; البوسنة: إعادة دفن رفات 530 ضحية في الذكرى الـ (14) للمجزرة- «سريبرينتسا»... مأساة لا تنتهي! | مجلة المجتمع

العنوان البوسنة: إعادة دفن رفات 530 ضحية في الذكرى الـ (14) للمجزرة- «سريبرينتسا»... مأساة لا تنتهي!

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 11-يوليو-2009

مشاهدات 70

نشر في العدد 1860

نشر في الصفحة 30

السبت 11-يوليو-2009

  • أسمير هوجيتش: كان بالإمكان وقف الحرب في أيامها الأولى لكن تواطؤ الغرب ساهم في إبادة ومعاناة الآلاف من المسلمين.
  • منيرة سوباتشيتش: كان عددنا نحو 40 ألفًا.. وتم قتل الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 12 عامًا و 75 عامًا.
  • د. حارث سيلاجيتش: المجزرة خطيئة جهات دولية عديدة..ومسؤوليتنا مواصلة كشف دورها وتخفيف معاناة أهالي الضحايا.
  • تحديد هوية 3737 ضحية وآلاف غيرهم في الانتظار.

لكل مذبحة بداية ونهاية، إلا مجزرة «سريبرينتسا »  -فقصصها لا تنتهي أبدًا.. وفي كل ذكرى للمجزرة، تستولي «سريبرينتسا» على الأذهان، وعلى الزمان والمكان، وعلى الماضي والحاضر.. وتلقي بظلالها على السياسة والفن والثقافة، وتستشرف المستقبل، وتستدعي التاريخ للإدلاء بشهادته، وهي أن الوحشية والبربرية ليست تاريخًا مضى بل إنها طبعت عصرًا يزعم البعض أن «الغرب» خطا فيه خطوات عملاقة نحو المدنية والإنسانية والرشد.

وفي الذكرى الرابعة عشرة لمذبحة «سريبرينتسا»–التي يتم فيها إعادة دفن رفات ٥٣٠ ضحية من ضحايا المجزرة الأكبر في أوروبا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ حيث قضى أكثر من عشرة آلاف شخص نحبهم رميًا بالرصاص وتقطيعًا بالسكاكين –لم تنقطع قصص المعاناة، ولا نداءات التكالي، ولا مظاهرات المجروحين المطالبين بالعدالة في عصر النسبية التي طغت حتى على القضاء الدولي.

لذلك يقف العالم في 11 يوليو من كل عام لحظة تفكير في الدماء التي سالت في «سريبرينتسا» ولم يتحرك لوقفها، وكان قادرًا، لأن الضحايا من المسلمين (!!) كما لو أن المسلمين ليسوا بشرًا أو أن قتلهم وتعذيبهم واضطهادهم ليس جريمة.

خطيئة دولية

وفي حديثه ل «المجتمع»، قال عضو مجلس الرئاسة د. «حارث سيلاجيتش» رغم أن «بلونتشاري»، و«سريبر ينتسا»يحمل  ذكرهما على القشعريرة، إلا أنه يحمل في الوقت ذاته على الشجاعة على البصق في وجوه المجرمين، وفي وجوه من منعوا المجتمع الدولي من مساعدة الضحايا استغلالًا لمناصبهم أو لمواقعهم في مطبخ القرار الدولي... وتابع: «الضحايا قتلوا لأنهم مسلمون وتم السكوت عن جريمة قتلهم لأنهم مسلمون».

وأشاد «سيلاجيتش »ب «أمهات سريبرينتسا» اللاتي صبرن ولا يزلن يطالبن بالكشف عن مصير أعزائهن الذين غيبوا في مقابر جماعية لا تزال مواقع الكثير منها مجهولة.

وقال: «سريبرينتسا»كانت خطيئة جهات دولية، كانت تقف مع الشر، ومسؤوليتنا مواصلة كشف هذه الأدوار ومساعدة أهالي الضحايا في وقف معاناتهم».. وتابع: «هناك من لم يقل حتى الآن: إنه حدثت إبادة في «سريبرينتسا»، فضلا عن البوسنة كلها. مشيرًا إلى أن المسؤول المباشر عن جريمة الإبادة في سريبرينتسا الجنرال «راتكو ملاديتش» لا يزال طليقًا، رغم مرور ١٤ عاما على وقوع المجزرة».

تواطؤ الغرب

 ومن جهته قال: «رفعت كيتشينوفيتش» عضو لجنة تحديد هويات ضحايا الإبادة في «سريبرينتسا» ل«المجتمع»: حتى الآن تم تحديد هويات 3۷۳۷ ضحية من ضحايا الإبادة في «سريبرينتسا»، وهناك آلاف في الانتظار.. وبالتعاون مع المنظمة الدولية للبحث عن المفقودين سنشرع في تحديد هويات ٦٢٠٠ ضحية لم يتم التعرف على هوياتهم بعد عبر تحليل الحمض النووي (D.N.A.

ومن ناحيته، قال مدير مركب «بلوتتشاري»«أسمير هو جيتش»: «هناك ما يصل إلى ٥٣٠ ضحية سيعاد دفن رفاتهم يوم 11 يوليو في الذكرى الـ (١٤) لمذبحة سريبرينتسا». وأضاف: «نحن شهود على المجزرة التي كان بالإمكان وقفها في ساعاتها الأولى، بل كان بالإمكان وقف الحرب في أيامها الأولى، لكن حسابات الغرب في ذلك الحين –أو بالأحرى بعض الدول الأوروبية –ساهمت في مأساة الآلاف من المسلمين في البوسنة على مذبح الإسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام )والشيزوفرينيا (انفصام الشخصية) الغربية».

وأوضح «هو جيتش» أن من بين الذين سيعاد دفن جثامينهم في الذكرى الرابعة عشرة لمجزرة سريبرينتسا «أدمير وألمير عثمانوفيتش»، وهما دون سن ١٨ عامًا، ومن أكبرهم نوري سينانوفيتش » (٧٦عامًا)، ومن اصغر الضحايا «عز الدين ملاغيتش»، و« فهيم مؤمينوفيتش» ، و«محي الدين أليتش »ولم تكن أعمارهم قد تجاوزت الرابعة عشرة.

مشهد دموي

وإن كان القتل فظيعًا، فليس هناك أشد معاناة من أن يتمنى الإنسان الموت ليتخلص من ألمه البدني أو النفسي أو كليهما معًا... وقالت «منيرة سوباتشيتش» له «المجتمع» أثناء محاكمة مجرم الحرب «رادومير فوكوفيتش »، والتي كانت أحد شهود الإدانة في جريمة الإبادة في سريبرينتسا: «كنت بين النساء والأطفال الذين تم تهجيرهم، وكان عددهم يزيد على ٤٠ ألفًا، وقد تم قتل جميع الذكور من سن ١٢ عامًا وحتى ٧٥ عامًا، وكان عددهم يتجاوز –حسب اعتراف الصرب أنفسهم - ٨ آلاف نسمة، أما تقديرات المسلمين فتتجاوز عشرة آلاف ضحية.

وأضافت: «لقد كنت من بين النساء اللواتي تجمعن في  «بلوتتشاري»، وكان معي زوجي وابني نرمين، وقد قام بقتلهما على الفور، وتم العثور على زوجي داخل مقبرة جماعية، ومازلت أنتظر خبر العثور على ابني من بين ضحايا المقابر الجماعية التي تم الكشف عنها، أو التي يعتقد أنه سيتم العثور عليها ».

ووصفت «سوباتشيتش» ذلك المشهد الدموي بالقول: «إن زعيم مجرمي الحرب الجنرال «راتكو ملاديتش» جاء إلى «بلوتتشاري» في ١٢ يوليو ١٩٩٥م، وقال: إن النساء والرجال سيتم التفريق بينهم، وسيتم إبقاء الرجال بينما سترحل النساء ». وتابعت «رجوته –باكية منتحبة –أن يترك لي ابني الذي كان مريضًا، لكنه رفض رغم أن عمره لم يكن يبلغ ١٢ سنة، وقد أغمي علي بعد أخذه من بين أحضاني، وعندما أفقت في مستشفى مدينة «توزلا» تمنيت لو أني مت قبل الوصول إلى المستشفى في رحلة العذاب والألم من سريبرينتسا إلى الأراضي المحررة في توزلا »! وذكرت أن بعض النساء أبلغتها بأنهن شاهدن ابنها مع أطفال آخرين وشيوخ طاعنين في السن وكانت أيديهم على رؤوسهم، ويبدو أنه سيتم قتلهم جميعا، وهو ما تم بالفعل!

فرقة الذئاب

أما الضحية «فلاديكا كشافندي»، التي كانت تعيش مع والديها وأختيها وأخيها الصغار آنذاك، فقد أدلت بشهادتها أثناء محاكمة مجرم حرب صربي يدعى «بريدراغ كويونجيتش»، والذي يحاكم بتهم جرائم حرب داخل البوسنة، فقالت: «كان عمري ١٦ سنة عندما اقتحمت «فرقة الذئاب (عصابات أراكان) منزلنا، وقد تعرضت للاغتصاب عدة مرات مع فتيات أخريات».

وأضافت: «في الصباح جاءنا جنودصرب في سيارة للشرطة، ونقلوني إلى مبنى إذاعة دوبوي، حيث كان هناك مجرم الحرب «بريدراغ كيونجيتش» الذي طلب مني عدم الحديث لأي أحد حتى يعود، ثم سلمني نصًا مكتوبًا طلب مني حفظه، ثم التدرب على إلقائه وفيه إنني «مسلمة أكره، الإسلام ولا أريد أن أعيش كمسلمة، وإن المسلمين هم المخطئون في الحرب، وإنهم من قام بهدم المساجد ووزعوا الأسلحة على القرى من أجل خوض الحرب، وإنني أصبحت أرثوذكسية» (!!) وكنت مجبرة على ذلك تحت تهديد السلاح».

مأساة حقيقية

لم يكن ذلك نهاية البربرية والافتراء والكذب والادعاء والمغالطات، فقد بدأت بعد تلك المسرحية الديماجوجية الكاذبة تراجيديا حقيقية.. «تقول كشافندي»: «بعد ما حدث في إذاعة دوبوي أخذوني إلى أحد المنازل واغتصبوني مع الضرب الشديد حتى سال الدم من أنحاء كثيرة من جسدي بما في ذلك أنفي وفمي» !

ولم يكتف الصرب بذلك بل ألبسوها لباسًا عسكريًا ووضعوا على رأسها خوذة حمراء، ووضعوا في رقبتها صليبًا مربوطًا بسلسلة وطلبوا منها عدم نزعه حتى في النوم.. وتقول: «لقبوني باسم  «أليكسندرا كيونجيتش»، ولم ينادوني باسمي الحقيقي أبدا وإنما «أليكسندرا».. وبعد عشرة أيام. نقلوني إلى مدينة «بيالينا (أقصى شرق البوسنة) لتنصيري أو تعميدي كما قالوا. وقد استقبلني مطران يدعى «فاسيليا كتشافيندو»، الذي طلب مني وضع ذكره في فمي، وكنا داخل الكنيسة» !!

وتواصل قائلة: «بعد أن أعادني إلى صالة الانتظار سأله بريدراغ كيونجيتش»:  أتريدها الآن أم بعد أن تصبح واحدة منا؟ فأجابه المطران الآن، لأنه حرام النوم معها بعد أن تصبح نصرانية (!!).. وبعد ذلك قام بتعميدي... وقد استمرت عمليات الاغتصاب بعد ذلك في «بيالينا ودرفنتا»، وأصبحت حاملًا، ولكني أجهضت، ثم تمكنت من الهروب عام ١٩٩٦م، وساعدتني امرأة على ذلك؛ حيث عملت عندها في مقهى بمدينة «در فينتا».. وفي عام ٢٠٠٠م اتصلت بأمي، ثم سافرت إلى ألمانيا؛ حيث أعالج مما عشته من أهوال تفوق فظائع النازية والفاشية والصهيونية».

الرابط المختصر :