; ٧ سنوات على كابوس العرب في أمريكا والغرب | مجلة المجتمع

العنوان ٧ سنوات على كابوس العرب في أمريكا والغرب

الكاتب صبحي غندور

تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2008

مشاهدات 73

نشر في العدد 1820

نشر في الصفحة 20

السبت 20-سبتمبر-2008

كانت أمريكا في القرن الماضي ولأجيال متعاقبة مقصدًا لتحقيق ما اصطلح على تسميته بـ «الحلم الأمريكي»، وكان الشباب العربي يرون في السفر إلى أمريكا حلمًا يسعى العديد منهم لتحقيقه بأي شكل من الأشكال لكن بعد أحداث 11 سبتمبر ۲۰۰۱م وما تلاها من سياسات أمنية جعل حلم الشباب العربي يتحول إلى كابوس، خاصة لمن هم الآن على الأرض الأمريكية: آلاف من الطلبة العرب الذين كانوا يدرسون في أمريكا غادروها لاستكمال دراستهم في بلدان أخرى، عشرات الألوف من العرب يمتنعون الآن عن زيارة أمريكا، فيما اختار آلاف العرب المقيمون الرحيل عن أمريكا لكن ما هو مصير أكثر من ثلاثة ملايين أمريكي من أصول عربية، ومثلهم من الأمريكيين المسلمين من غير الأصول العربية، الذين لا وطن آخر لهم غير أمريكا؟ أعداد كبيرة منهم من مواليد أمريكا ولا يعرفون لهم وطنًا آخر غيرها.

*الإعلام الأمريكي المتصهين وأحداث 11 سبتمبر وجهل المواطن الأمريكي بمجريات الأحداث في العالم وممارسات بعض العرب والمسلمين في المجتمعات الغربية، روجت لظاهرة الإسلاموفوبيا.

بالنسبة لهؤلاء، أمريكا ليست «حلمًا»، بل وطنًا وواقعًا يعيشونه جيلًا بعد جيل.

صحيح أن بعض المواقف والتصريحات الصادرة عن المسؤولين الأمريكيين الرسميين ترفض الخلط بين الإسلام والعرب من جهة و«الإرهاب» من جهة أخرى، لكن وسائل الأعلام الأمريكية -العامة والمحلية- تبث في كثير من الأحيان ما هو مصدر خوف وشك وريبة في صدر كل عربي وكل مسلم في أمريكا والعالم. 

إن المجتمع الأمريكي هو نسيج مركًّب من أصول عرقية ودينية متعددة، وهذا الموزاييك هو مصدر خطر وضعف أحيانًا، كما هو سبب قوة أمريكا وسلامها الاجتماعي، فالدستور الأمريكي والقانون الأمريكي لا يميزان على أساس خصوصيات دينية أو عرقية، لكن الإعلام الأمريكي وبعض المؤسسات والهيئات الأهلية المحلية في أكثر من ولاية يمارسون الآن هذه التمييز ضد العرب والمسلمين، كما جرت ممارسته ضد أقليات أخرى في مراحل زمنية مختلفة.

ميزة أبناء الجالية العربية والجالية الإسلامية عمومًا، أنهم ينتمون إلى أصول عرقية ودينية متنوعة، إذ حوالي نصف تعداد الجالية العربية من أتباع الديانة النصرانية، وينتمون في أصولهم الوطنية إلى لبنان وسورية والعراق وفلسطين ومصر والأردن، بينما أكثر من نصف عدد الجالية الإسلامية «حوالي ملايين» ينتمون في أصول أوطانهم إلـى بلدان غير عربية «من بلدان آسيا وإفريقيا غير العربية»، إضافة إلى عدد من الأمريكيين الذين اختاروا الإسلام دينًا لهم ومعظمهم من الأمريكيين السود.

إذن أكثر من نصف الجالية العربية هم من النصارى العرب، وأكثر من نصف الجالية الإسلامية هم من أصول غير عربية، ولا يمكن وضعهم جميعًا -العرب والمسلمين- في أمريكا في سلة واحدة، من الناحيتين الدينية والعرقية.

لقد حدثت وتحدُث إساءات عشوائية ضد البعض، لكنها إساءات فردية لا تميز أصلًا بين عربي وغير عربي، بين مسلم وغير مسلم، بل قد وصلت إلى حد التعرض إلى أبناء جالية «السيخ» الذين هم من غير العرب ومن غير المسلمين، وسيكون صعبًا -إن لم يكن مستحيلًا- تكرار تجربة اليابانيين الأمريكيين مع العرب والمسلمين في أمريكا.

هناك متغيرات دستورية وقانونية حدثت في المجتمع الأمريكي خلال النصف الأخير من القرن الماضي، وكلها متغيرات إيجابية تناهض العنصرية والتمييز على أساس اللون أو الدين أو العرق أو الثقافة، وهناك عامل مؤثر أيضًا هو حجم المصالح الأمريكية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، والتي ستتضرر كثيرًا في حال الإساءة الجماعية للعرب والمسلمين في أمريكا.

أسباب التوترات الاجتماعية

هل يعني ذلك أن العرب والمسلمين في أمريكا هم في أمان واستقرار وسلام؟ كلا، فالأخطار المحدقة بهم قائمة على المستوى الفردي في أكثر من ولاية أمريكية، تمامًا كما هو حال عموم العرب والمسلمين في الغرب، وهذه الأخطار هي حصيلة مزيج مركب من أسباب داخلية في الغرب، كما أن لها أيضًا مصادرها الخارجية، فالمجتمعات الغربية -والأمريكية منها خاصة- تتحكم في ردود أفعالها السلبية الآن مشاعر الغضب من التفجيرات التي جرت يوم ١١سبتمبر ٢٠٠١م. 

إضافة إلى ما زرعته لسنوات عديدة أجهزة إعلامية مسيَّرة من قبل جماعات صهيونية وعنصرية حاقدة.. من زعم حول «الخطر الإسلامي» القادم إلى الغرب، وكيف سيكون أيضًا حجم هذا الغضب إذا ما صدر عن جهل عام بالإسلام وبالعرب وبقضايا العرب والمسلمين؟ وكيف سيكون إذا ما اقترن بممارسات سلبية خاطئة يقوم بها بعض العرب والمسلمين حتى في داخل المجتمعات الغربية التي تعاني من تضخم عدد المهاجرين أيضًا، فإن مشكلة المجتمع الأمريكي تحديدًا أن حكوماته المتعاقبة في القرن الماضي كانت منغمسة جدًّا في عدة قضايا دولية وفي أكثر من حرب خارجية، حتى وصلت إلى حد الانفراد بقيادة العالم، بينما المواطن الأمريكي العادي هو أكثر جهلًا من أي مواطن غربي آخر بقضايا العالم وبالجغرافيا وبالتاريخ، وحتى بالنسبة لتاريخ أمريكا وجغرافيتها فالرفاهية الأمريكية واتساع الأرض الأمريكية وعزلتها الجغرافية عن باقي العالم، كلها عوامل أدت إلى عدم اهتمام الإنسان الأمريكي العادي بما يحدث حوله في العالم، وإلى تقبّل ما تقدمه له أحيانًا الحكومات الأمريكية ووسائل الإعلام من أكاذيب وتضليل، كمسلمات حول «الآخر» في العالم الآخر.

لذلك غاب التوازن لعقود طويلة بين مدى حجم التورط الأمريكي الرسمي في قضايا العالم، ومدى فهم المواطن الأمريكي العادي لهذه القضايا ولما يحدث حوله في العالم إلى حين صدمة ١١ سبتمبر التي كانت بمنزلة صحوة من غفوة زمنية طويلة، لكن الصحوة هذه حصلت بعد كابوس مرعب أخل بالتوازن الجسدي والعقلي والنفسي لعموم الأمريكيين.

مسؤولية مشتركة: هنا تصبح المسؤولية في التعامل مع هذا الواقع الأمريكي والغربي الجديد، مسؤولية مزدوجة على الطرفين: العرب والمسلمون من جهة، والأمريكيون والغربيون من جهة أخرى  فكل الساحة مفتوحة لأبناء «السوء» لبث سمومهم وأحقادهم على الإسلام والعرب، لكن هي أيضًا ساحة مفتوحة -ولو بظروف صعبة- على دعاة الخير من العرب والمسلمين لكي يصححوا الصورة المشوهة عنهم وعن أصولهم الوطنية والحضارية. وكما هناك العديد من الحاقدين في الغرب وأمريكا على العرب والمسلمين، هناك أيضًا الكثيرون من أبناء أمريكا والغرب الذين يريدون معرفة الإسلام والقضايا العربية من مصادر إسلامية وعربية بعدما لمسوا حجم التضليل الذي كانوا يعيشونه لعقود. 

وإذا كان الغرب تحكمه الآن حالة «الجهلوقراطية» عن الإسلام والعرب والقضايا العربية، فإنه أمر مهم، بل يجب على العرب والمسلمين في الغرب أن يتعاملوا مع هذه الحالة بأسلوب الحوار الهادئ والمقنع لاستبدال «الجهلوقراطية» الغربية بالمعرفة الفكرية السليمة عن الإسلام والعرب لكن فاقد الشيء لا يعطيه، لذلك هي أولوية موازية لأولوية التعامل المعرفي مع الآخر بأن يعمل العرب والمسلمون في أمريكا والغرب على تعميق معرفتهم بأصولهم الحضارية والثقافية والفرز بين ما هو «أصيل»، وما هو «دخيل» على الإسلام والثقافة العربية. كذلك فإن من المهم تشجيع أسلوب الحوار الدائم بين المؤسسات والهيئات العربية والإسلامية في أمريكا والغرب، وبين غيرها من المؤسسات في هذه المجتمعات، إضافة إلى الحوار المباشر عبر الإعلام والإنترنت واللقاءات الخاصة 

مهمة مزدوجة الآن أمام العرب والمسلمين في أمريكا والغرب: تحسين وإصلاح الجسم «الواقع» بشكل متزامن مع تحسين وإصلاح «الصورة»، بناء الذات السليمة مع بناء المعرفة السليمة لدى النفس ولدى الآخر.

 

الرابط المختصر :