العنوان مذكرات: صفحات من دفتر الذكريات «89»: سطيف الحرة الأبية ١٩٩١م وندوة الاقتصاد الإسلامي
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1996
مشاهدات 82
نشر في العدد 1192
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 19-مارس-1996
• لقاءات مع قادة الأحزاب في "الجزائر" ومحاولات لم تنجح للتوفيق بين «حماس» و«الإنقاذ»
عرفت «سطيف» واستقر اسمها في ذاكرتي منذ سمعت أخبار العدوان الاستعماري عليها في «8/ 5/ ١٩٤٥م» ذلك العدوان الغادر الذي أسفر عن مصرع آلاف من أبنائها، والذي أثارني واستفزني وأنا شاب، فكتبت مقالتي التي جعلت عنوانها «سطيف.. والمجد الطريف»، ونشرتها «الرسالة» منذ أكثر من خمسين عامًا.
وفي عام «۱۹۹۱م» أتيحت لي الفرصة لرؤية «سطيف» التي أحببتها؛ لأنها شقيقة «قسنطينة» الغالية، وشريكتها في كل عمل في سبيل «المجد الطريف» مجد النهضة الإسلامية والجهاد ضد قوى البغي والعدوان.
كنت أتابع تطورات الحال في "الجزائر" وقد بدأت تتلاشى أمارات التفاؤل الذي أنعشنا عندما كنا في ملتقى قضايا المستقبل حين بدأنا نفكر في إنشاء اتحاد للكتاب الإسلاميين ونجعل مقره هناك، لكن بعد ظهور نتائج الانتخابات البلدية لصالح جبهة الإنقاذ تراجعت الحكومة عن سياسة الانفتاح على الفكر والتيار الإسلامي، وبدأت في سياستها لتعطيل الانتخابات البرلمانية بكل أساليب المراوغة والمماطلة مما أثار الرأي العام وقلق الجماهير المؤيدة لجبهة الإنقاذ الذين ساءهم أن جهات أجنبية تفرض ذلك على الحكومة لتطول فترة حملتها ضد الإسلام والإسلاميين أطول مدة ممكنة حتى ييأس الرأي العام ويفتر حماس مؤيدي الجبهة، ولم يستطع قادة الجبهة السكوت على ذلك، فدعوا إلى مظاهرة تتجه إلى مقر رئيس الجمهورية لكي يقدموا له مطالبتهم بتحديد موعد الانتخابات البرلمانية، وتكررت تصريحاتهم أن الجبهة لن تسكت على ذلك، وسوف تدعو الشعب لتحمل مسئوليته، وقد تضطر لإعلان الجهاد ضد السلطة التي تعطل حق الشعب في التعبير عن رأيه واختيار ممثليه، وممارسة سيادته وسلطانه، وارتفعت نبرة التحدي من الطرفين بصورة أزعجت كثيرين من دعاة الاستقرار والوحدة بين الوطنيين، واقترح بعضهم علي أن أتوجه "للجزائر" لعمل شيء لتهدئة الأوضاع هناك، وكان موقف الحكومة سببًا لإشعال نار الفتنة داخل التيار الإسلامي نفسه، فقد تعددت حوادث التصادم بين أنصار الجبهة وأنصار الشيخ «محفوظ»، مما أحدث بلبلة وإزعاجًا لكثير من الإسلاميين، وخاصة أولئك الذين يعطفون على جبهة الإنقاذ ويؤيدونها ويرون أن كل من يثير المشاكل لها إنما يعمل لصالح السلطة الاستبدادية، بل ولصالح القوى الأجنبية التي لا تخفي خوفها من أن انتصار الجبهة في الانتخابات البرلمانية سوف يؤدي لوصولها إلى السلطة طبقًا للأصول الديمقراطية المعترف بها، وهنا دول كبرى لا يسرها ذلك ولا يخدم مصالحها في تلك البلاد، كما أن هناك حكومات عربية تعتبر مجرد التفكير في ذلك يعتبر مصدر رعب لها؛ لأنها وصلت للسلطة بغير طريق ديمقراطي.
سنحت لي فرصة السفر عندما دعتني جماعة ثقافية من أبناء «سطيف» لحضور احتفال بذكرى حوادث عام ١٩٤٥م التي نشرت عنها مقالتي بـ«الرسالة»، فسارعت للسفر إلى "الجزائر"، ومنها سافرت مع أحد أعضاء تلك الجماعة بالقطار، وكانت هذه أول مرة أسافر بالقطار في "الجزائر"، وألقيت محاضرة هناك وعرضت عليهم نسخة من مقالي الذي نشرته في عام ١٩٤٥م، وأنا في سن العشرين، وسعدت بالحوار معهم فترة طويلة، وودعتهم بعد أن أخذوا علي ميثاقًا أن أزورهم مرة أخرى في ذكرى مرور خمسين عامًا على تلك الحوادث الأليمة، وها هو ذا الموعد قد قرب وأنا أكتب هذه السطور في عام ١٩٩٥٠م، وليس عندي أمل في أن أستطيع الوفاء بوعدي وأسعد بلقائهم هناك.
إن من دعوني كانوا ينتمون إلى جمعية "الإرشاد" التي يرأسها الشيخ "محفوظ النحناح"، وكان من الطبيعي أن أواجه بأسئلة عن رأيي في الخلاف بين "الإنقاذ وحماس"، فقلت لهم: إن حمى الاستعداد للانتخابات البرلمانية ينتج عنها مصادمات بين أنصار المرشحين من الأحزاب المختلفة، ولذلك فإنني أسعى لكي يتفق الطرفان على تقسيم الدوائر حتى لا يوجد في أية دائرة مرشحان إسلاميان متنافسان، فإذا وافق الطرفان على ذلك، فإننا نستطيع أن نحول دون استمرار هذه المصادمات.
وعندما عدت إلى العاصمة التقيت بالشيخ "محفوظ" وعرضت عليه اقتراحي، وكذلك عرضته على الشيخ "عباس مدني"، وكلاهما قال: إن ذلك صعب، فقلت: إنني ساعد خطة مكتوبة وأعرضها عليهما.
كانت خطتي هي أن يترك لجبهة الإنقاذ أن ترشح وحدها في جميع الدوائر التي نجحت فيها في الانتخابات البلدية والجمهورية دون أن يتقدم منافسون إسلاميون فيها، وأن تقسم بقية الدوائر بين الأحزاب الإسلامية التي توافق على هذه الخطة بنسبة معينة يتفق عليها.
كل ما قاله الشيخ عباس هو أنه سيطرح الاقتراح على إخوانه في المجلس التنفيذي ومجلس الشورى، أما الشيخ محفوظ فاعترض على الشق الأول قائلًا: إنه يريد الترشيح في بعض الدوائر الهامة في العاصمة وضواحيها، ولا يستطيع أن يتركها للإنقاذ، فقلت له: عليك أن تتصل بالمسؤولين في الجبهة وتتفاهم معهم، وغادرت الجزائر دون أن يكون لدي أمل كبير في وصولهم إلى اتفاق.
أذكر أنه قبل هذه الزيارة تابعت أنباء عودة «بن بيلا» إلى "الجزائر" بعد أن غادرها مدة طويلة، وأعلن في الصحف أنه سيستأجر باخرة تنقله من أحد موانئ "إسبانيا" إلى "الجزائر"، ودعا لمرافقته فيها عددًا كبيرًا من رجال الصحافة والإعلام والأصدقاء والمؤيدين، قال بعضهم: إن عددهم حوالي «ألف»، آملين أن يشهدوا الجماهير الحاشدة التي سترحب بعودة الرئيس الأسبق إلى الوطن، وفعلًا بذل أنصار حزبه جهدًا كبيرًا في إحضار أكبر عدد ممكن، لكن الجماهير لم تشاركهم بالصورة التي كانوا يريدونها، والتي كان يتوقعها «بن بيلا» نفسه، والظاهر أن أهم أسباب ذلك هو أنه ذكر في بعض الصحف أنه صرح بانتقادات لجبهة الإنقاذ والتيار الشعبي الذي يؤيدها، ويظهر أن بعض أنصاره قد حاولوا التقليل من شأن الجبهة وأوهموه بأن حزبه سيكون البديل الذي يستعد له منذ إنشائه، كما شهد بذلك عنوان مجلته التي كنت أتابع أكثر أعدادها.
زرت الجزائر بعد وصول «ابن بيلا» بمدة قصيرة واتصلت بأحد أصدقائه، وحدد لي موعدًا للقائه، وذهبت معه إلى المقر الذي اتخذه لنشاطه ومقابلاته وهو فندق على مشارف العاصمة، ورحبت به وهنأته على العودة إلى وطنه وطمأنني على أن أموره تسير على ما يرام، ولكن لم يستطرد هو إلى أي موضوع يتعلق ببرنامجه أو علاقته بالحكومة أو جبهة الإنقاذ أو الأحزاب الأخرى، فآثرت ألا أفتح معه تلك الموضوعات.
قبل أن أغادر الجزائر تحدثت طويلًا مع الشيخ "عباس مدني" في منزله محاولًا إقناعه بالتنسيق مع جماعة الشيخ "محفوظ النحناح" وقلت له: إن هذا التنسيق يجري عندنا بين جميع الأحزاب المختلفة في اتجاهاتها ومناهجها، وذلك لتخفيف عبء المعركة الانتخابية، ولكي يحصل كل منها على أصوات من يؤيدون الطرف الآخر في الدوائر التي تترك له، فكان جوابه أن هناك معارضة كبيرة في صفوف الجبهة ضد أية فكرة للتعاون مع الشيخ "محفوظ النحناح" وجماعة "حماس"، لسببين:
أولهما: أنه ليس لها أي رصيد شعبي يفيدنا في الدوائر التي ستخصص لنا.
وثانيها: أن هذا الاتفاق يمكن حدوثه بين حزبين في صف واحد من حيث معارضة الحكومة مع اختلافهما في سبب المعارضة. أما الاتفاق مع حزب يؤيد الحكومة مثل «حماس» فغير جائز؛ لأن الحكومة تتخذه أداة لمؤامراتها ودسائسها، ولهذا فإنه غير ممكن، إلا إذا تأكدنا أنهم لا يعملون لصالح الحكومة.
أما الشيخ "محفوظ النحناح" فقد فهمت منه أنه غير مستعد للمبادرة بالاتصال مع قيادة الجبهة، فقلت له عندما يئست من إقناعه: لا مانع عندي من أن تنسق مع جبهة "التحرير" وتتعاون معها إذا كنت لا تستطيع التعاون مع "الإنقاذ"، فاكتفى بأن قال لي: إن"ابن بيلا" قد أرسل له من يدعوه لمقابلته، وطلب مني رأيي؛ لأنه يعلم علاقتي مع "ابن بيلا"، ولكني قلت له: إنني لا رأي لي في هذا الموضوع؛ لأن ما أريده هو التنسيق مع الإنقاذ أو مع جبهة التحرير.
وغادرت الجزائر بائسًا من أية محاولة لإقناعه بهذا التنسيق.
ندوة الاقتصاد الإسلامي
إن حكومة الرئيس «الشاذلي بن جديد» بدأت سباقًا مع الزمن لتساير نمو التيار الإسلامي في الجزائر، وتتخذ تدابير تجتذب بها عواطف الجماهير التي تدفعها نحو التيار الإسلامي عمومًا، ونحو جبهة "الإنقاذ" بصفة خاصة. إنها لاحظت أن سبب نجاح الجبهة هو أنها صارت منذ إنشائها واجهة سياسية للتيار الإسلامي الذي يحظى بالتأييد المتزايد من عامة الشعوب، ومن كل من يرفعون الشعارات الوطنية الأصيلة في العالم العربي، الذين أصبح كثيرون منهم يؤيدون جبهة "الإنقاذ" ويعتبرونها المعبرة عن هذا الاتجاه الأصيل.
كانت أهم بوادر هذا الاتجاه لدى الرئيس "الشاذلي" هو العناية بجامعة الأمير "عبد القادر" في "قسنطينة"، وتعيين الأستاذ الشيخ «محمد الغزالي» رئيسًا لها، وفتح الباب أمامه لإلقاء محاضرات في الإذاعة والتليفزيون، كانت الجماهير تترقبها أسبوعيًّا.
وكان انعقاد المؤتمر السنوي لرابطة الجامعات الإسلامية في رحاب تلك الجامعة الذي حضرته في "قسنطينة" دليلًا على ترحيب الإسلاميين المشارقة بهذا الاتجاه وتأييده والمساهمة فيه، ولذلك فإنني أعلنت للأستاذ الشيخ "محمد الغزالي" أنني أؤيده في تعاونه مع الرئيس "الشاذلي" في هذا المنهج، وجاءت ندوة قضايا المستقبل الإسلامي في العاصمة والتي شاركت فيها دليلًا آخر على هذه السياسة.
كان من نتائج هذا الاتجاه في التقارب مع الفكر الإسلامي في خارج "الجزائر" أن الشيخ "صالح كامل"، صاحب بنوك "البركة الإسلامية" عرض على الحكومة الجزائرية إنشاء بنك إسلامي برأس مال مشترك، ونجح في مسعاه إلى حد أن تم الإعلان عن الاتفاق بينه وبين الوزارة المختصة والبنك المركزي الجزائري، وانتهز الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية هذه الفرصة فاتفق مع وزارة الأوقاف الجزائرية على تنظيم ندوة عن الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية بالعاصمة الجزائرية، ودعيت لهذه الندوة التي أتاحت لي فرصة ثالثة لزيارة الجزائر بعد الزيارتين السابقتين.
وفي هذه الزيارة صحبتني ابنتي «كريمة» التي رأت الجزائر لأول مرة، وتعرفت على أسرة الشيخ "عباس مدني" ووثقت علاقتها بزوجته وذهبت معها إلى الاستاد الرياضي خارج العاصمة لحضور اجتماع جماهيري نظمته جبهة "الإنقاذ"، وخطب فيه الشيخ "عباس مدني" وسط آلاف مؤلفة من الجماهير المؤيدة للجبهة ليذكر خصومه بأنه يستند إلى تأييد الأغلبية الساحقة للشعب الجزائري. كان ذلك في بداية عام ۱۹۹۰م، وكانت حرب "الخليج" الثانية قد بدأت. وحضرت هذا الاجتماع كما حضره وفد من العلماء الكويتيين الذين جاءوا في جولة للدعوة لقضية بلادهم، وتقدم أحدهم وهو الشيخ أحمد القطان وألقى كلمة حماسية في هذا الاجتماع، فشرح موقف بلاده وحكومته، وكان ذلك دليلًا على اتجاه قادة الإنقاذ لاتخاذ موقف متوازن في هذه المشكلة التي أثارت انقسامات عديدة بين الإسلاميين، بل وفي صفوف «الإخوان المسلمين» أنفسهم.
لكن جماهير الشعب الجزائري كانت مشغولة بقضاياها الداخلية، وكان هجوم الإعلام الفرنسي والأجنبي عمومًا يزيد يومًا بعد يوم على الإسلام وعلى جبهة "الإنقاذ" التي تمثله في نظر عامة الجزائريين، مما كان يذكرها دائمًا بأن هناك تضامنًا بين الدول الكبرى في مواجهة نمو التيار الإسلامي ومقاومته بشتى الطرق، حتى أنهم ابتكروا له اسمًا مسيحيًّا وتصفه دعايتهم بالأصولية.
هذا التضامن الإعلامي والسياسي الإمبريالي العدواني كان في نظر عامة الشعب هو السبب في وقوف "فرنسا" والدول الأوربية عمومًا وتحالفها لاستغلال الغزو العراقي للكويت لفرض وجودها العسكري والسياسي في "الخليج" لأهداف إمبريالية واقتصادية جعلت كثيرين يعارضون هذا التحالف الذي اعتبروه مقدمة للتسلل إلى منطقة "الخليج" وأقاليم العالم العربي عمومًا، وبسط نفوذهم على ثرواتها البترولية والمالية.
هذا التحالف الأوربي الأمريكي جعل عواطف كثير من الجماهير تعلن عدم اقتناعها بما يدعونه من أن هدفهم هو الدفاع عن الكويت أو رغبتهم في تحريرها، مما جعل مهمة القادة في السيطرة على هذا الاتجاه الشعبي صعبة ودقيقة وخاصة في "الجزائر" و"شمال إفريقيا" على العموم، بل إن الحكومات في تلك الأقطار اضطرت إلى مسايرة عواطف الجماهير في هذا الموضوع رغم علاقتها الوثيقة بالدول الكبرى.
لم تكن قضية الجماهير المؤيدة لجبهة "الإنقاذ" محصورة في مقاومة الإمبريالية والحكومة الجزائرية، بل شكا كثيرون من الصراع المتواصل بين أنصار "الإنقاذ" وبعض الإسلاميين الجزائريين وخاصة الشيخ "محفوظ النحناح" الممثل للإخوان في "الجزائر"، وأذكر أن أحد أساتذة الجامعة الجزائرية الذين أثق بآرائهم وأعتز بصداقتهم حضر إلي في قاعة الاجتماعات المخصصة للندوة وأعطاني صورة كاملة عن المصادمات التي تقع في مناطق عديدة بين الطرفين، وناشدني أن أستعين بالمفكرين الحاضرين في الندوة لوضع حد لهذا الانقسام داخل التيار الإسلامي.
وقد استعنت فعلًا بصديقي المرحوم الأستاذ "عمر بهاء الدين الأميري" الذي كانت له مكانة كبيرة لدى الجميع، والتقيت عدة مرات مع الشيخ "محفوظ النحناح" والأستاذ "محمد السليماني"، وعرضت عليهما اقتراحي بعدم الدخول في ميدان السياسة الحزبية لكي يبقى الإخوان بعيدين عن مشاكلها، وقلت لهما: إنني أفضل أن تبقوا فوق الأحزاب لتكونوا واسطة بين جميع الأطراف المتخاصمة وتحتفظوا بقدر كاف من حسن التفاهم مع كل الهيئات والأحزاب، وأفضل أن تتفرغوا للعمل التربوي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي لإيجاد جيل من الشباب يحمل مسئولية بناء المجتمع ونهضته على الأصول الإسلامية من خلال الأحزاب أو المؤسسات الحكومية والشعبية.
فوجئت بأن الشيخ "محفوظ" يخبرني بأنه ينوي إنشاء حزب سياسي وأنه سيعلن ذلك، ودعاني لحضور الاجتماع الذي سينظمه لهذا الغرض، لكنني رفضت ذلك، وأكدت له عدم موافقتي على رأيه، وقلت له: إذا كان مصرًّا على اقتحام ميدان العمل الحزبي، ولا يمكن تعاونه مع جبهة الإنقاذ، فالأولى أن يكون ذلك بالانضمام إلى جبهة التحرير أو من خلال التعاون معها، وقلت له: إنني أعتقد أن الرئيس "الشاذلي" بن جديد يسعى لإخراج ممثلي الجيش من أجهزة جبهة "التحرير"، بل وبعض العناصر اليسارية المتطرفة، وهذا يؤدي إلى فراغ في أجهزة ذلك الحزب، وأفضل أن يملأه إسلاميون من الإخوان، بدلًا من أن يحتله الإلحاديون والشيوعيون المنافقون الذين يتسترون وراء الشعارات الاشتراكية أو الديمقراطية العلمانية، وأكدت له أن من مصلحتنا تقوية العناصر الإسلامية داخل جبهة التحرير، وتشجيع الرئيس "الشاذلي" بن جديد في سياسته لتدعيم الفكر الإسلامي في "الجزائر"؛ لكنه اعتذر بأن الرأي العام معبأ ضد جبهة "التحرير"، ولن يستفيد كثيرًا من الانضمام إليها أو التعاون معها، وأن الجميع يتسابقون لإنشاء أحزاب سياسية، فلا نستطيع أن نقف بعيدًا عن هذا الميدان، وأخبرني بعد ذلك بأنه اختار لحزبه اسم «حماس» اختصارًا لاسمها وهو «حركة المجتمع الإسلامي»، وتأييدًا لجهاد حماس في "فلسطين".
في نفس الوقت علمت أن الشيخ "عبد الله جاب الله" أحد أكبر الدعاة الإسلاميين في شرق الجزائر ينوي أن يعلن إنشاء حزب إسلامي، وأنه اختار له اسم «حزب النهضة»، وقد التقيت به في الفندق الذي نزلنا به، وعرفت منه أنه سيسجل حوارًا تليفزيونيًّا فأخذت عليه تعهدًا بألا يستدرجه الصحفيون لمهاجمة "الإنقاذ" أو مسئوليها.
وفي زيارة للرئيس السابق للحكومة الجزائرية المؤقتة السيد «يوسف بن خدة» بمنزله تحدثت معه طويلًا عن ذكرياتنا عن ثورة "الجزائر" الأولى، فأبدى لي أنه عازم على الحصول على ترخيص حكومي بإنشاء حزب إسلامي جديد يسميه «حزب الأمة»، وأعطاني صورة المنشور الذي يعده لذلك، ومع ذلك فإني أشرت إليه بعدم موافقتي، وقلت له: إن دوره الشخصي باعتباره من القادة التاريخيين للثورة وجبهة "التحرير" يمكنه من أن يلعب دورًا كبيرًا للتنسيق بين الأحزاب الإسلامية والقومية، وهو دور هام في مستقبل الجزائر رغم أن كثيرين لا يفكرون فيه لانشغالهم بالخصومات الحزبية، وأنه بذلك يمكنه أن يخدم الاتجاه الإسلامي والوطنية الأصيلة أكثر مما يحققه بإنشاء حزب إسلامي آخر، قد يعتبره الآخرون منافسًا لهم وعقبة في طريق الدعاية لأحزابهم، ولكنه أصر على رأيه.
إنني كنت أعارض فكرة إنشاء هذه الأحزاب المتعددة رغم أن اتجاهها إسلامي خشية أن يشغلها التنافس فيما بينها عن مقاومة التيار الفرانكفوني والعلماني والعنصري والتغريبي، الذي تموله القوى الأجنبية الإمبريالية، والتي لاحظت أنها تدفع كثيرًا من عملائها لإنشاء أحزاب علمانية لا دينية لمقاومة المد الإسلامي تحت أسماء متعددة، لكن عندما حصلت تلك الأحزاب على موافقة الحكومة لإنشائها، رأيت أن ذلك يمكن الاستفادة منه في المستقبل لتأكيد حق الاتجاه الإسلامي في العمل السياسي وإنشاء أحزاب معترف بها لإحباط المؤامرة الأجنبية المعادية للإسلامية، والتي تهدف لإقصاء الإسلام عن ميدان العمل العام الذي تسير نحوه بعض الحكومات العربية، وتردده دعاياتها تحت ستار عدم جواز إنشاء أحزاب «دينية» أو بحجة فصل الدين عن الدولة، أو أنه «لا إسلام في السياسة» كما كان يقول السادات رغم أن دعايته كانت تسميه الرئيس المؤمن.
كل هذا جعلني أحدد مهمتي، وهي العمل على وقف مسلسل المصادمات بين قادة هذه الأحزاب الإسلامية وجماهيرها ومؤيدي كل منها، والتنسيق فيما بينها، بل بينها وبين جبهة التحرير ذاتها.
«*» أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة "القاهرة".