; إشكالية التأصيل الثقافي بين التجريد والتجسيد | مجلة المجتمع

العنوان إشكالية التأصيل الثقافي بين التجريد والتجسيد

الكاتب خضير جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1999

مشاهدات 79

نشر في العدد 1334

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 12-يناير-1999

 تتبعت آراء اللغويين في معنى الثقافة فوجدتها شتى ولا يجمعها جامع، فهي عند قوم ثقف ثقافة، أي صار حاذقًا خفيفًا، وتعني حذق الكلام وفهمه بسرعة، كما تعني ظفر بالشيء وأدركه ولقفة بالرمح طعنه.

كما تعني عند أبي حنيفة ثقف الرمح: قومه، وسواه، وثقف الولد: هذبه وعلمه فتهذب وتعلم فهو مثقف والمثقف هو الرمح في عرف الشعراء.

 والثقافة آلة تُثقف بها الرماح وتسوى، وهي عند ابن منظور أصالة وثبات، فهو ثقف أي ذو قطنة وثابت المعرفة بما يحتاج إليه.

والثقافة: التمكن من العلوم والفنون والآداب، وهي عند ابن السكيت مسؤولية والتزام، حيث يقول: رجل ثقف إذا كان ضابطًا لما يحويه قائمًا به.

والجامع لها حقًا هو ذلك الذي استوعب كل معاني الخير فيها وصير منها التزامًا واستقامة وأصالة ومسؤولية، ثم طبع بها نفسه، فأطل بها على الدنيا يتوسم فيه الرائي كل معاني الجلال والجمال والكمال وحسن الفعال.

وهذا هو المثقف الذي ننشد والذي لو توشح معها بحل التقوى وأثواب الإيمان، وتسربل بلباس الإسلام، فذلك هو القدوة والأسوة والمصداق الأمثل لإنسانية الإنسان.

إن الثقافة الإسلامية الأصيلة هي التي يشع صاحبها نبلًا وقيمًا، وينضح حبًا ورحمة ويترجمها سلوكًا وتواضعًا، ومصاديق عمل تحكي روعة مضامين ما تعلم، أما أن تتحول الثقافة إلى سطور تكلف، وتعابير استعلاء ودفاتر محفوظات ينظر أصحابها لمن دونهم باستخفاف وتعال يفتقر إلى المبررات، فتلك مأساة الثقافة ومصرعها وانزواوا في رفوف المكتبات وتعاريج الذاكرة المتكلسة، وتضاريس العقول الغائبة المغيبة عن ميادين الحياة ومعتركاتها المكتظة بالتناقضات وبالأسئلة الحائرة التي تبحث عمن يجيب عنها بأفعال وأعمال لا بألفاظ وأقوال لأن الثقافة لم تعد في عالم التحديات سعة اطلاع، ولا في ساحات المنازلة والصراع مطالعة واستمتاع، وإنما هي ها مسؤولية والتزام، ومنهج سلوك، واستقامة وهموم، واهتمام كما هي تهذيب وتعليم وتقويم، وأن أمة يتقدمها لواء الثقافة أمة راشدة صاعدة، ومجتمع ربان سفينته المثقفون سوف لا تخطئ بوصلتها مرافئ الأمن والسلام والازدهار، لأن سيادة الثقافة تحصين للأمة من الزيغ والضلال والانحراف والانحلال واحترام المثقفين والأنس بآرائهم ورؤاهم ترشيد للمسيرة وتنضيج لطبخة الوعي على نار هادئة، وتجسيد لأمنية التسيير و الذاتي وقطع الدابر الاستلاب والاغتراب والاحتراب.

وأنماط الثقافة التي تراودها تريد منها العمق وسعة الأفق: عمق في التخصص لتأهيل المرجعيات المعرفية وتموينها بالمزيد من كل ما هو مفيد وجديد في مواجهة التهديدات والتحديات والمشكلات لإرساء ركائز البناء والتنمية والارتقاء، وسعة في الأفق لمعرفة ما حولنا من ألوان وظلال وأحوال وأهوال والتحديق فيها بعيون واسعة والمثقف الذي نحن بحاجة إليه رسالي ملتزم يحترم الكلمة، ويفهمها همومًا ومسؤوليات ويحملها قيمًا واستحقاقات، ويصيرها أدوات عمل ومجسات إدراك وتشخيص للواقع والحاضر، ويصنعها آليات للتغيير والتطوير واستشراف للمستقبل، وبالتالي انتقال المثقفين من منصات التنظير الفوقي وجنائن الترف الفكري، ومقاهي الجدل الباهت إلى خنادق العمل وورشات التفعيل الجدي للرأي الصائب، والرؤية السليمة.

إن الثقافة المطلوبة هي ثقافة العمل والممارسة وثقافة التماس اليومي بمشكلات الناس وملامسة الواقع الاجتماعي من خلال العيش فيه والتعايش معه والنزول إلى ميادينه وساحاته للتفاعل معها والتدافع فيها مع من يتعاطى التغيير باتجاهات مغايرة لإرادة الأمة وأهدافها، ويمتهن التخريب والتغريب والترهيب في أوساطها لبسط نفوذه أو نفوذ من يتولاه من أولياء نعمته، عندها تكون للكلمة معان جديدة، والمصطلحات فهم أكثر واقعية وللمعلومات تأثير وتغيير تختزل مسافات التواصل بين النظرية والتطبيق، والتجريد والتجسيد لأن الذين ينظرون للآخرين من أبراجهم ولم يكتووا بنار الكدح، ولم يلامسوا حرارة الواقع، وضنك التدافع على أرض العمل وميادين الاحتكاك غير مؤهلين لتوجيه مسار قافلة الأمة، وتحريك كتائبها وأفواجها نحو الهدف.

لقد أثمرت صيرورة الثقافة في الغرب مشروعًا للعمل كل التحولات الهائلة التي قفزت به نحو السمو والتقدم والازدهار المدني بعد أن تخلت عن سفسطة الجدل ومنتديات الفكر النائي عن يوميات الحياة ومتطلباتها، ولذلك تجاوزت حتى أسوار الطموح وغيرت كل المعادلات وبسطت جناح الهيمنة على مناحي الحياة فنًا وصناعة، واقتصادًا وسياسة وأدبًا، أبت معها أخيرًا إلا أن نفرض أنماطها على العالمين، بينما ظل عالمنا الإسلامي برغم ما يمتلكه من أسباب النهوض حبيس الفهم الخاطئ لرسالته الخالدة وحضارته الرائدة، وثقافته التي حمل أسفارها ولم يتعب نفسه في تمثيلها وتفعيلها فرضي لنفسه موقعًا في مؤخرة الركب البشري اطلقوا عليه مصطلح العالم الثالث وهي اللفظة المهذبة للتخلف والمرادفة للبدائية والانسحاق ويحضرني هنا قول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقرنهم العشر، فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من -العمل- فيُعلمهم القرآن والعمل جميعًا. (تفسير القرطبي جـ1 /39). 

وهذا هو سر الطفرة الحضارية التي أوجدها الإسلام على الأرض، الأمر الذي يدعو فرسان الثقافة الإسلامية إلى هزة في الواقع، وصرخة في الأعماق، وثورة على مناهج التسطيح الثقافي وتعاطيها العقيم مع الحياة، وتغير برامج ثقافتنا وآلياتها، وليس روحها الأصيل وجوهرها النقي على أمل أن نصير من بروج منظريها ورشات عمل، ومن منصات متكلميها خنادق جهاد، ومن صالونات جدلها مشاريع تنمية ومن رؤاها الحالمة مواقف مسؤولة، ومواقع إنتاج وفعل، عندها نكون قد وضعنا الثقافة على سكة التقدم ورتبنا عربات زحفها خلف قاطرة الصواب نحو غد سعيد رغيد، وإلا فثقافة بلا إبداع، وأفكار بلا اتباع، لا تعدو أن تكون ألفاظًا خاوية لا حركة فيها ولا روح، ونظريات سقيمة ميتة أكل الدهر عليها وشرب، ولن يكون الرضا بما آلت إليه إشكالية جمود ثقافتنا والأسى على خمود مثقفينا إلا بكائيات على ماض مجيد فحسب، أقل ما يقال فيه أنه إسامة للثقافة الإسلامية الأصيلة الفاعلة، إن لم يكن تحريفًا لها وتخريفًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 98

138

الثلاثاء 02-مايو-1972

صفحات حرة "98"