; إشكالية الديمقراطية في الصراع العربي الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان إشكالية الديمقراطية في الصراع العربي الصهيوني

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 15-يناير-2011

مشاهدات 73

نشر في العدد 1935

نشر في الصفحة 66

السبت 15-يناير-2011

يرفع الغرب شعار الديمقراطية والتحمس لنشرها في العالم العربي، وبالفعل، فإن الولايات المتحدة في عهد الرئيس «بوش» الابن قد وضعت نشر الديمقراطية في العالم العربي على رأس الأولويات للسياسة الأمريكية: مما أدى إلى صدامات بين واشنطن وبعض الدول العربية، كما نشطت مقترحات ومبادرات الدول العربية تارة لإصلاح الجامعة العربية، وتارة أخرى لنشر الديمقراطية في العالم العربي وقد ثبت أن واشنطن كانت تريد إحراج الدول العربية في الوقت التي تمتدح فيه الديمقراطية في «إسرائيل».. ومن ناحية أخرى، فإن الأخيرة ظلت تتذرع بأن السلام غير ممكن مع العرب لافتقارهم الي الديمقراطية  .

علي الجانب الأخر ، كانت هزيمة 1967م في مصر سببًا إضافيًا لتأجيل الديمقراطية لأن إزالة آثار العدوان تصدرت جدول أعمال الحكومة المصرية والدول العربية الأخرى وقد ظلت الشعوب العربية تعلي من شأن الديمقراطية الإسرائيلية، لدرجة أن هناك تيارا في الفكر العربي كان يرى -ولا يزال- أن الصراع بين العرب و إسرائيل صراع على أيهما أولى بالبقاء بسبب نظامه الديمقراطي، وانتهى هذا التيار إلى نتيجة مؤداها أن ديمقراطية النظم العربية هي الحل لأزمتها مع « إسرائيل».

بل إن بعضهم ذهب إلى أن نجاح « إسرائيل» سببه تمسكهم بدينهم، وهناك من بالغ وقال إن اليهودية أو المسيحية ترشد أتباعها إلى طريق التقدم الصحيح مادامت الدول المتقدمة كلها إما يهودية أو مسيحية، وإن التخلف لصيق بالدول الإسلامية مما دفع التيار العلماني في العالم العربي إلى التأكيد على أن الإسلام صنو التخلف، وأن غير الاسلام هو طريق التقدم .

ثم بدأت تتكشف أمور اختبرت كل هذه المقولات وأوضحت حقيقة الأمر،حيث ظهرت دول اسلامية تقدمت في جميع المجالات بالعلم والعمل والجهد مثل ماليزيا، وظهرت تركيا أشد رسوخًا في الديمقراطية، وتحلق في سماوات التقدم الاقتصادي، وتكاد تتمرد على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فبددت أسطورة الربط بين الإسلام والدكتاتورية، وبين الإسلام والتخلف، وأكدت أن التقدم والتخلف لا علاقة له بالدين، بل إن المسلمين أولى من غيرهم بالتقدم لو كان للدين دور في التقدم والتخلف فجوهر الصراع بين العرب وإسرائيل هو المشروع السياسي الاستعماري الذي تقوده، والانحياز الغربي لهذا المشروع.

ومما يذكر أن «إسرائيل» كانت قد أصرت على أن ديمقراطية الفلسطينيين ستمكنهم من أن يكونوا شركاء مع الديمقراطية في «إسرائيل» لصناعة السلام، وبالفعل جرت انتخابات نزيهة في فلسطين فازت فيها «حماس»، فبدأت الحرب على «حماس».

والحق أن الدراسات المتواترة لظواهر العالم العربي وجوانب الصراع العربي »الإسرائيلي» أظهرت أن «إسرائيل» لا تريد ديمقراطية في العالم العربي، بعد أن أصبحت تؤدي لهزيمة «إسرائيل» معنويًا وحضاريًا، وهي تذكر أن النظم العسكرية كانت تبرر وجودها باستمرار الصراع الذي يتطلب قيادات عسكرية، ولكنها أدركت بعد ذلك أن الديمقراطية تعني اختيار أفضل الكفاءات وتغلب المصالح الوطنية على المصالح الخاصة، بحيث تصبح الديمقراطية هي المشروع القومي في العالم العربي؛ فينهي ذلك احتكار «إسرائيل» للديمقراطية كورقة رابحة عند الغرب، مع فارق حاسم وهو أن ديمقراطية «إسرائيل» عندما تعلو فإنها تعزز أشد العناصر عنصرية ويمينية وسعيا إلى طرد الفلسطينيين، وقد رأينا ما حدث في محرقة غزة، كيف أن كل القوى السياسية قبيل الانتخابات راهنت على أن حظوظها في الفوز تتوقف على ارتكاب أكبر قدر من المحارق ضد الشعب الفلسطيني، بعد أن قررت «إسرائيل» أن فلسطين لا تتسع لشعبين، وإن كانت تتشدق بنظرية حل الدولتين، وهي تعلم أنها تريد كل فلسطين، وتبيد الشعب الفلسطيني باعتباره هو الشعب الغاصب لهذه الأرض.

 وقد ظهر اتجاه في الفكر العربي يرى أن «إسرائيل» والغرب لا يريدان ديمقراطية حقة، وأن بعض النظم العربية قد رهنت بقاءها وسكوت الغرب على سلوكها مقابل المصالح «الإسرائيلية« والغربية.

ولكن تيار الديمقراطية أصبح الآن أشد قوة والحاحا طلبا للكفاءة في أداء النظم وتعظيما للموارد الوطنية، وانحيازًا للمصالح الوطنية الحقة، ولاشك أن هجمة المشروع الصهيوني على العالم العربي والاتجاه إلى تفتيته تجعل الديمقراطية هي الأداة الأكثر نجاحًا كمشروع وطني يقي الأوطان العربية من التفتيت الإقليمي والطائفي والعرقي، كما أن شيوع الديمقراطية في كل الوطن العربي سيؤدي إلى الوحدة العربية تماما كما فعلت أوروبا، ولذلك يجب العمل من أجل الديمقراطية بالوعي والعلم وفرز المصالح الوطنية والتمسك بالحقوق في الدساتير العربية، فلم يعد أمامنا سوى الخيار الديمقراطي لمواجهة هذا الأخطبوط، كما أن الديمقراطية سوف ترغم الغرب على الانحياز المصالحة مع العالم العربي.

وأخيرًا، نؤكد أن الديمقراطية من خلال انتخابات نزيهة تفرز ما يراه الشعب صالحا لخدمة مصالحه هي حق للمواطن العربي بعد أن صار الحق في الديمقراطية من أهم مبادئ القانون الدولي، كما صار إنكار هذا الحق سببًا للإدانة الجنائية الدولية، ولذلك يجب على «إسرائيل» وأوروبا أن تستوعبا هذه الحقائق، فقد مضى زمن التواطؤ مع بعض النظم لنهب موارد الشعوب، وإطلاق يد النظم في العبث بمصالح هذه الشعوب في ديمقراطيات هزلية .

(*)خبير في القانون الدولي-مصر

الرابط المختصر :