العنوان إشكاليات دعوية وحركية في غيبة المرجعية الراشدة المرشدة (2من 2)
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1995
مشاهدات 65
نشر في العدد 1180
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 19-ديسمبر-1995
- لقد أصبحت الحالة الإسلامية اليوم صوتًا ربانيًا يدوي في أرجاء المعمورة بدعوة الإسلام.
- الإسلام بين حقوق الإنسان ووضع القوانين لصيانتها وحفظها قبل قرون طويلة من قيام المنظمات الدولية لتحقيق هذا العرض.
- وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه المعادلات والموازنات، وتتعطل عملية التوزيع الإلهي للمواهب والقدرات، والذي يؤدي إلى عدم قيام عمل قوي وفعال، كما يؤدي إلى تراكم الأعباء والمهمات على كاهل فريق واحد وعدد محدود من الأشخاص، يتصدرون لكل قضية ولو كانت خارجة عن دائرة اختصاصهم وفوق مستوى قدرتهم، ومما يؤدي إلى حال الفوضى والنزاع والتدابر والتذمر وصولاً إلى التداعي والانهيار.
- وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الخطاب، ويتعطل تطويره ليكون على مستوى العصر وبلغة العصر، وفي ضوء الواقع والمخاطبين، وبذلك ينقص أثره ويكثر ضرره، ولا يؤدي غرضه، وهذا مخالف للتوجيه النبوي الراشد: «أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم»، «خاطبوا الناس على قدر عقولهم».
- وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الحوار، ويصبح المراء سيد الموقف بين الدعاة، بينما يصبح الهدف من كل نقاش تسجيل المواقف، ولو من خلال تسفيه آراء الآخرين وتشويه صورتهم، مع أن التوجيه النبوي يدعونا إلى: «أن نأخذ الحق ممن جاء به كبيرًا أو صغيرًا، ولو كان بغيضاً بعيدًا، وأن نرد الباطل على من جاء به صغيرًا أو كبيرًا، ولو كان حبيبًا قريبًا»، حيث المهم بالنتيجة الوصول إلى الحق والهدى بصرف النظر عن آلية الوصول.
- وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الدعوة، ويصبح العاملون في الحقل الإسلامي قضاة لا دعاة، بينما المطلوب أن يكون الداعية طبيبًا، ومعلماً، ومربيًا، يعالج المشكلات، ويضمد الجراحات، ويكفكف الدموع، وينفس الآهات، ويأخذ بأيدي التائهين والمنحرفين إلى صراط الله المستقيم.
ليس المطلوب منه أن يكون رجلاً جلاداً ينهر الناس نهراً، ويصفعهم صفعاً، يعدهم ويتهددهم وكأنه نذير شؤم، ومسعر حرب، وقد نسي أن الدعوة تكون بالترغيب ثم الترهيب.
وصدق الرسول الأعظم حيث يقول: «من قال هلك الناس فهو أهلكهم».
- وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه التجرد، وتبرز ظاهرة التحكم في الإسلام، لا الاحتكام إليه، وظاهرة التذرع بالإسلام لا التماس الذريعة منه، وظاهرة التماس المبررات الشرعية لتغطية التقصير والهروب والفشل، وليس التعرف على الأحكام الشرعية لمعالجة هذه الآفات وغيرها.
وحبذا لو يعتمد الجميع قاعدة: «إن الرأي الصائب قد يحتمل الخطأ، والرأي الخاطئ قد يحتمل الصواب»، إذ ليس لأحد أن يدعي العصمة والصواب المطلق، ورحم الله امرَأ عرف حده فوقف عنده.
- وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الحسبة، وتبرز ظاهرة الانفصام والصراع بين الحالة الإسلامية والأنظمة الحاكمة، والمؤسسات الرسمية، وتتعطل قنوات الاتصال والتناصح والتواصل بين الفريقين، حتى يصل الأمر إلى إجازة تحريك الفتن، وتشجيع الاقتتال من غير إدراك لما سيجر ذلك على البلاد والعباد من ويلات ومآس، ومن غير فقه رشيد لنظام الحسبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام، ومن غير التزام بالقواعد الشرعية التي تؤكد على أن «درء المفاسد يقدم على جلب المنافع» والمبنية على قوله ﷺ: «دع الخير الذي عليه الشر يربو».
- وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يختفي الفقه السياسي، ويحل محله المزاج السياسي، الذي لا يرى الأشياء على حقيقتها، أو يراها بشكل مقلوب، ومعاكس للواقع، من خلال نصوص مجردة أو اجتهادات محددة يجري تطبيقها على الواقع من غير إدراك للواقع، ومن غير توفر لأبسط شروط الاجتهاد لدى المتصدرين، حيث تكون الطامة التي أشار إليها الرسول الأمين ﷺ: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا، ولكن ينتزعه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم قط اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».
- وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه التعامل مع غير المسلمين، وتبرز ظواهر لا تمت إلى الإسلام بصلة من تعديات على المنتمين إلى الطوائف الأخرى، وعلى مقدساتهم ومؤسساتهم، مما يخالف صريح قوله تعالى: ﴿ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: ٨)، كما يخالف صريح قول رسوله صلى الله عليه وسلم: «من أذى ذمياً فقد أذاني، ومن أذاني كنت خصمه يوم القيامة»، كما يخالف القاعدة النبوية الشريفة: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا».
لقد جهل هؤلاء أن الإسلام دين للبشرية جمعاء، عربهم وعجمهم، وليس ديناً للمسلمين فقط، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾
- وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الحرية، جملة وتفصيلًا، فمن حرية الاعتقاد «لا إكراه في الدين»، ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وحرية التوجيه والدعوة- ما دامت ضمن الأطر الشرعية، التي أجمع عليها جمهور الأمة- مما ينشأ عنه نمط الإرهاب الفكري، يجنح بالبعض إلى ممارسة التسلط على الساحة الإسلامية وتكفيرها، ومحاولة دفعها في اتجاه واحد، والرسول ﷺ يقول: «اختلاف صحابتي رحمة»، ويقول: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يلعن بعضكم بعضًا، ويضرب بعضكم رقاب بعض».
وصدق البوصيري، حيث يقول:
وكلهم من رسول الله ملتمس
غرفاً من البحر أو رشفا من الديم
- وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الجهاد، وتختلط الرؤيا بين معاني الجهاد الأصغر والكبير والأكبر.
كما يختلط ترتيب هذه الأصناف الجهادية بحسب الأولوية، فتبين معتبر الجهاد الأكبر هو جهاد الحكام، والجهاد الكبير هو جهاد العدو، والجهاد الصغير هو جهاد النفس، وبين من يفهم المعادلة في إطار الترتيب القرآني النبوي والمبني على قوله ﷺ بعد عودته من إحدى الغزوات: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر».
الحقيقة أن الجهاد الأكبر هو جهاد النفس، لأن طريق الانتصار على العدو إنما يبدأ بامتلاك قدرة الانتصار على النفس، وليس العكس، وصدق الله تعالى حيث يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١).
ووصية سيدنا عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص، وهو يقود جموع المجاهدين لمواجهة الفرس، خير دليل على ما نقول، وحيث يقول رضي الله عنه: «أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وأوصيك ومن معك بأن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم... إلخ».
- وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الأخوة، وحسن التعامل بين المسلمين، ويكثر الخلاف، ويتكاثر الشقاق والصراع، فتتمزق الصفوف، ويصبح بأس المسلمين بينهم، فيختفي واجب تلمس الأعذار، كما يختفي واجب التبين والتثبت، ويتراجع الإيثار، وتتعاظم الأثرة، وتشيع الغيبة والنميمة، ويندر الوفاء، ويستفحل مرض تتبع العورات، فتضعف الأخوة، ويتحقق في القوم قوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾ ويكون الحال خلاف وصفه تعالى ورسوله للمسلمين: «المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا»، «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر».
- وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الخلاف والاختلاف، فيتحول الاختلاف إلى تدابر وتنافر، وينتقل من حالة الخلاف الفكري المبدئي إلى حالة الخلاف الشخصي، حيث يكون التعصب للنفس أشد من التعصب للحق، وبذلك تسقط كل المقومات الأخلاقية والسلوكية بين المختلفين، وتختفي كل اعتبارات الأخوة والمحبة والمودة لتنقلب إلى عداء وكراهية وحقد، بل وإلى حب الانتقام.
وهذا معاكس للقاعدة الذهبية التي تقول: «إن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية».
وفي هذا يقوم الإمام تاج الدين السبكي: «إن المرء إذا لم يعرف الخلاف والمأخذ لا يكون فقيهاً إلى أن يلج الجمل في سم الخياط».
ويقول قتادة: «من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه».
وحبذا لو احتكم المختلفون إلى القواعد التالية:
1- إن المجتهد في المسائل الخلافية مأجور على اجتهاده، إذا لم يقصر، والإثم عنه مرفوع.
2- إن الاجتهاد لا ينقض بمثله لأنه لا اجتهاد أولى من الآخر، ولو صح نقض الاجتهاد بمثله لما حصل اجتهاد في الدنيا.
3- لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر المتفق عليه، إذا لا إنكار في مسائل الخلاف.
- وفي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الاحترام، وإنزال الناس منازلهم، ونسيان الفضل والسابقة بين الناس، فيتعالى الصغير على الكبير، ويسخر الكبير بالصغير، ويتساوى العالم مع الجاهل، وتحمل أحاديث رسول الله ﷺ: «الناس سواسية كأسنان المشط الواحد»، «كلكم لآدم وآدم من تراب»، وغيرها على غير مفاهيمها ومعانيها الحقيقية، وهذا مخالف بالكلية للنواميس والسنن الكونية التي جعلت الناس درجات في الفضل والعلم والتقوى وفي غيرها من أمور، وصدق الله تعالى حيث يقول: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (البقرة: ٢٣٧)، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١)، وصدق رسوله حيث يقول: «أنزلوا الناس منازلهم»، ويقول: «ليس منا من لم يوقر كبيره ويرحم صغيره»، ويقول: «فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب»، ويقول: «رحم الله أمرَأ عرف حده فوقف عنده» إلى ما لا نهاية له من آيات وأحاديث دالة على اختلاف مواقع الناس ومراتبهم في الدنيا والآخرة.
من كل ما تقدم أخلص إلى القول بأن غياب المرجعية الإسلامية الراشدة والمرشدة، والفاعلة، من شأنه أن يترك آثاراً سلبية كثيرة على ساحة العمل الإسلامي، مما يشوه صورة الإسلام، كما يشوه صورة المسلمين، في وقت يحتاج فيه العالم لهذا الدين القيم ليخرجه من بؤرة المشكلات التي يعاني منها على كل صعيد، ومما يعرقل أو يعطل عمل الفئة الواعية القائمة على الحق التي لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله.
إن الإسلام فرصة العالم الوحيدة للخروج من بؤرة التعاسة والشقاء إلى روضة السعادة والهناء.
من هنا كانت مسؤولية الدعاة دقيقة وكبيرة في تقديم الإسلام إلى العالم رسالة حضارية وعدالة وحرية، رسالة سلام وأمان، رسالة رحمة وخير، رسالة تملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلمًا وجورًا.
وأملنا بحمد الله كبير في أن المستقبل لهذا الدين الذي أصبح ملء أعين العالم وسمعه وبصره. ولا أكتم القارئ أنني أخال الحالة الإسلامية اليوم وكأنها صوت رباني يدوي في أرجاء المعمورة بدعوة الإسلام، وقد تجاوز كل الأطر التنظيمية والكيانات الحزبية الإسلامية وغير الإسلامية.
إنها صدى قول الله تعالى لإبراهيم عليه السلام يوم ابتعثه وحيداً إلى الناس وفي واد غير ذي زرع، وفي صحراء قاحلة لا حياة فيها ولا إنسان ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج:27)
إن دعاة الإسلام حتى يكونوا في مستوى هذا الدور العالمي، لابد وأن تتميز دعوتهم بجملة خصائص منها: الربانية: التي يجب أن تقوم عليها الدعوة ابتداء وانتهاء وسيلة ونهجاً وهدفًا... وأن يرتبط بها الدعاة قولاً وعملًا، بحيث يتحقق التجرد، وتخلص النوايا، وتصدق النفوس، ويحصل الهدي والتوفيق، ويتحقق فيهم قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162).
العلمية: التي يجب أن تُبنى عليها الدعوة وتتكون شخصية الدعاة من خلال فقه رشيد يلحظ مبادئ الشريعة، ويعرف طبيعة العصر، ويقرأ الأحداث كل الأحداث قراءة صحيحة، والداعية الحق هو «من عرف عصره واستقامت طريقته».
وعندها يكون العمل في مستوى العصر، ويكون الخطاب من مستوى العصر، ويكون الموقف في مستوى العصر، وتكون التربية في مستوى العصر.. إلخ، وإلا كان كل شيء خارج العصر، ليس سابقاً له وإنما متخلف عنه، وغير متصل به بحال من الأحوال.
الواقعية: وهي الخصيصة التي تفرزها العلمية لأنها وليدة الإدراك والمعرفة وبعد النظر، وملاحظة السنن الكونية، فيأتي العمل ملامسًا للواقع، معالجاً له بشمول وعمق وتوازن وكلية، فلا تفريط ولا إفراط، ولا ترخص ولا غلو، ولا هلاك بسبب تنطع، ولا إجهاض بسبب استعجال وتهور، وإنما حذر وابتعاد عن الحال الذي نهى الرسول عنه حين قال: «ألا هلك المتنطعون»، وقال: «إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهراً أبقى».
الحنيفية: التي تكسب الدعوة سماحة الإسلام «فهي حنيفية سمحاء»، إنها ليست طائفية، وليست تصعبية، وليست فئوية وليست عرقية، وليست مذهبية، وإنما إسلامية ولا بديل عن الحنيفية إلا التعصبية التي نهى البيان النبوي عنها حيث قال: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية، دعوها فإنها منتنة».
إني لأعجب حين أرى بعض المسلمين يبحثون عن قواسم مشتركة تجمعهم مع غير المسلمين، ثم هم يضيقون بمن يختلف معهم مذهبيًا من المسلمين، أو ليس الأقربون أولى بالمعروف في ثوابت هذا الدين؟
وشرائع الله، كما الحكمة والمصلحة تفرض على المسلمين الاجتماع لا التفرق، والتوحد لا التمزق، بكل ما لديهم من أسباب وقوى، وعلى كافة مستوياتهم، مع تنوع وتعدد مواقعهم، وانتماءاتهم المذهبية، والفئوية، والقطرية.
مطلوب تحقيق خطوات رائدة على طريق التقريب بين المذاهب لأنها- بحسب الأولويات- أولى من خطوة التقريب بين الطوائف، وإن كانت كل خطوات، ومحاولات التقارب، والتقريب ضرورية، ومطلوبة.
الجماهيرية: التي تعطي الدعوة والخطاب الدعوي بعداً عاماً تجريديًا، يتجاوز الأطر التنظيمية والحزبية والفئوية، كما يتجاوز مصالحها الخاصة جميعًا.
وإن الخطاب القرآني المتكرر الذي يبدأ بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ يقطع بوجوب ملاحظة هذا البعد الرسالي الذي من شأنه أن يجعل الناس كل الناس معنيين بالخطاب وليس فريقًا أو شريحة معينة منهم فحسب.
الإنسانية: التي حض الإسلام عليها، ودعا إليها، وعمل على تحقيقها، والتي كانت سببًا رئيسيًا في انتشار الدعوة في أنحاء المعمورة.
فالإسلام بين حقوق الإنسان، ووضع القوانين لصيانتها وحفظها، قبل قرون طويلة من قيام المنظمات الدولية لتحقيق هذا الغرض، والتي لم تتمكن من تحقيقه حتى اليوم.
إنها الإنسانية التي أعلنها الرسول ﷺ في بيانه التاريخي في حجة الوداع حيث قال: « إن الله حرم عليكم دماءكم وأعراضكم وأموالكم».
إنها إنسانية الحرية والديمقراطية.. إنسانية العدالة والمساواة، إنسانية الرأفة والرحمة، إنسانية الرفق والشفق.
إنها الإنسانية التي تجاوزت الرفق بالإنسان إلى الرفق بالحيوان.
إنها الإنسانية التي عناها رسول الله ﷺ: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه»، وقوله: «من أعطى الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة»
إنها الإنسانية التي جعلت الفاروق عمر بن الخطاب يقول: «والله لو عثرت بغلة في العراق لكان ابن الخطاب مسؤولاً عنها».
فأين هذه الإنسانية مما يشوه الساحة الإسلامية اليوم من ممارسات شاذة، وأعمال وتصرفات تقدم للعالم ذرائع، لاتهام الإسلام والمسلمين بالهمجية والإرهاب، وتشغل الساحة الإسلامية بفتن داخلية، وحروب استنزاف وتصرفها عن الخطر الداهم الذي يتهدد العالم العربي والإسلامي من خلال المشروع الصهيوني والنظام الشرق أوسطي.
وهنا لابد من التمييز بين من يمارس الإرهاب في مواجهة الكيان الصهيوني كحق من حقوق الدفاع عن النفس والمصير والأرض والعرض، كالذي تمارسه الانتفاضة المباركة في فلسطين المحتلة، وكالذي تمارسه المقاومة في الجنوب اللبناني المحتل، والذي يعنيه قول الله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ (الأنفال: 60)، وبين من يمارس الإرهاب من الداخل، ضد الوطن ومؤسساته ومواطنيه، كائناً ما كانت الأسباب والذرائع لأن هذا المنهج ليس هو النهج القرآني في التصحيح، وليس هو النهج النبوي في التغيير، وليس له من حصاد إلا المفاسد، والقاعدة الشرعية تقول: «إن درء المفاسد يقدم على جلب المنافع»، فكيف إن لم تكن من ورائه منافع البتة؟
إننا نعتبر أن موجة الإرهاب والدموية والعنف التي تمارس داخل الأوطان، وضد الأبرياء مسلمين كانوا أو غير مسلمين، ليست من طبيعة الإسلام، بل هي حالة شاذة، دفع إليها الجهل بحقيقة الإسلام عقيدة وشريعة، كما دفع إليها الجهل بالسنن والنواميس الكونية، وبالنهج الذي سار عليه الأنبياء والمرسلون جميعاً، والذي أكده خاتمهم عليه أفضل الصلاة والسلام.
هذا فضلاً عن كون بعض هذه الظواهر هو نتيجة استدراج واختراق من قبل أجهزة النظام العالمي الحاقد، والمشروع الصهيوني الماكر، من أجل جر الساحة الإسلامية إلى مقاتلها، وإلى أن تقدم على الانتحار باختيارها، وهذه هي الطامة الكبرى.
إن على الساحة الإسلامية أن تدرك أن بلوغ مواقع الحكم والقرار ليس شعاراً عبثيًا، ولا يمكن أن يتحقق بشعارات وخوارق، وإنما نتيجة طبيعية لصناعة الإنسان والمجتمع والوطن، ليكون في مستوى الرسالة اكتمالا وتكاملا، اتزانا وتوازناً، شعاراً ومحتوى، ومظهراً وجوهراً.
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾