العنوان المشروع الإسلامي.. والدور القيادي
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر الجمعة 03-فبراير-2012
مشاهدات 62
نشر في العدد 1987
نشر في الصفحة 62
الجمعة 03-فبراير-2012
الفلسفات والنظريات ونظم الحكم التي تقوم على الحيف والظلم لا تدوم طويلًا، وهذه سنة الحياة ونواميس الكون، وقد رأينا الأنظمة العميلة التي انحازت إلى المشروع الغربي الصهيوني سنين عددًا، ووقفت ضد المشروع الإسلامي منذ رحيل الاستعمار الأجنبي تتهاوى وتتساقط الواحد تلو الآخر.
هذه الثورات العربية المجيدة التي اندلعت في وجود طواغيت العصر وفراعينه بدأت تؤتي أكلها، وتحقق بعض ثمارها المرجوة، ويتصدر المشهد نخبة من أبناء التيار الإسلامي الذين ناضلوا وقدموا التضحيات، ووقفوا في وجه المستبدين في مصر وتونس وليبيا والمغرب واليمن، وقريبًا في سورية بإذن الله تعالى وقالوا قولة حق صادقة عند كل سلطان جائر، وها هي الأمة تعود إلى الذات الحضارية الإسلامية، وها هو التيار المقاوم على أرض فلسطين يشعر بإيذان فجر جديد، لاسيما أنه كان يراهن طوال سنوات نضاله وجهاده على عمقه العربي والإسلامي.
المشهد الراهن يذكرني بالكلمات القوية والدالة التي أطلقها ربعي بن عامر رسول جيش المسلمين في وجه «رستم» قائد الفرس حينما سأله ما الذي جاء بكم؟ فكان رده المزلزل لأهل الباطل وأركانه «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام»
الأجواء التي نحياها الآن تعيد إلى الأذهان هذه اللحظة التاريخية التي انطلق فيها المشروع الإسلامي بعد ثورة عارمة على الظلم والقهر والتسلط والبطش لتسترد الأمة مكانتها وكرامتها وعزتها، تمهيدًا لأن يكون لها دور عالمي إنساني كبير، دور قيادي أصيل في التيارات العالمية الإنسانية.. دور بمنحهم سببًا وجيهًا للوجود العالمي الانساني، كالدور الذي منح العرب الأميين في الجزيرة العربية سببًا وجيهًا للوجود الإنساني، وللقيادة العالمية الإنسانية.
وحسبنا أن نذكر النقلة البعيدة التي نقلها ديننا القيم العرب الجزيرة في الشعور والسلوك والأهداف والغايات، والتنظيم الاجتماعي والاقتصادي.. ومن ثم كانت الغلبة على إمبراطوريتي «كسرى» و«قيصر».
ونذكر حين هاجر بعض المسلمين إلى الحبشة فرارًا بدينهم من إيذاء قريش أوائل الدعوة الإسلامية.. وخشيت قريش أن يكون في ذلك المهجر متنفس للمسلمين، فبعثت بسفيرين من لدنها إلى نجاشي الحبشة ليرد أولئك المهاجرين وهما: عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة فيما يرويه ابن إسحاق بسند صحيح من حديث أم سلمة رضي الله عنها في هجرة الحبشة، أنها قالت:
«لما نزلنا بأرض الحبشة، جاورنا بها خير جار «النجاشي» أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى، لا نؤذي ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى «النجاشي» فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا النجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجعلوا له آدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم.. إلى أن قالا:
أيها الملك, إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا تعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيتًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه، إلى أن قالت:
ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض، ما تقولون للرجل إذا جنتموه؟ قالوا: نقول والله! ما علمنا وما أمرنا به نبينا كائنًا في ذلك ما هو كائن، فلما جاؤوا وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال لهم، ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به في ديني، ولا دين أحد من هذه الملل؟
قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال له: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا كذلك، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا..».
ولقد كان السفيران حاضرين، وفيهما عمرو، لا تنقصه ذلاقة اللسان، ولا سعة الحيلة، فلم يكذبا جعفرًا في تصويره لحال الجزيرة قبل الإسلام، ولحقيقة الدين الإسلامي الحنيف.
إنها صورة صحيحة صادقة لما كان، ولما صار، وشهادة من بطون التاريخ عبر الجزيرة العربية.
وفي عصرنا الحديث يتكرر المشهد، وينزوي الباطل وأهله، ويتقدم الصفوف أنصار قيم الحق والعدالة والمساواة، فالله نسأل أن يوفقهم إلى سبيل الرشاد وأن يعينهم على مواجهة التحديات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
(*) أستاذ الحديث وعلومه