; إشكالية المناسب.. هل لها من سبيل؟!! | مجلة المجتمع

العنوان إشكالية المناسب.. هل لها من سبيل؟!!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1993

مشاهدات 71

نشر في العدد 1072

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 26-أكتوبر-1993

إشكالية الرجل المناسب ومعايير الاختيار

إشكالية الرجل المناسب محيرة خصوصًا في العالم الثالث، لأن مقاييسها متغيرة وطبيعتها مختلفة من قطر إلى قطر، ومن سلطة إلى سلطة، فقد تكون المقاييس المطلوبة والتي يرغب في انتقائها من مؤهلات المناسب، أن يكون لا رأي له ولا فكر عنده أو لا شرف له ولا كرامة، أو أن يكون مصفقًا ومهرجًا، أو جاهلًا مطيعًا وعبدًا أمينًا، أو أن يكون لا يسمع ولا يرى ولا يحس، أو أن يكون نصابًا ودجالًا وساحرًا، أو أن يكون سفاحًا طائشًا قاسي القلب جلادًا.

منطق الأهواء وفساد الاختيار

فمنطق الأهواء عجيب في صناعة المناسب، وأسلوب الفساد غريب في اختياره، وكما أن الأهواء متقلبة وأساليب الفساد متنوعة، فإن مواصفات ذلك المناسب تكون على نفس الغرار والمنطق، وإن كان يجمعها في الحقيقة هدف واحد وطبيعة متسقة هي ضلال الطريق وفساد الأسلوب، وخراب الغاية، وضياع الحال والمال، والأمم المنحوسة التي تُبتلى بأمثال هؤلاء أمم مقضي عليها تهوي إلى الفساد والضياع والانحلال بسرعة الصاروخ، لأنها قد اختارت نحسها بيدها وسعت إلى حتفها بظلفها.

صناعة المناسب: فن وفراسة

والحقيقة أن اختيار المناسب حسب شروط مؤهلة للنجاح ليس سهلًا يستطيعه كل إنسان أو تقدر عليه كل أمة، لأنه يحتاج إلى رجال صدق وعزائم جد ونوايا خير، ويلزمه أمة يقظة وفكر حر، وسيادة دساتير واحترام تعاليم، وهو مع هذا فن وفراسة، فالعثور عليه هداية وفوز، والاستفادة منه إبداع وعبقرية، لأنه القاطرة التي تجر العربة، والرائد الذي تسير الأمة على هداه، والفكر والأسلوب والبيان والمثل الحي الدافع نحو الغاية، والقلم الذي يهدي إلى الصراط المستقيم، وصدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ يقول: «الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» لأن المناسب الذي ينبغي أن يحمل المنهج الإيماني يكون فريدًا في رجولته وإنسانيته، وحيدًا في صدقه وعطائه، متميزًا في عهده وميثاقه، ربانيًّا في جهاده وتضحيته، وصدق الله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).

الرؤية الإسلامية لانتقاء القيادات

وطبيعة الإسلام انتقائي القيادة، متطلع إلى جذب المناسب العظيم والعبقري البطل، ولهذا يقول- صلى الله عليه وسلم: «اللهم أعز الإسلام بأحب العمرين». ويقول: «الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». ويقول: «أنزلوا الناس منازلهم، ولا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم». ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ﴾ (الحديد: 10).

كما أنه لا بد وأن يختار المناسب اختيارًا بعد ثبات وعزيمة ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2). ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200). ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24).

دروس من قصة طالوت وأمانة الاختيار

كما أعطانا القرآن الكريم درسًا وافيًا في قصة طالوت وكشف لنا المستويات المتباينة للناس في عزماتهم ونفوسهم، فقد دلت التجربة على صلابة عود القائد المختار الذي لم ترعبه قوة الأعداء أو يهزه تخلف الكثرة من جنده عند التجربة الأولى، وتدل أيضًا على أنه لا بد للقائد المختار إذًا أن يبلو إرادة جيشه وصموده وصبره، صموده أولًا للرغبات والشهوات، وصبره ثانيًا على الفتن والمتاعب.

كما أن الاختيار المناسب أمانة، من تخطاها فقد خان الأمة وخان المنهج وخان الإنسانية وخان الله، ولهذا يقول- عليه الصلاة والسلام-: «من استعمل رجلًا على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين».

المعايير الضابطة في السنة العملية

والاختيار في الإسلام للمناسب يكون بمقاييس ومعايير ضابطة منطبقة على طبيعة المهمة ومواصفات المرحلة، وفي السنة العملية مواقف كثيرة تشرح ذلك وتوضحه؛ حيث كان يختار- صلى الله عليه وسلم- لكل مهمة وموقع الرجل المناسب حسب ما يرى فيه من صفات تؤهله لذلك. فقد اختار مصعب بن عمير داعية، واختار أبا بكر وعمر للشورى، واختار حذيفة بن اليمان ليكون صاحب السر، واختار أسامة وخالد للقيادة، ومعاذ بن جبل قاضيًا، ومنع أبا ذر الإمارة لضعفه، رغم ثنائه عليه في إيمانه.

وما أروع قول الأستاذ البنا في بيان أصناف الرجال: «إن رجل القول غير رجل العمل، ورجل العمل غير رجل الجهاد، ورجل الجهاد فقط غير رجل الجهاد المنتج الحكيم الذي يؤدي جهاده إلى أعظم الربح بأقل التضحيات...»، والحقيقة أن هناك فرقًا بين اختيار المبدعين للمناسب وبين اختيار غير المناسب للمناسب، فهل نفهم هذا ونعيه؟


مقال يستعرض أزمة اختيار الكفاءات في العالم الثالث ومواصفات الرجل المناسب من منظور إسلامي تاريخي قائم على الأمانة والقدرة. الكلمة المفتاحية: 

 

الرجل المناسب في المكان المناسب

الرابط المختصر :