; «شبكة القادة».. جيل يصنعونه بأيديهم وفي مختبراتهم الاندماج مع العدو | مجلة المجتمع

العنوان «شبكة القادة».. جيل يصنعونه بأيديهم وفي مختبراتهم الاندماج مع العدو

الكاتب عاصم مهدي المقدسي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-2000

مشاهدات 64

نشر في العدد 1395

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 11-أبريل-2000

■ مشروع متعدد المراحل لغسل مخ الشباب العربي حتى يتحولوا إلى أبواق للصلح مع الصهاينة.

■ بذر بذوره مركز شيمون بيريز بنمويل ذوريجي ودعم أمريكي.. وتنقلت معسكراته بين سبع مدن عربية وغربية.

■ معايشة مختلطة بين فتيات وفتيان.. وحلقات نقاش جماعي تمتد لثلاث ساعات يوميًا تجري فيها مواجهات عاطفية يشرف عليها منسقون مدربون.

■ اختبار الأعضاء دون النظر إلى خلفياتهم الاجتماعية وإنما على أساس أدائهم الدراسي وقدراتهم القيادية.

■ كلينتون الراعي الأكبر للمشروع.. وأولبريت تحضر اجتماعاته ومعسكراته وتشارك في مناقشاته.

■ عام ألفين.. العام الدولي للتطبيع بقيادة جماعات كوبنهاجن واتجاه لغزو مناهج التعليم بثقافة بذور السلام!.

إن جوهر الإسلام- منذ أنزله الله إلى الرسالة الخاتمة- هو إرساء السلام في النفس البشرية لتتناغم مقوماتها وملكاتها- جسمًا وعقلًا وروحًا- فلا صراع ولا تمزق، بل توجه موحد إلى إقامة علاقة سلام حقيقي مع الخالق والمخلوقين على السواء: استسلامًا للخالق «السلام» أساسه العلم والإيمان والحب، وانسجامًا وتعاونًا على البر والتقوى مع كل المخلوقين لأداء رسالة الإسلام: الخلافة والإعمار بالحق، ومواجهة الشر والحقد وسائر الرذائل ليعم السلام في الدنيا قبل الآخرة.

الإسلام أسمه أيضًا «السلم»، والمسلمون مأمورون أن يدخلوا في السلم كاملًا، مع نهي مشدّد عن الاستسلام لمخططات أعدائهم من الشياطين الذين يبذلون كل جهد كي يأخذوهم بعيدًا عن السلم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (سورة البقرة آية: ١٠٨)، والجنة- مبتغى كل مسلم هي «دار السلام»، والتحية المأمور بها بين المسلمين في جميع الأوقات والأحوال، بدءًا وجوابًا، هي «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

لقد حمل المسلمون هذا الرسالة التي أمنوا بها والتزموا بدستورها عملًا، وخرجوا بها دعاة سلام وعدل وأخوة إلى الناس جميعًا.

أما يهود فقد سجل الله سبحانه وتعالى تاريخهم، جعله جزءًا من كتابه القرآن الذي تكفل هو سبحانه بحفظه ليبقى سجلًا للبشرية إلى يوم الدين، عرفناهم أول أمرهم أبناء يعقوب «إسرائيل» عليه السلام بأرض فلسطين. كانت أول غدراتهم:

﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (سورة يوسف آية: ٨).

وسكنوا مصر ضيوفًا على أخيهم «عليه السلام» بعد ندمهم على ما فعلوا، «ثم أخذت ذرياتهم تميل إلى جمع الأموال وعبادة الذهب، ومعاملة الناس بالأنانية المفرطة» «مكائد يهودية عبر التاريخ الميداني، ص۲۱»، وكان قارون نموذجًا صارخًا لهذا التوجه، فخسف الله به وبداره الأرض، وسلط الله فرعون على بني إسرائيل فسامهم سوء العذاب، ثم أنجاهم الله على يد موسى، ورأوا من عجائب قدرة الله في ذلك ما لم يره غيرهم، ومع ذلك فبمجرد خروجهم من البحر بمعجزة بالغة، وبعد أن رأوا غرق فرعون وجيشه أمامهم.

﴿فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (سورة الأعراف آية: ١٣٨).

ثم عبدوا تمثال عجل صنعوه من ذهب سرقوه من المصريين، ﴿ حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ ط فَقَذَفْنَاهَا﴾ (سورة طه آية: ٨٧) «بل زعموا أن موسى «عليه منا السلام» هو الذي أمرهم بذلك «العهد القديم، سفر الخروج ، ١٢: ٣٦»، ولما رأوا عجل الذهب أمامهم ﴿فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾ (سورة طه آية: ٨٨)، ﴿ قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾(سورة طه آية: ٩١)، ولم يكتفوا بجرمهم هذا بل جعلوا- في ثوراتهم المقدسة عندهم- هارون الرسول هو صانع هذا الصنم وعابده معهم. «سفر الخروج ٣٢: ٦١».

ولما أخذ موسى عليه السلام سبعين من أصلحهم ليعلنوا التوبة عن جريمة الشرك بالله- وعبادة العجل، أصروا على أن يروا الله جهرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (سورة البقرة آية: ٥٥).

تمرد دائم على الحق

كم بدلوا وغيروا في وحي الله، وأخفوا منه، وتمردوا على منهجه، وكذبوا جماعة الأنبياء بغير حق: قتلوا بعضهم، وشوهوا صورة البعض الآخر، فجعلوا منهم قتلة وشراب خمر، وزناة، حتى بيناتهم، وعباد أوثان، وكذبة وغشاشين ومحتالين، بل قدموا الله تعالى في كتبهم بصورة مزرية، متعطشًا للدماء، ولرائحة الشواء، يخطئ ويندم ويعتذر للشعب المختار ويبارك الزيف.. «راجع في ذلك الدراسة القيمة «الشعب المختار في الميزان» للشيخ: عبد المعز عبد الستار، ١٩٩٨م.

وليت كل المسلمين، والعرب خاصة، والشعب الفلسطيني بوجه أخص «يدرسون بعناية أسفار اليهود في العهد القديم وفي التلمود- واليهود بأسفارهم وكتبهم مستمسكون وعلى هديها الشيطاني، يخططون وينفذون» ليعرفوا حقًا مع من يتعاملون، وليتهم يقرأون كتاب الله الذي ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (سورة فصلت آية: ٤٢) ليروا أن ربعه تقريبًا قد خصصه الله لكشف حقيقة هؤلاء الشياطين والتحذير منهم!!

فأي سلام ينتظره العالم، أو العرب، أو دعاة السلام الزائف من بني يهود؟ ألم تكفهم تجارب ألاف السنين؟ الم يصلوا إلى قناعة بأن هؤلاء ليسوا أهل عهود ولا مواثيق ولا وفاء؟

لن ندخل في بحر الاتهامات الكثيرة التي نسبتها مصادر عديدة إلى اليهود في أكثر من بلد، وتعتبر من أخطر الجرائم في حق الإنسانية، كقضية عيد الفطير المقدس الذي لا يعجن إلا بدماء الأمميين، خاصة النصارى، وقضية الأب توما، ولا عن «برتوكولات حكماء صهيون»، والجماعات الخفية والقوى الماسونية التي اكتشفت سيطرتها الواسعة على مواقع شديدة الحساسية والأهمية في عدد من بلدان أوروبا وأحيل بعضها إلى القضاء، وسقطت بسببها حكومات، لكننا سنرصد بعض الظواهر الغريبة، والتي تتفق في أنها تصب في لخانة مصلحة اليهود وإسرائيل، ويصعب تفسيرها لذلك بغير اليد اليهودية الخفية.

ما الذي يفسر ما عرف عن مسؤولين ومثقفين عرب يفترض أن يحترقوا غيظًا، لقيام کیان دخيل معاد وغاصب، رغم أنوفهم، على أعز بقعة في قلب الوطن العربي تهم كل عربي وكل مسلم» من تورط في مشاريع مشبوهة الصالح «إسرائيل» تبدأ في السر ثم تفوح روائحها حتى تزكم الأنوف الأبية، وأخيرًا يعلن عنها صراحة وبلا أدنى حياء؟! من أيام الفالوجا، إلى كوبنهاجن، ومن الدعوة إلى الجمع بين المال العربي والعقل الصهيوني إلى الذهاب فجأة إلى «إسرائيل» والدخول في نفق الاستسلام المظلم الذي لم ينته حتى اليوم، ولم يسفر عن أي خير طوال ربع قرن تدهورت خلاله أحوال العرب وعلاقاتهم من سيئ إلى أسوأ؟!

وكيف نفسر هذا الإجماع العالمي من قبل المسؤولين في الشرق والغرب على الصاق ما عرف به ظاهرة الإرهاب بالمسلمين وحدهم، أيًا كانت ظروفهم ودوافعهم، دون أن يشار في أي من المؤتمرات العديدة التي عقدت بشأنه، ولو بكلمة، إلى سجل الإرهاب اليهودي: الأفراد والدولة مع طوله وشدة سواده ووضوحه للجميع؟!

كيف يمكننا تفسير هذه الهرولة والتهافت من قبل شخصيات عالية مرموقة، رؤساء ووزراء ورجال أعمال بارزين من كل القارات، إلى مؤتمر «المنتدى الاقتصادي العالمي» في ديفوس السويسرية ليناقشوا على مدى أيام أهم القضايا على الساحة العالمية، وليس قضايا الاقتصاد فقط، وتكون محصلة لقاءاتهم ومناقشاتهم تصب في صالح «إسرائيل»، ويدعى فيه علنًا، وبالسنة عربية، إلى التطبيع مع «إسرائيل» دون ربط ذلك بحل- أو حتى بالتقدم على طريق حل- المشكلة الفلسطينية؟ بل توضع قيادة جميع المشاريع المتعلقة بالسلام في الشرق الأوسط في يد «مؤسسة بيريز للسلام» الإسرائيلية، بيريز الذي نادى علنًا في ذلك المؤتمر بإعطاء الأولوية للتطبيع قبل السلام وطالب علنًا بتغيير مناهج التعليم العربية الصالح التطبيع، بيريز الذي قيل عنه إنه كشف في المؤتمر عن حقيقة أنه «غراب تحت قناع حمامة سلام».

ما الذي يجعل مجموعة كبيرة من رؤساء كبريات دول أوروبا تتهافت على مؤتمر عن «الهولوكوست»، وتتبارى في إظهار حزنها وندمها على ما حل باليهود زمن النازية وتواصيهم بتحميل شعوبهم «التي تشكو من المشكلات الاقتصادية» دفع المزيد من التعويضات لليهود، ووعدهم بأنهم سوف يضمنون المناهج التعليمية في بلادهم- وبعضهم نفذ بالفعل- ما يجب أن تعرفه الأجيال الجديدة عما حل باليهود زمن الحكم النازي «من وجهة النظر اليهودية طبعًا التي أصبحت من المقدسات التي يحرم التعرض لها بأي نقد»؟! وما السر وراء الانزعاج الوبائي الذي أصاب دول أوروبا فجأة من فوز حزب الحرية اليميني في النمسا: أهي الرغبة في مجاملة الأجانب المقيمين في أوروبا، أم هو الخوف من العداء للسامية، ذلك الرهاب الذي زرعه اليهود في سويداء قلوب الغربيين؟!

كيف تأتى لبعض، إن لم يكن كل دولة أوروبا، أن تنتهك القواعد المطلقة لحرية الفكر والرأي والبحث، فتحجر على علمائها ومفكريها وباحثيها أن يتناولوا مصداقية مزاعم اليهود حول المحارق الهتلرية المزعومة والمبالغ فيها جدًا، وأن تصادر النتائج العلمية التي توصل إليها بعضهم، بل أن تلغي درجاتهم العلمية وتفصلهم اليونسكو تدعم المشروع من عملهم، وتقدم بعضهم إلى المحاكمة؟ وما قضية روجيه جارودي منا ببعيدة.

ما الذي يفسر لنا أن يصبح عدد من كبار المسؤولين في الحكومة الأمريكية الحالية من اليهود؟ صدفة أم نزاهة أم تخطيط ومؤامرة؟! أو أن يتفرغ العديد من المسؤولين لقضية ما يسمى بمحادثات السلام من الوزراء الأمريكيين ومن دونهم، حتى صار يقضي في الشرق الأوسط ربما أكثر مما يقضي في بلده وبين أولاده؟!

ما الذي يكشف لنا سر أن تسبق «إسرائيل» العديد من الدول العريقة في إقامة علاقات لها سياسية واقتصادية وعسكرية وغيرها مع العشرات من الدول، كثير منها للأسف شعوبها مسلمة، وما تلبث تلك العلاقات أن تتكشف عن تغلغل يهودي وسيطرة على العديد من مقدرات تلك الدول: في بلاد المغرب العربي، وفي العديد من دول إفريقيا، ودول وسط آسيا، دول الشرق  الأوسط ودول الجوار، هل هي المنظمات السرية، كالماسونية وما انبثق عنها «كالروتاري والليونز والإنرويل»، أم هي المراكز المتخفية تحت ستار الثقافة والبحث العلمي، أو المنظمات غير الحكومية التي تتلقى دعمًا من الخارج، أم هي المؤتمرات التي تعقد تحت العديد من المظلات كالأمم المتحدة ومنظماتها، ومراكز السلام أو المعسكرات الشبابية؟! لعلها ذلك كله وغيره مما لم تنكشف عنه الأغطية بعد.

إن قائمة التساؤلات طويلة طويلة، ومُرَّةٌ، ولكنها واقع لا يمكن إهماله، ولا الاكتفاء بالقول بسخافة نظرية المؤامرة كما يحلو للبعض، من فئات متباينة، أن ينادي، والتساؤل الأكبر هو: أي قوة يملك هؤلاء حتى يتمكنوا- رغم قلة عددهم من اللعب بأكبر العقول على الأرض عسكريين وسياسيين ومفكرين وعلماء) الاستثناء البارز هو المفكرون الإسلاميون، والأسباب معروفة).

أفبعد كل هذا ننتظر سلامًا من هؤلاء"؟!

وقبل أن نتناول هذا الموضوع ينبغي الإشارة إلى أن آخرين سبقونا بالحديث فيه، ولكن كل ما كتب لم يكنْ كافيًا للوقوف أمام موجة التطبيع العاتية.. ولذلك وجب الإلحاح في تناول هذا الموضوع تنبيهاً للخطر المحدق بالأجيال، خاصة أن مشروع «بذور السلام» متعدد المراحل متواصل الخطوات!

»بذور السلام» (الاستسلام)

هذا واحد من أخطر الميادين التي لعبت فيها إسرائيل ومن يؤيدونها واحدة من أخطر لعبها القذرة للوصول إلى أهدافها التوسعية والتسلطية الاستغلالية، خاصة في البلاد العربية المحيطة بها تعجلًا منها للنتائج عبر أقصر الطرق، لقد كانت هنالك توصيات من أنصار إسرائيل، يهودًا وصهاينة ونصارى، أن تعجل «إسرائيل»، تعينها في ذلك الولايات المتحدة بكل سبيل- في التوصل إلى إبرام اتفاقات تسوية مع بعض الحكام العرب الحاليين الأكثر استعدادًا لذلك قبل أن تتغير الأحوال وتأتي قوى أخرى، كالإسلاميين، أشد صلابة وأقل استعدادًا للتنازل لأنها تصدر عن معتقدات ثابتة، ولديها تصورات أخرى عن حقيقة اليهود مستقاة من نصوص الإسلام، ولكن يبدو من سياق الأحداث أن «إسرائيل» لا تقنع بهذا المدى من المكاسب «اتفاقات التسوية»، وإنما تريد استسلامًا كاملًا يحقق لها كل أطماعها في السيطرة على المنطقة حضاريًا وماديًا بحيث تصبح الشعوب وحكامها قطع شطرنج تلعب بها «إسرائيل» وحدها كما تشاء، والجيل الحالي من حكام المنطقة قام وبنى شرعيته على مبادئ وشعارات تدور حول الحرية والاستقلال والوطنية والحفاظ على الحقوق وعلى تراب الوطن.. إلخ. وهذا ما تسعى «إسرائيل» إلى إهالة ستائر النسيان عليه وإحلال مفاهيم أخرى محله كالرخاء الاقتصادي والسلام والتعاون بين شعوب المنطقة ونسيان الأحقاد والماضي، وتذويب الفوارق بين الشعوب ووحدة الأديان ومناهج التربية وإقامة تعارف بين الأجيال الجديدة، وتنشيط السياحة وزيادة الدخل ودخول عصر العولمة... إلخ، وكأنما أحست «إسرائيل» أن أولئك المسؤولين، رغم انبطاح بعضهم تمامًا على الأرض، والتفاني في تنفيذ ما تطلبه إسرائيل دون وقوف في الاستسلام عند حد، ليسوا قادرين على تلبية ما تسعى إليه، لهذا تركت دوامة المفاوضات والمؤتمرات والمبادرات والاتفاقيات تعمل عملها في تدويخهم وتحطيم معنوياتهم والقضاء على بقايا المقاومة لدى بعضهم، واتجهت إلى الجيل التالي المنتظر من المسؤولين تربيهم على عينها ليكونوا أطوع لها ولمشروعاتها، فدبرت وهو في  المقصود أساسًا«Seeds of Peace» مشروعات ضخمة أطلقت على أحدها «بذور السلام» في هذه الدراسة.

الحكام الشبان

هناك تقرير نشرته «الفاينانشيال تايمز» لمحررتها المختصة بشؤون الشرق الأوسط رولا خلف تحت عنوان «حكام عرب يحملون جدول أعمال جديد» تحدثت فيه عما أسمته ب«مظاهرة تولي الجيل الجديد» الشاب «من الحكام العرب»، وأشارت إلى مجموعة من الدول العربية تولى الحكم فيها مؤخرًا، شبان قيل عنهم «إنهم يمثلون علامة على مرحلة جديدة في العالم العربي ومؤشرًا على حركة التغيير والإصلاح السياسي والاقتصادي وعلى ملامح المستقبل في هذه المنطقة الحيوية والإستراتيجية من العالم»، بعض هؤلاء الشبان ليس له سابق خيرة «معروفة» بشؤون الحكم، بل كان مفتونً بشيء بعيد تمامًا عن هذا المجال، ومع ذلك فقد حظي بعضهم، وبسرعة غير عادية، بالقاب رنانة.

يضيف التقرير إلى أنهم ليبراليون «بدليل أن أحدهم فتح صناعة النفط أمام المستثمرين الأجانب»، وطموحون إلى التحديث، وأنهم «مصممون على تحسين ظروف الناس الاقتصادية والاجتماعية المزرية»، بل إنهم قد نجحوا في أشهر قلائل في إحداث تغييرات جذرية ومهمة ومرغوبة من شعوبهم!، كما بدأت الصحيفة تكيل الاتهامات والنقد الشديد لأسلافهم من نحو أنهم كانوا قمعيين تخافهم شعوبهم.

أهي جولة أخرى من تخدير الشعوب؟!

والمرء يتساءل: ما الذي يقف وراء هذا التلميع لهؤلاء المسؤولين؟ لقد عودنا الغرب أن يلمع من يعملون لصالحه، ويصنع لبعضهم بطولات، ولو كانت أوهامًا ليكتسبوا شعبية وشرعية «لا أساس لها» كي يتمكنوا من خداع شعوبهم وتنفيذ ما لمعوا من أجله، كما فعلوا مع مصطفى كمال وغيره ممن اتخذوه مثلًا أعلى لهم، حتى صار بعضهم ترقص له الجماهير بجنون، قبل أن تصاب الأمة بالنكسة الكبرى على يديه.

إن بعض هؤلاء قد بدأ بالفعل مبادرات تطبيع فجة مع العدو الصهيوني، وبعضهم تعجل بإعلان المطالبة بالتطبيع في مؤتمر «ديفوس» بغض النظر عن مصير ما يسمى بمسيرة السلام، وفتحت مكاتب اتصال تجاري مع العدو في بعض هذه الأقطار ودعي العدو الحضور بعض الفاعليات الاقتصادية..

ولايزال الغرب وإسرائيل ينتظرون المزيد من الحكام الشباب في بقية البلدان العربية، ومن اللافت للنظر في هذا الصدد ما أشار إليه تقرير الفاينانشيال تايمز من «أن الجيل الجديد من الحكام قد حظي بتعاطف الغرب»، لماذا؟ الله أعلم، ونسأله تعالى الستر والحفظ.

إن مما ينذر بالخطر أن يجيء تبرير ذلك التعاطف- كما جاء في الصحيفة- على لسان اليهودي الصهيوني «مارتن إنديك»- الذي كان حتى عهد قريب مساعدًا لوزيرة الخارجية الأمريكية- إذ قال: إن الحكام الجدد جاءوا بموجة من حماس جديدة، وأفكار جديدة إلى مواقعهم في الحكم ويضيف: «لكن هذه الأفكار الجديدة في غالب الأحيان لا تعدو كونها إصلاحات سياسية محدودة، ففي الوقت الذي يقر فيه الحكام الجدد أن الاستقرار الذي انتشر في عهد آبائهم كان بفضل القمع والإبعاد، فإنهم يريدون المحافظة على الاستقرار من خلال معالجة الاحتياجات الاقتصادية الملحة».

ويضيف التقرير بعدًا آخر لهذه القضية يتمثل في الإطار المستقبلي الذي يتوقع أن يتحرك فيه الحكام الشبان الحاليون أو من سيلحق بهم، يتضح هذا الإطار في عبارات التقرير التالية:

»المشكلة الكبرى التي تواجه الحكام العرب الجدد هي التركة التي خلفها آباؤهم«.

ويقول الاقتصادي هنري عزام مقاوم الحكام الأولون التغيير في المنطقة، لكن الحكام الجدد يأتون في فترة تغيير شديدة تجتاح العالم، حيث عليهم التعامل مع العولمة، ومع الحاجة للتصدير والمنافسة، والانضمام لمنظمة التجارة العالمية، ومن مواقعهم الجديدة يريدون معالجة القضايا التي أهملها آباؤهم والتي يشعرون بضغوطها عليهم».

ويبدو أن مرحلة الحكام الشباب هذه ليست بالضبط ما يحلم به الإسرائيليون، وإنما يريدون جيلًا أصغر من ذلك يربونه هم وبشكل مباشر على ما يريدونه من مبادئ ومفاهيم تحقق لهم ما يشتهون. وهؤلاء هم جيل «بذور السلام» او قادة السلام، كما يسمونهم.

نحن نائمون

وعلى الرغم من أن عمر مشروع «بذور السلام» يقرب من ثماني سنوات، ورغم أن نشاطه مستمر ومتنوع، والجهات والشخصيات التي ترعاه في تزايد، والكثير من أنشطته معلن وعلى صفحات «الإنترنت»، فإن أخباره ظلت شبه سرية على جماهيرنا، أو لم يهتم برصدها أو بمتابعتها أحد إلا قليلًا، ومؤخرًا نشر موقع «الإسلام على الإنترنت» تقريرًا بعنوان: «مشاريع إسرائيلية مشبوهة لغسل أدمغة الشباب العربي» أورد قدرًا وافيًا من المعلومات عن هذا المشروع الخطير من الخير أن نوردها كاملة قبل إبداء أي تعليقات أو إضافات:

«كشفت مصادر فلسطينية عن وجود مشاريع مشبوهة ينظمها «مركز بيريز للسلام» بتمويل من الخارجية الترويجية وبدعم من الولايات المتحدة الأمريكية للتطبيع بين أطفال وأشبال فلسطينيين وعرب مع أقرانهم من الأمريكان والإسرائيليين بهدف «زرع بذور السلام» على حد قول القائمين على المشروع».

وقالت هذه المصادر: إن لقاءات «القادة الصغار» تمت في تل أبيب وشرم الشيخ والقدس والقاهرة وقبرص وإسبانيا وسويسرا بتمويل من الخارجية الترويجية كان أخرها اجتماعات لفتيان وفتيات عرب من ثلاث دول الأردن عربية هي وفلسطين ومصر إلى جانب فتيان وفتيات من «إسرائيل» والولايات المتحدة ضمن ما يسمى بمعسكرات «بذور السلام».

وقد تأسست هذه المنظمة المشبوهة التي يطلق عليها اسم «بذور السلام» في عام ١٩٩٣ على يد الصحفي الأمريكي «جون والش»، وهدفها تهيئة الأجيال العربية القادمة للتطبيع مع «إسرائيل»، ولقبول فكرة التعايش السلمي مع شعبها اليهودي.

وبدأت هذه المنظمة نشاطاتها بخمسين مشاركًا وبدولتين فقط، ثم ازدهرت وتوسعت حتى استقبلت في صيف العام الماضي عدة مئات من الشبان الإسرائيليين والعرب من مصر وفلسطين والأردن وتونس والمغرب وقطر واليمن في عدة معسكرات صيفية.

وتهدف هذه المنظمة إلى تحويل المشاركين في بذور السلام إلى دعاة لقضية الصلح مع العدو وسفراء لها. كما تستخدم العديد من الأنشطة والوسائل لعملية هي أقرب إلى غسيل المخ لهؤلاء الشبان من بينها المعسكرات الصيفية التي يتم عقدها في العواصم المختلفة وتنظيم الندوات المدرسية والرحلات الجماعية للبلاد العربية و«إسرائيل» والولايات المتحدة.

وبالنظر إلى البلاد التي يتم تنفيذ هذه المعسكرات الصيفية فيها يتضح مدى الخطر وخصوصًا أن الفتيان والفتيات المشاركين مراهقون يتم جمعهم في معسكرات مختلطة بإقرانهم من اليهود والأمريكان، بما يترتب على ذلك من فساد وانحراف خلقي.

ومن أخطر تلك النشاطات ما يسمى بالخدمة الدينية، حيث يقوم الفتيان المسلمون بعد صلاة الجمعة داخل المخيم بدعوة أقرانهم اليهود والنصارى لحضور الصلاة، وذلك للتعرف على دينهم، والأمر نفسه يتم مع صلوات اليهود والنصارى، حيث يدعى الفتيان المسلمون إلى صلاة اليهود يوم السبت وصلاة النصارى يوم الأحد من كل أسبوع.

ومن ضمن الفقرات التي يوردها الموقع عبارة تقول: «لقد قررنا هنا في بذور السلام أن نضع السلام على مائدة المفاوضات، وليس في ميادين القتال لقد دلنا قادتنا على طريق مناحيم بيجن وأنور السادات».

وتخطط منظمة بذور السلام إلى فرز شابات وشبان من الدول المعنية لإلحاقهم بمشروع القادة الشبان، وهو مشروع يثير الشبهات وعلامات الاستفهام، «فشبكة» القادة الصغار بمشروعها على الإنترنت تقول: إن للمنطقة قادة شبانًا من مصر والأردن وفلسطين وإسرائيل يتم إعدادهم للعمل معا على تشكيل مستقبل الشرق الأوسط ونشر ثقافة السلام، لأن الشرق الأوسط يحكمه رجال في الستين والسبعين من العمر، وينتظر الجيل الثاني دوره في القيادة، وهو جيل من رجال ونساء بدأ يتطلع إلى صناعة القرار.

ويعمل هذا المشروع المشبوه بجد ومثابرة لتهيئة هذه القيادة الجديدة من خلال مؤتمرات متكررة بلغت ۱۸ مؤتمرًا خلال الفترة من يناير ۹۸ وحتى يوليو ۱۹۹۹م أي لقاء كل شهر.

 يذكر أن الإدارة الأمريكية تمارس هيمنتها على كافة المؤسسات والهيئات الدولية العاملة في المنطقة لخدمة هذه المشاريع، وأخرها كان الخطاب الذي وجهه الكونجرس الأمريكي لوكالة غوث اللاجئين «الأونروا» الذي يؤكد ذلك حيث اشترط الكونجرس على إدارة الوكالة في مناطقها الأربع أن يتم اختيار الفتيان والفتيات من اللاجئين الفلسطينيين، بمشروع بذور السلام وفقا لشروط محددة أهمها عدم انتمائهم لمنظمات فلسطينية معادية لعملية السلام».

ومن أهداف المشروع أيضًا، كما يحددها مؤسسه جون والش: «البرنامج يمكن المشاركين من أن يعرف بعضهم بعضًا كبشر، وأن يفهم كل منهم تجارب الآخر ووجهات نظره، وينمي المشاركون ثقة كل منهم في الآخر من خلال بناء صداقة دائمة هي أساس ضروري لدفع السلام والتعاون، إن ما نقوم به هو أن نؤنس الصراع الذي كان يجرد من إنسانيته عمدًا»، ویری كذلك أن البرنامج مكمل، لأي مبادرة سلام يمكن أن يتفق عليها لإنهاء الصراع وسوء الفهم في المنطقة بين العرب واليهود.

ويضيف والش: أنه أسس هذا البرنامج کردِ فعلٍ على تفجير مركز التجارة الدوليِّ «الذي اتهم فيه مسلمون»، وإنه إذا كان الإرهابيون يبثون الخوف فالرد الوحيد عليهم أن نبث الأمل.

الضحايا

تتراوح أعمار المشاركين في هذه المعسكرات ما بين ١٢-١٤ سنة.

وقد ضمت أول مجموعة «بذور سلام» ٤٥ شابًا عربياً وإسرائيليًا معًا في معسكر في صيف عام ۱۹۹۳م ووصل العدد عام ٩٩ إلى ۷۰۰ خريج، من بينهم ٥٠ بوسنويًا مسلمين وصربًا، «بالتأكيد شباب العرب هم المستهدفون أساسًا بهذا المشروع، كما هو واضح من كل الكتابات والتصريحات حوله، ومن الأعداد المشاركة. أما غيرهم فهم من باب ذر الرماد في العيون»، وهؤلاء الخريجون الذين ينادي بعضهم بعضًا «بذورًا» يظلون على اتصال عن طريق البريد العادي والإلكتروني ويصدرون نشرة أخبار، يتمثل جوهر برنامج هذا المعسكر في «حلقات التعايش الجماعي»، التي تمتد لثلاث ساعات يوميًا، وهي مواجهات عاطفية يشرف عليها منسقون مدربون.

وعن مدى تأثير جو هذا البرنامج على الشباب العربي المسلم، تقول «نانسي»، فتاة، ١٦ سنة، من مصر: «عند وصولي أول مرة إلى «معسكر التعايش السلمي» اكتشفت أنني المصرية الوحيدة في مجموعتها، كنت محاطة بأسماء إسرائيلية.. واقسم إني كنت في رعب وارتعاد، لكن ما لبثت أن عرفتهم. الآن تسمي نفسها «بذرة» وبعد أن تخرجت من «بذور السلام» شاركت مع سبعين مثلها في: الشباب في «فلير» بسويسرا.

تقول: لو جلست مع إسرائيليين قبل معسكر التعايش السلمي أظنني كنت سأحتقرهم..

ويقول من سبق لهم أن شاركوا إن أصعب أجزاء «بذور السلام» حين تعود إلى بلدك وتجابه من جديد الواقع القديم والأحقاد والتعصبات، تقول نانسي: حين رجعت رأی أصحابي أنني تغيرت تمامًا وأصبحت معادية للعرب، لكن ليس الأمر كذلك. ليس الأمر تغييراً لأفكارك، وإنما هو أنك أصبحت أكثر تسامحًا مع الآخرين.

وتقول سيرينا، أردنية، إن خريجي بذور السلام يمكنهم أن يرسلوا رسالة إلى قادة المنطقة: إذا كان في إمكاننا أن نفعلها.. أن تنسجم معًا.. فهل يمكنكم؟ حتى لو لم تكونوا مؤمنين به، من فضلكم جربوه.

من شعاراتهم: «بناء السلام في الشرق الأوسط، صديق جديد في كل مرة».

من إنجازات البرنامج

- قدم البرنامج «جائزة السلام» لكوفي عنان.

- وأعلن عن القيام بزيارة عزاء للملكة نور في وفاة الملك حسين.

- ازدياد عدد المشاركين من ٥٠ إلى ٣٠٠، والأقطار من ٢ إلى ۹ «تشمل إسرائيل والسلطة الفلسطينية والأردن ومصر والمغرب وتونس وقطر واليمن».

- في كل سنة يختار ۳۰۰ من أكثر من ألفي متقدم للمشاركة. تختارهم حكوماتهم دون نظر إلى خلفياتهم الاقتصادية أو الاجتماعية، وإنما فقط على أساس أدائهم الدراسي وقدراتهم القيادية، لأنهم يعدون ليكونوا قادة في المستقبل!.

- تخرج من البرنامج أكثر من ۱۰۰۰ شاب.

- الاشتراك في شبكة بذور السلام التي تقدم منحاً لمئات من الشباب الإسرائيلي والعربي كل سنة:

50 دولارًا، مؤيد.

75 دولارًا، صديق.

۱۰۰ دولار، عضوية فردية، تحصل على قميص يحمل علامة «بذور السلام»، وعلى رسائل بريدية.

250 دولارًا، اشتراك عائلي، تحصل على نسخة من الفصلية «غصن الزيتون» التي يصدرها خريجونا.، قميص ورسائل.

500 دولار، عضوية مميزة، تحصل على فيلم نيل الجائزة «بذر البذور» و«حصاد السلام»، مع مقدمة بقلم باربرا شترایساند، ودعوات للقاءات خاصة، وفصلية غصن الزيتون، والقميص والمراسلات.

1000 دولار، تحصل على قلم حبر مطبوع عليه بذور السلام، دعوة لحضور يوم المتبرعين في معسكر بذور السلام الدولي، نسخة من الفصلية، ومن الفيلم، ودعوة للقاءات مقفلة، والقميص، والمراسلات.

5000 دولار، تقدم منحة لأحد بذور السلام، وتحصل على كل السابق وعلى قلم قضي رائع، مع بقية الأشياء السابقة.

للبرنامج موقع على الإنترنت:

Bootom of Form

وهناك عشرات المواقع على الشبكة العنكبوتية، وعشرات المراكز والمعاهد المتخصصة في موضوع «بذور السلام».

أنشطته وبرامجه:

الحفاوة الزائدة.. أو غسيل الأدمغة

(فوج ١٩٩٧)

في 20/8/1997، استقبلت وزيرة الخارجية الأمريكية، مادلين أولبرايت، اليهودية، مجموعات الشباب هؤلاء في مقر وزارتها بالبيت الأبيض، ومما قالته لهم:

«.. إنني أعتقد أن ما تقومون به مهم جدًا لما نحاول نحن إنجازه في الشرق الأوسط».. «كما أؤمن بعمق بالمنطلق الأساسي لـ: «بذور السلام»، ألا وهو أن الفروق في النظرة وفي الثقافة والعقيدة يمكن أن تسد عن طريق المعرفة والفهم، وبعد أن ذكرت أنها سوف تسافر إلى الشرق الأوسط لأول مرة كوزيرة للخارجية، وأن أمريكا تدعم عملية السلام، قالت: «لسوء الحظ توقفت عملية السلام في الشهور الأخيرة، وبرزت أزمة عدم ثقة بين الزعماء الإسرائيليين والفلسطينيين، فالإسرائيليون يرون أن الفلسطينيين لا يبذلون جهدًا كافيًا لوقف الإرهاب. أما الفلسطينيون فيعترضون على أن الإسرائيليين يتخذون إجراءات من جانب واحد يبدو فيها الحكم مسبقًا على نتائج المفاوضات؟ والولايات المتحدة لا تستطيع أن تفرض السلام، ولكنها تشجع الطرفين على استئناف عملية السلام».

مساكين هؤلاء الصغار من أطفال العرب والمسلمين إذ يسمعون من وزيرة أكبر دولة، وهم ضيوف عليها في عقر وزارتها، أن الإرهاب من جانب الفلسطينيين فقط!! أما اليهود الصهاينة أساتذة الإرهاب فلا ينسب عليهم منه شيء، وأن الولايات المتحدة تبارك هذا التصور الظالم!!.

- «لقد كانت هناك حروب كثيرة، وأعمال عنف، وكثير من القتلى وكثير من المعاناة، وشك وخوف، وقد أن الأوان لأن يعيش الجيران كجيران، وأن يفهم الكل أنه ليس دم فرد أغلى أو أرخص من دم الآخر».

أي أن على هؤلاء الصغار أن ينسوا جريمة اغتصاب فلسطين، وأن يتساوى المجرم والضحية.

- «لا شك أنه كان من الصعب التعايش مع التفجيرات في القدس، لكني أفهم أنكم حضرتم معًا، وأن الفلسطينيين، بالرغم من أحزانهم، حضروا لمواساة أصدقائهم الإسرائيليين.. لا أحد أعظم دورًا منكم في الشرق الأوسط، أنتم مستقبله... أعلموا، كبذور للسلام، أنكم على طريق الحق. انظروا حولكم إلى أصدقائكم في هذه الغرفة لتعلموا أنكم لستم وحدكم وانظروا إلى الولايات المتحدة واعلموا أن بناة السلام لديهم حليف قوي».

(فوج ١٩٩٩(

كما استقبلت أولبرايت، في 16/8/1999، وفي المكان ذاته، فوجًا آخر يضم ١٧٥ مشاركًا بينهم فلسطينيون وأردنيون وإسرائيليون ومصريون ومغاربة وتونسيون وقطريون- لأول مرة- ويمنيون.. ومارست عليهم أساليب دغدغة العواطف وعملية غسل المخ، ويبدو أن المشرفين على المعسكر أوقفوا أولبرايت على كل تفاصيل أنشطة الشباب، التي لا شك أنها مخططة. فقد مزحت معهم قائلة:

- «علمت أنكم تعلمتم أن الموسيقى لغة عالمية عندما تسلل ١٤ شابًا عربيًا وإسرائيليًا من المجموعة ۱۲ ليعزفوا موسيقى عاطفية تحت نافذة فتيات المجموعة ۱۰ «ضحك وتصفيق من الشباب»، وإني أحب بالتأكيد أن أسمع معزوفتكم: «تصبحين على خير يا حبيبتي»! «لقد تعلمتم ما فيه الكفاية عن جيرانكم لتعرفوهم وتحبوهم كأفراد، وبقيامكم بذلك تتعلمون الكثير عن أنفسكم»، ثم قالت لهم:

- إن «برنامج بذور السلام» ساعدنا جميعًا على أن نفهم أن السلام في القلب، لا مجرد كتابة على الورق. لقد ساعدنا على تدريب شباب- ١٥٠٠ حتى الآن- ليكونوا قادة السلام، كما ساعدنا أن نتذكر لماذا السلام في الشرق الأوسط أمر ملح جدًا لأن الشباب أغلى من أن يضيعوا في الكراهية والإرهاب، إنكم تمنحون الكبار في هذه الغرفة هدية نادرة: لمحة إلى مستقبل أفضل».

- «إنني من خلال النظر إليكم أتخيل شرقًا أوسط خاليًا من الحروب، تنتشر فيه شبكة من العلاقات الاقتصادية والشخصية بدلًا من انعدام الثقة وسوء الفهم: حيث الصداقات من النوع الذي قمتم به تصبح هي القاعدة، لا الاستثناء: وحيث يمكن أن ينمو أبناؤكم وأحفادكم جيرانًا مكرسين أنفسهم للأمن والسلام».

- «.. أشكركم ثانية لأنكم تشاركونني هذه الرؤية. لقد الهمتموني.. وليس سرًا أن أقول إنكم مجموعتي المفضلة، ولهذا أرتدي ملابسي على هذا النحو، ويسعدني جدًا أن أكون جزءًا من هذه المجموعة».

- «.. سوف أطلب من قادة المستقبل في إسرائيل وجميع الدول العربية - بعبارة أخرى، منكم- أن تساعدوا على تجذير السلام في المنطقة كلها».

- وحين نفكر في مستقبلكم، أمل أن بعضكم سوف يختار الدبلوماسية. أمل بوجه خاص أن «طارق» من المغرب، سيفكر في المجال الدبلوماسي، حيث فهمت أنه يستطيع معرفة أسماء جميع عواصم بلاد العالم. «تصفيق»

طارق! أريدك أن تعلم أن السبب في وجودي هنا هو أنني حين كنت طالبة في أول المرحلة الثانوية، أي في سن ١٥ تقريباً، نلت جائزة مسابقة الأمم المتحدة في كلورادو لأنني استطعت معرفة أسماء جميع البلاد الأعضاء في الأمم المتحدة. انظر إلى أين سيوصلك هذا؟ «ضحك وتصفيق»

سؤال: تحديه!

الوزيرة: أتحداه؟ أي بلد؟ وهو كذلك.

سؤال: لقد دعونا الوزيرة لتتحداك باسم أحد البلاد.

الوزيرة: حسنًا.. كولومبيا.

طارق: «بهدوء» بوغوتا. «ضحك وتصفيق»

الوزيرة: أسمع! الوظيفة جاهزة لدي الآن.

ثم تابعت حديثها الأصلي:

- «حين ترجعون إلى بلادكم، لتكن معكم الثقة أن لكم أصدقاء في كل الشرق الأوسط يشاركونكم الأهداف والأحلام ذاتها وقريبًا سيكون في إمكانكم التلاقي ثانية في مركز للبذور في القدس، واعلموا أنكم لن تكونوا أبدًا وحدكم. وأنت يا جون! «تقصد جون والش مؤسس برنامج بذور السلام» إذا كنت أنا في المنطقة، فيمكنك الاعتماد علي» «تصفيق».

- «وأعلموا أيضًا أن لكم دائمًا مؤيدين في واشنطن- بدءً من الفريق المكرس لبرنامج البذور إلى الرئيس كلينتون نفسه، وبالطبع أنا سأكون هناك من أجلكم، وأخيرًا، أعلموا كبذور للسلام أنكم تسيرون في الطريق الصحيح، وأن لدينا جميعًا هنا ثقة فيكم».

«قمة الشباب» أو «قمة الأطفال»؟

في أول مايو من عام ۱۹۹۸، عقد «مؤتمر قمة شباب الشرق الأوسط» لمدة أسبوع في سويسرا، وتحت رعاية الحكومة السويسرية، وحضره ممثلون عن حكومات الأردن ومصر وسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية و«إسرائيل» والولايات المتحدة، وأعضاء الوفود كلهم في العقد الثاني من العمر، وهم خريجو «بذور السلام»، وسوف يعملون على صياغة معاهدة سلام قابلة للحياة عن طريق المفاوضات حول صلح بين الأطراف بشأن القضايا الأساسية، ومنها الدولة الفلسطينية واللاجئون والقدس المستوطنات والأمن.

إلى هذا المؤتمر تحدثت ملكة الأردن، الملكة نور، التي أشارت إلى حق الطرفين في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، وإلى مشكلة اللاجئين، فقالت «بالإنجليزية»: «إن القدس لا يمكن أن تكون مدينة «السلام الإلهي» إن كان الدخول إليها سيظل خاضعًا لنقاط التفتيش من قبل الجنود المدججين بالسلاح، ومدينة القنابل التي تلقى على الحافلات وفي الأسواق..» كما تحدث إليهم صائب عريقات وأسامة الباز وشيمون بيريز ومساعد الأمين العام للأمم المتحدة فلاديمير بتروفسكي، وعبر الأقمار الصناعية السيدة هيلاري كلنتون، أما نتيجة «قمة الشباب» فمن المقرر إرسالها إلى كوفي عنان.

ولقد شاركت اليونسكو في هذا المخطط المرسوم والذي تتولاه- بكل حماس- كبرى المحافل والقوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة والأمم المتحدة التي جعلت عام ٢٠٠٠م عامًا دوليًا للسلام، وضعت اليونسكو عديدًا من البرامج والوسائل للدعاية ولتنفيذ هذا المخطط عمليًا، من مؤتمرات دولية وإقليمية ونوعية، أحدها خاص بالشباب- الذين اتخذته مشروعات «بذور السلام» غرضًا- كما اتجهت إلى مناهج التعليم لتغزوها بما أطلقت عليه «ثقافة السلام»، هذا الاسم الخبيث الذي تبنته منذ سنوات جماعات مشبوهة في البلدان العربية من أمثال «جماعة كوبنهاجن»، ومناهج التعليم، خاصة العلوم الإنسانية من بينها هي المجال الأثير لدى جماعات التطبيع الصامت والمسموم، سنوات طوالًا قبل أن تبرز إلى السطح هذه المشروعات المعلنة مؤخرًا.

لا أحد يكره السلام ولا حتى ثقافة السلام، ولا أحد يحب الإرهاب أو القتل، لكن السؤال المهم هو: ما المقصود بالسلام المرفوع شعارًا؟ لقد نجح اليهود و«حبلهم» من الناس، في قلب المفاهيم من النقيض إلى النقيض، فصار السلام هو أن ننسى اغتصاب الأرض والعرض والمذابح الجماعية والتطهير العرقي وتشريد الملايين من ديارهم وإحلال الغرباء محلهم، وأن نتقبل بالأحضان والورود «أشد الناس عداوة لنا ولديننا وحضارتنا» ونفتح له قلبنا وعقولنا وبلادنا يعيث فيها فسادًا. أما المطالبة بإعادة الحقوق المسلوبة إلى أصحابها وعودة المشردين إلى ديارهم، وإخراج الغاصب من البلاد ورفض السيطرة والهيمنة السياسية والاقتصادية والحضارية علينا فهو الإرهاب، أما إمعان العدو- بشكل يومي- في تقتيل الأبرياء بأسلحة الدمار الشامل التي تزوده بها حليفته الباغية علينا، سواء في فلسطين السليبة، أو في جنوب لبنان، أو في الجولان وضرب البنية الأساسية في بلادنا القريب منها والبعيد والصلف والعنجهية في التعامل مع حكامنا وشعوبنا، فليس إرهابًا وإنما هو محض الوداعة والسلام!!

نريد السلام، نعم، لكن بشروطه العادلة: أن تنسحب «إسرائيل» من جميع الأراضي إلى حدود ما قبل ١٩٤٨م، وليرحل عنا هذا الجراد الذي هجم علينا من خزر وروس وفلاشًا، ولمن كانوا يعيشون في بلادنا من اليهود خيار الإقامة «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» أو الرحيل! وأن يدفعوا ديات كل من قتلوا من أبنائنا الذين كانوا يدافعون عن أرضنا، وأن يعوضوهم عما لحقهم من أضرار مادية ومعنوية، بعدها يكون السلام بيننا وبين اليهود. هذا هو السقف العادل الذي يجب أن نستمسك به في كل المفاوضات، لا ذلك الفتات الذي يتنازل عنه- إلى حين- بنو صهيون للمتسولين من ساستنا، عندئذ تنتهيا الأرض حقًا لزرع «بذور السلام» الحقيقية لتثمر الخير والبر والقسط بين الجميع.

الرابط المختصر :