العنوان إشارات في قضية المرأة
الكاتب محمد السيد
تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-2000
مشاهدات 63
نشر في العدد 1391
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 07-مارس-2000
من الحكمة في جعل الله الخلق زوجين التكامل والتناغم وتوزيع الأدوار الملائمة لسر الخلقة في كل زوج من الزوجين، لا الندية والجدلية والتضاد، وإلا لفسد الانسجام الكوني، الذي أثبت العلم الحديث أنه سر بقاء هذا الكون وعمرانه، من أصغر مخلوق وحتى أضخم خلق.. وصدق الله العظيم القائل في محكم تنزيله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يس: ٣٦)، ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طه: ٥٠).
كيف نبتت القضية: حدث هذا الافتعال في قضية المرأة وحقوقها منذ سيطرة الفكر الرأسمالي في الغرب، في بداية ما يسمى بعصر النهضة في أوروبا، وأثناء مساره الذي مصلحته، لمرأة أن تكون سلعة في السوق الرأسمالية، سلعة ضعيفة، تجدف ضد التيار الجارف لمفاهيم مغرقة في الجهل والظلم والإهمال، فرضتها النظرة القاصرة وجاء السوق الرأسمالي يلوح بالجزرة لهذا المخلوق الضعيف المظلوم، ولكنه تلويح لم يبتغ خير هذا المخلوق ولا مصلحته بل أراد له الابتذال والرخص والخروج من الحفظ والصون إلى ساحات العمل كوسيلة إنتاج رخيصة ولطيفة ومشوقة ومغرية، فلما سقط هذا المخلوق في الامتحان، ونزل إلى السوق سلعة، جاء دور الشياطين يلوحون للمرأة بكلمة الحرية والحقوق والخروج والتمرد على القيم والحدود وقيود الأخلاق والعرف ليس من أجل إنقاذها، بل من أجل أن يجدها الرجل هيئة سهلة رخيصة مرتين.
مرة عندما تصبح وحيدة بدون سند ولا ظهر، مضطرة للعمل لتأكل، وتعيش.
ومرة أخرى عندما جعل جسدها سلعة لا قيمة لها، فعراها، وقربها إليه لتكون حاضرة في كل وقت لتشبع خياله الشهواني وهو في كلتا الحالتين كان ينمق لها الخروج والتمرد، ويزين لها معركة التحدي والندية للرجل، ليصل بها إلى مزيد من التردي والحاجة إليه.
وبناء على هذا فقد بذلت المرأة الغربية من خلال المسيرة التي ذكرناها جسدها وعرضها وكرامتها في سبيل لقمة العيش أولًا، وعندما وجدت نفسها في الفخ بدأت تقنع نفسها بدعوة الحرية والانطلاق التي كانت في الظاهر تدعي إخراجها من قبضة الرجل، ولكنها مقابل ذلك فقدت المأوى الآمن والحضن الأسري المستقر.
كانت هذه هي قضية المرأة في الغرب التي أحدثها الخلل في فهم سر الخلقة الأصلية «الفطرة»، وقد اضطر الغربيون أنفسهم في آخر الأمر للاعتراف بخلل فكرة المساواة بين الرجل والمرأة، مما حدا بامرأة مثل «هيلين أندلين»، خبيرة شؤون الأسرة الأمريكية إلى القول: «إن فكرة المساواة بين الرجل والمرأة غير عملية أو منطقية وأنها ألحقت أضرارًا جسيمة بالمرأة والأسرة والمجتمع...».
والفيلسوف «برتراند راسل» يقول: «إن الأسرة انحلت باستخدام المرأة في الأعمال العامة، وأظهر الاختبار أن المرأة تتمرد على تقاليد الأخلاق المألوفة وتأبى أن تظل أمينة لرجل واحد إذا تحررت اقتصادياً»، ويقول جول سيمون المرأة التي تشتغل خارج بيتها تؤدي عمل عامل بسيط ولكنها لا تؤدي عمل امرأة.
الانحراف عن الفطرة
كانت قضية الخلل هذه في الفكر الغربي تتلخص بخطأ الفكر والابتعاد عن صحة الفطرة واعتساف القول بمساواة الرجل والمرأة في كل شيء وقيام العلاقة بينهما على أساس الندية و انطلاق المرأة خارج كيان الأسرة بدون قيود من اخلاق أو دين أو قيم إلا ما يواجهها من هوى ونوازع النفوس المريضة الأنانية من الرجال والنساء، وكان ذلك كله بسبب عدم وجود مرجعية فكرية صالحة، وقيام ظلم عملي للمرأة من مجتمع الرجال، بينما كانت قضية المرأة العربية والإسلامية مختلفة كل الاختلاف فالمرجعية الفكرية الصالحة موجودة، بل ومنزهة عن الهوى وهي الإسلام الذي انقذ المرأة وحررها من مركزها الوضيع الذي القاها فيه تاريخ من الجاهليات التي صنعها الإنسان لنفسه، ولكن الانحراف السلوكي العملي للرجال، وارتكاسه من جديد في دوامة الأعراف والعادات والمظاهر الجاهلية في نظرة الرجال للنساء هو الذي جعل معاملتهم لهن معاملة مناقضة لما جاء في الإسلام من رفع لمقام المرأة والتعامل معها على أساس أن النساء شقائق الرجال، وأن: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة: ۲۲۸)، أي في قيادة الأسرة ورئاستها، حيث لا يمكن لأي مؤسسة أن تقوم وتستمر باتزان إلا من خلال قيادة واحدة شورية قوية.
فالرجل والمرأة علاقتهما علاقة موالاة ونصرة وتعاضد وتعاون وتكامل، يقومان بأمر هذا الدين وتدبير مسيرة هذه الحياة باستقامة، واجباتهما نحو دينهما واحدة، وطاعتهما لله واحدة، وإن اختلف دور كل منهما في المسيرة بحسب التكوين الأصلي الذي برأه الله لكل منهما وجعل فيه بعض الاختلاف ولكنه ليس اختلاف تضاد وإنما اختلاف تكامل في العمل وتخصص في وجه من وجوه الحياة، لا يتقن إلا من خلال قيام كل منهما بما خصه الله به، فإذا قدر وإن قام أحدهما -بحكم الضرورة والواجب- يعمل من اختصاصات الآخر فذلك لا يكون قاعدة ولا منهاجًا، بل يبقى ضمن حدوده وخارج القاعدة.
التقاء وافتراق
وإذن فإن نقطة التشابه بين النظر إلى المرأة في المجتمعين العربي والإسلامي من جهة، والغربي من جهة ثانية تقع عند حدود الالتقاء في السلوك العملي تجاهها.
وأما نقطة الافتراق بين النظرتين فكانت عند وجود الافتراق في موضوعين:
الأول: عدم وجود المرجعية الصالحة عند الغرب، للحكم في قضية التعامل مع المرأة بينما هذه المرجعية موجودة عندنا.
الثاني: اختلاف على أرضية التعامل السلوكي الميداني مع المرأة، بين الرجل الغربي، والرجل العربي أو المسلم.
فبينما أراد الرجل الغربي أن يجعل من المرأة سلعة رخيصة في سوق الرأسمالية، فتظاهر بإعطائها الحرية والانطلاق، وهي شعارات مغرية راح يستغل هذا الإعطاء لصالح الربح والمتعة، حتى أصبحت المرأة في وضع الرقيق المموه بدعايات الحرية وزيف التمرد.
وعلى الجانب الآخر نجد بعض الممارسات من عرب ومسلمين تخفي هذه المرأة وتتستر عليها، وكأنها رجس، ليخفي بالتالي دورها الذي شرعه الله مساويًا لدوره الاجتماعي والدعوي، بقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (التوبة: ۷۱)، لتصبح المرأة عنده في آخر الأمر متاعًا، يتحفظ عليه، ويحيطه بالحراسة والتكتم الغامض المعلب في علب الغيرة والغلبة والعادة المنحرفة عن الإسلام.
وفي كلتا النظرتين السابقتين «نظرة الغربي ونظرة بعض العرب والمسلمين» غمط المرأة واقتلاع لها من جذورها، وفطرتها، ورميها في الفراغ الذي يشوه شخصيتها، ويدين وجودها، ويضيع على المجتمعات عنصرًا حيويًا وطاقة هائلة بناءة وإن اختلفت أساليب وأشكال التعامل معها عند الطرفين.