا لم يتحقق في أثناء حياته وحركته، ويعلل لذلك بأنه دماء عروقه وأنه فؤاده:

«تغيب فأنساك إلا لمامًا

وها أنت تغمر نفسي يا ابني التحامًا

أكاد.. لماذا أقول أكاد

فأنت دماء عروقي وأنت الفؤاد ...

وأنت.. أنا في استواء الألف

وحتى التوائي ياءًا ...»

(ص 175) 

إن امتزاج الأب المكلوم بابنه المفقود يتوحد توحد الصوفية في محبوبهم، وإذا كان الألم عند الصوفية معنويًا، فإن الألم عند الوالد الشاكل يجمع الألم المعنوي إلى الألم المادي الذي يتمثل في حرقةالقلب وتمزق الصدر.

الرابط المختصر :