; إشكالية الصراع بين الأجيال في ساحة العمل الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان إشكالية الصراع بين الأجيال في ساحة العمل الإسلامي

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1996

مشاهدات 78

نشر في العدد 1196

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 16-أبريل-1996

• تفوق القيادة يبرز من خلال قدرتها على استيعاب كل الأجيال، والتعامل مع جميع الأعمار، والاستفادة من كل الطاقات والخبرات

أخذت تبرز- ومنذ فترة ليست بالقريبة- «إشكالية جديدة» على ساحة العمل الإسلامي، وضمن الشريحة الواحدة، وهي إشكالية الصراع بين أجيال الحركة.

ومن أعراض ومظاهر هذه الإشكالية حدوث التنافر والتناقض، وعدم قيام التعامل والتعاون والتكامل بين الأجيال المختلفة.

وهذا لا يعني غياب هذه الإشكالية بين أبناء «الجيل الواحد»، إنما نحن لسنا بصدد الكلام في هذا المقام عن هذا الجانب.

هل الصراع بين الأجيال طبيعي، وإلى أي حد؟

إن اختلاف «وجهات النظر» في القضية الواحدة، بين أهل الجيل الواحد أمر بديهي وطبيعي، لتفاوت القدرات العقلية والملكات الذهنية، ولاختلاف الزوايا التي ينظر من خلالها إلى كل قضية، وهذا من شأنه أن يثري البحث، وينضج الرؤية، ويمنحها أبعادًا متعددة ومتنوعة.

وإذا كان ذلك حاصلًا بين أبناء الجيل الواحد، فمن الطبيعي بل الحتمي أن تكون نسبة حدوثه أكبر بين جيل وجيل، إنما من غير الطبيعي أن يؤدي «الاختلاف» إلى «الخلاف»، بل إلى الصراع والشقاق والنزاع، مما يذهب الود، ويوقع الشحناء.

إن الصراع ليس نتيجة «اختلاف العقول»، بل نتيجة «تنافر القلوب» واتباع الهوى، وتحكم المزاج.. «ضرب الله قلوب بعضهم ببعض».

من آثار هذه الظاهرة المرضية

قد تكون هذه الإشكالية من أخطر ما يواجه الحركات الإسلامية من مشكلات وإشكاليات داخلية، لما لها من آثار مدمرة على كل صعيد:

١- فعلى صعيد البنية التنظيمية والحركية، يؤدي صراع الأجيال إلى ضعفها وخلخلتها وتداعيها.

٢- وعلى صعيد العلاقات الأخوية؛ فإن هذه الظاهرة تعمل على إضعافها وتقويضها وإفسادها..

٣- وعلى صعيد «المؤهلات والطاقات» تؤدي إلى تعطيلها وتجميدها وخسارتها.

٤- وعلى صعيد الخطوات والمخططات تؤدي إلى إفشالها وتعثرها وتخبطها.

٥- وعلى صعيد المواجهات والتحديات و«حركة التدافع» تؤدي إلى الانشغال عنها، وعدم التحضير والتهيؤ لها، والمفاجأة بها..

٦- وعلى صعيد السمع والطاعة تؤدي إلى عكسها، حيث يحل التمرد والعصيان والانشقاق. 

من أسباب هذه الظاهرة

هنالك أسباب كثيرة وراء هذه الظاهرة نذكر منها ما يلي:

١- حرص «الأجيال المتقدمة» على الاستئثار بالموقع القيادي، بداعي أنها الأحرص على «مصلحة العمل والدعوة».. وأنها صاحبة التجربة والخبرة والسبق والحكمة..

٢- غياب التأهيل القيادي للأجيال المتعاقبة لتأخذ مواقعها، وتؤدي دورها بجودة وإتقان، ولإسقاط ذرائع التخوف وهواجس الخوف من «الجديد».

٣- عدم التسليم بوجود جدارات ومؤهلات لدى بعض الأجيال المتعاقبة تفوق ما لدى الأجيال المتقدمة، إذ الأهلية ليست حكرًا على الاعتبارات التاريخية، فقد يكون القديم «فاشلًا» والجديد «ناجحًا»، وقد يكون القديم «جاهلًا» والجديد «عالمًا» وقد يكون العكس.. والمطلوب: وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، بصرف النظر عن كل الاعتبارات..

٤- تفاقم داء« العجب» والاعتداد بالرأي، ولقد حذر الرسول- صلى الله عليه وسلم- من مغبة هذه الظاهرة بقوله: «إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه.. فعليك بخاصية نفسك».

ومن البدع الجديدة على الساحة الإسلامية شعار «نحن رجال وهم رجال»، وهذه البدعة والمقولة من شأنها أن تسقط «سنة» التفاضل وقاعدة ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾(يوسف:76).. وتجعل كل الناس علماء ومعلمين لا طلابًا ومتعلمين.

من نتائج هذه الظاهرة

من نتائج ومخلفات ظاهرة التحجيم والتهميش التي تواجه الأجيال الجديدة:

١- تولد حالة سلبية تختلف نسبيًا بين شخص وآخر.

فمنهم من يصاب بالإحباط واليأس سريعًا، فيترك العمل الجماعي، ويؤسس عملًا فرديًا مستقلًّا..

ومنهم من يبقى منتظرًا الفرج– على قائمة الانتظار– ورضى أهل الدار والكبار.

ومنهم من يرى في الظاهرة انحرافًا وإسفافًا عن المنهج السليم، وتفريطًا في مصلحة الدعوة، واحتكارًا غير مبرر للمواقع والمسؤوليات، فيعمد إلى التقويم، أخطأ أم أصاب؟؟

ومنهم من يركب الموجة– لهوى عنده.. أو لغاية في نفس يعقوب– فيلجأ إلى التخريب، ويخبط خبط عشواه، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا..

وفي هذه الأجواء المحمومة والمناخات المسمومة، يتسلل الشيطان تحت أية ذريعة لتحريك الفتن بين الأجيال، ولدفع عجلة الصراع، ولرفع مستوى النزاع، ليصل بها إلى الطريق المسدود بعيدًا عن ملاحظة المصلحة العامة والعليا التي يجب أن تحكم تصرفات ومسارات الجميع.

الموقف الشرعي «المبدئي والتطبيقي» حيال هذه الظاهرة

لاستكشاف الموقف الشرعي حيال هذه الإشكالية، مطلوب من الجميع عملية استقصاء للنصوص الشرعية تجاه هذه الظاهرة، وكيفية التعامل معها، والتحصن منها.. وصولًا إلى معالجة جذرية وسريعة لهذه الآفة التي تتهدد الكيانات الإسلامية الحركية في أكثر من بلد، وتشكل فتائل تفجير وقنابل موقوتة لا تبقي ولا تذر.

أولًا: الأصل أن يتعاون الجميع على مختلف أجيالهم ومواقعهم وقدراتهم وإمكاناتهم، وأن يتنافسوا في البذل والعطاء.. في إطار منظومة متلاحمة متماسكة متناغمة، لا مكان فيها لتحاسد أو تناقض، ولا مساحة فيها لتهميش أو تحجيم، وعلى أساس القاعدة القرآنية ﴿ِوَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ٢)، وعلى أساس القاعدة النبوية «المسلمون تتكافأ دماؤهم... يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم».

ثانيًا: الأصل متانة وصلابة البنية «قلبًا وقالبًا»، وليس هشاشتها وضعفها وتشرذمها، وعلى أساس القاعدة القرآنية ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال:٤٦)، وعلى أساس القاعدة النبوية: «المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا». 

ثالثًا: الأصل أن يوفر الصغير الكبير، وأن يرحم الكبير الصغير.. وأن يقدم الأوفر علمًا وخبرة وعملًا إلى الموقع المتناسب مع مؤهلاته، سواء كان من هذا الجيل أو ذاك.

وللإسلاميين في رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة في عملية توزيع المهمات وإسناد المسؤوليات، وتسخير الطاقات على مختلف الأعمار والأجيال، ليكثر العطاء ويعظم، وتعم الفائدة وتتسع:

فلقد عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى «مصعب بن عمير» وهو شاب «بإمارة الدعوة» في المدينة، وفي المسلمين من هو أكبر منه سنًا.

وقلد «أسامة بن زيد» إمارة الجيش وهو شاب، وفي المسلمين كبار الصحابة.. وتوفي رسول الله، فأثبت الخليفة الأول «أبو بكر الصديق» ما اعتمده الرسول من قبل.

واختار الرسول لصحبته في الهجرة إلى المدينة «أبا بكر الصديق– رضي الله عنه– إشارة إلى فضله، وتكريمًا لسابقته وسبقه في الإسلام، وحصافة رأيه.

وعقد الراية يوم خيبر «لعلي بن أبي طالب»- كرم الله وجهه- وهو يقول: «سأعطي الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله»، وضعًا للأمور في مواضعها، ولإشعار كل ذي فضل بفضله وأهميته وجدارته.

وكلف رسول الله «ابن أم مكتوم» وهو الأعمى الكفيف بإمامة المسلمين في الصلاة يوم بدر، لإشعار أي فرد في المجتمع الإسلامي بأن له دورًا يؤديه.

وتكريمًا من رسول الله لغير العرب من المسلمين قال: «سلمان منا أهل البيت».

وحفظًا من رسول الله لفضل أهل الفضل، ويوم وقع من «حاطب بن أبي بلتعة» ما يعتبر خيانة سياسية– كانت في نظر عمر بن الخطاب تستوجب الإعدام– قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رأيك لو أن الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم».

وفور وقوع تجريح شخصي من «أبي ذر الغفاري»– رضي الله عنه– بحق «بلال بن رباح الحبشي»– رضي الله عنه– حيث ناداه يا ابن السوداء.. طلب الرسول من «أبي ذر» أن يبادر سريعًا وفورًا للاعتذار.. وانصاع «أبو ذر» ووضع رأسه على الأرض طالبًا من بلال أن يطأ رأسه بقدمه؛ ليكفر عن قولته.

وكان الصحابة يقولون: «أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا» تأكيدًا على احترام الجميع للجميع.. وهكذا يحفل العهد النبوي والتاريخ الإسلامي بالأمثال التي تؤكد على احترام الجميع، وتفعيل دور الجميع، وإنزال كل الناس منازلهم، دون أن ينتقص منها شيء.

حكمة الشيوخ.. وخفة الشباب ليست بالمطلق

وإذا كنا نسلم بمقولة «حكمة الشيوخ» إنما ليس بالمطلق، وكذلك مقولة «خفة أو تهور الشباب».. فقد نجد توقدًا وذكاء وحصافة لدى الشباب، وتبلدًا وغباء لدى الشيوخ.. والقضية تبقى نسبية..

ولقد قال «هرم بن قطبة» أحد حكماء العرب «عليكم بالحديث السن، الحديد الذهن» .. وقالت العرب: «عليكم بمشاورة الشباب؛ فإنهم ينتجون رأيًا لم ينله طول القدم، ولا استولت عليه رطوبة الهرم»

الخلاصة

والخلاصة أن القيادة يبرز تفوقها من خلال قدرتها على استيعاب كل الأجيال، والتعامل مع جميع الأعمار، والاستفادة من كل الطاقات والخبرات وعدم السماح بتعطيل إمكانية من الإمكانيات.

إن القيادة التي لا تستطيع ذلك، والحركة التي تعجز عن ذلك، تكون هي المسئولة ابتداء عن ضمورها وتراجعها.. وعدم تطورها وتناميها، وعن تكرار نفسها، وتحجيم ذاتها، وتعليب قدراتها وطاقاتها.. ثم إن الحركة الإسلامية المرشحة لأن تقود الجماهير، وتكون حركة الأمة، فضلًا عن حركة «النخبة والتنظيم»، يجب أن تتمتع بقدرة كبيرة على الاستيعاب.. وأن تكون سعة «وعائها النفسي» بلا حدود، وفي مستوى القول النبوي المضيء: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم».

الرابط المختصر :