; إشكالية صناعة الضلال المتطور | مجلة المجتمع

العنوان إشكالية صناعة الضلال المتطور

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1994

مشاهدات 66

نشر في العدد 1082

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 04-يناير-1994

صناعة الرأي العام، وإعادة تشكيل الاتجاهات، وغسيل الدماغ في عالمنا اليوم همش الفكر، ورد الإنسان إلى سذاجته الأولى، وقهر فيه قدرته على الاستقلال الذاتي والذهني. والتلاعب بالعقول أصبح -هذه الأيام- حرفة يحترفها الكثيرون من الذين نصبوا أنفسهم سدنة لآلهة الأهواء والمطامع لخدمة قوى تريد تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة؛ حيث يجد الإنسان نفسه يحب شيئا لا يحب ويكره شيئا لا يكره، ويسارع إلى شيء ليس فيه منفعة ويحجم عن شيء فيه كل الخير، وهو ذاهل العقل، مخدر الفكر، مسلوب الإرادة، كأنه طفل أو دمية تحركها الأصابع، تنظر إلى الجمادات فيخيل إليك من سحرهم أنها تسعى، وتطالع الحياة الدافقة فتحسبها من إيحاءاتهم أنها قوية وهي تمر مر السحاب. وعلى هذا فقد ينقلب العدو إلى صديق والصديق إلى عدو بغير إرادة منك أو رغبة فيك، وهذا قد أدى إلى اهتزاز القيم، وزعزعة الثوابت وأرجحة المعايير في قلوب الكثيرين مثقفين وغير مثقفين، والتبس الحق بالباطل والضلالة بالهداية.

وعلى هذا قد تفجؤك كثير من الظواهر المحيرة التي يعجب لها الإنسان فتلفته إلى هذا التلاعب بالأفكار والعقول فنرى فيها:

١- استغلال القوى العالمية ذلك لصرف الناس إلى أعداء أو أصدقاء وهميين أو غير حقيقيين؛ فمثلا إسرائيل التي كانت عدوا حقيقيا أزليا مغتصبة لديارنا، وقاتلة لأبنائنا ومشردة لشعبنا، قد أصبحت اليوم -وبتعويذة سحرية- صديقة وربما تصبح غدا شقيقة. وتجتهد اليوم بعض الشعوب العربية والإسلامية وبسرعة باستخدام هذه التعويذة حتى تمتص زخم الشعوب وتضع اللمسات المرادة للفت الأمم إلى أساطير جديدة وأوضاع أخرى يتطلبها الموقف المراد تشكيل الرأي العام إليه. ويتجرع العلماء فتاواهم الدينية، وتتحول الأقلام إلى لغة أخرى ونبرة مختلفة وأسلوب آخر، وتمزق أشرطة الأهازيج والترانيم العدائية ويمحو التاريخ ذاكرته اللعينة التي لا ترحم، وتستعد الأكف للتصفيق، والسواعد للتحية والأرجل للسعي نحو المقامات والزعامات الجديدة... إلخ. كل ذلك شيء لا يسأل فيه عن منطق، ولا عن أسباب مقنعة، ولا عن خطأ أو صواب ولا حتى عن مستقبل أو حاضر.

٢- استغلال بعض السلطات لهذا الأمر الخطير لصرف الناس عن قضايا جوهرية لا يراد للأمة أن تفكر فيها أو تلتفت إليها، كقضايا الحريات والدساتير والكفاءات المهدرة والفساد والتأخر العلمي والتقني؛ فتعمد الزعامات إلى اختراع أوهام تلفت الناس إليها أو صياغة شعارات تشغل الناس بها، أو استحداث خصومات تفرغ فيها القوى وترضى بها الغرور وتجمع الناس حول رمز مراد، فتزعم مثلا أن هناك خطرا ما من دولة ما، أو عملاء للأجنبي في الأمة يجب البحث عنهم أو رأسمالية مستغلة في الدولة هي المسببة للأزمات أو مثقفين جهلة لهم أطماع على حساب قوى الشعب العامل المكافح. ولهذا ترى الأمم تتصارع مع استعمار وهمي، ومع كل مخلص يلبي الظلم والبغي والكبت فيتهم بالعمالة لأي أجنبي، كما تضرب رؤوس الأموال المكافحة الناهضة باسم الاستغلال والتحكم في أقوات الشعب، ويكره المثقفون والنابهون في الأمة جهلا خوف القفز على الحكم أو السلطة. فترى الإعلام بأفانينه والقصص الوهمية بأشكالها، والإشاعات المتسلطة بخداعها تنهش الحقائق وتبني الأوهام وتفتت القوى الفاعلة في الأمم، وتصبح الشعوب من كثرة الإيحاء صالحة متفاعلة بل متشنجة تهتف حتى بحياة قاتليها؛ يا لها من ببغاء عقلها في أذنيها! ويا لها من أمم منكوسة لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا!

هذا كله يظهر في الأمم التي تتصف بصفات معينة منها الأمم التي ليس لها عقيدة فاعلة أو دستور واضح أو لها ذلك ولكنها لاهية عنه ملتفتة إلى غيره، أو خدعت عنه أو ضلت طريقه، أو تمثلته لفظا لا عملا، وقولا لا فعلا. أما المسلم الحق فهو يعرف طريقه جيدا ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ﴾ (الأنعام: ١٥٣)، ويعرف عدوه جيدا: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (فاطر: ٦)، ﴿...عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ﴾ (الأنعام: ١١٢). المؤمن يعرف الحرام فلا يخدع به، وصناعة الرأي وغسيل العقول تعتمد على الحرام، ويعرف الحق فيتبعه فلا يضل ولا يشقى، وصدق الله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ (طه: ١٢٣)؛ لا يضله شيطان أو إنسان عدوا كان أو صديقا، فهل نحن ملتزمون؟ وألا ترى معي أن تطور الضلال يقتضي تطور العقل المسلم والفكر المؤمن واستنهاض العقول المبدعة وتطور الأساليب والأفكار والوسائل، فهل نحن فاعلون؟!

الرابط المختصر :