العنوان إسرائيل شاحاك يكشف النقاب عن: الأهداف الاستراتيجية لعملية «عناقيد الغضب»
الكاتب عزام التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1996
مشاهدات 69
نشر في العدد 1201
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 28-مايو-1996
العملية جاءت كتمرين حقيقي لرفع كفاءة الجيش الإسرائيلي استعدادًا للحرب القادمة.
نبه المحلل السياسي الشهير إسرائيل شاحاك في مقال نشرته له دورية ميدل إيست إنترناشونال في عددها الصادر بتاريخ 1996/5/10م إلى أنه ينبغي أن ينظر إلى عملية عناقيد الغضب ضد لبنان ضمن سياق الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل في المنطقة، محذرًا من أنه ما لم يطرأ تغيير جذري على هذه الأهداف فإنه- ورغم وقف إطلاق النار الحالي- يتوقع أن تشن إسرائيل في المستقبل القريب عدوانًا مشابهًا، بل أكثر سوءًا وأشد وطأة، وقد خلص شاحاك إلى هذه القناعة بعد أن استفاض في شرح الأهداف الإسرائيلية على النحو التالي:
إن غاية إسرائيل الأولى والأهم من «عناقيد الغضب» كانت فرض درجة معينة من السيادة الفعالة على لبنان ثم ممارستها بشكل مشابه للأسلوب الذي تتحكم بواسطته بقطاع غزة، فما من شك في أن الأوامر التي وجهتها إسرائيل- وعززتها بالقصف البري والجوي والبحري- للسكان اللبنانيين بإخلاء مدنهم وقراهم والتوجه برًا نحو الشمال هي- بالإضافة إلى كونها ممارسات في غاية الوحشية- ممارسة للسيادة لا تختلف عن الأوامر التي يعطيها الإسرائيليون للفلسطينيين في المناطق التي من المفترض أنها تدار من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية فتسمح لهم باستخدام طريق معين وتمنعهم سواه.
والمؤشر الآخر على الأهداف الحقيقية لإسرائيل في لبنان- وهو مؤشر أهم- نجده في الحل الذي كثيرًا ما يعرضه شیمون بیریز بشأن مشكلة المنطقة الأمنية، فهو يعرض الانسحاب من المنطقة (بعد شهور من الهدوء) ولكن شريطة أن يتم استيعاب أفراد جيش لبنان الجنوبي في الجيش اللبناني.
ولكن أية دولة تلك التي تتجرأ على إملاء ما تريد على دولة أخرى ذات سيادة فيما يخص تركيبة جيشها الوطني؟ مع ملاحظة أن ذلك لا يحدث خفية- كما هو الحال في تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع بعض دول أمريكا الوسطى- ولكن على المكشوف، وكان مثل هذا الشرط قد فرض على الجيوش التي كان يحتفظ بها الأمراء الهنود في عهد الاستعمار البريطاني، وهو الشرط الذي يفرض حاليًا في حالة رجال الشرطة التابعين للسلطة الفلسطينية، والذين تحتاج كل مجموعة منهم تصل من الخارج إلى تصريح من إسرائيل يسمح لها بالدخول إلى المناطق التي تحكمها السلطة الفلسطينية.. باختصار إذن إن أول وأهم هدف إسرائيلي هو اختزال لبنان بشكل رسمي إلى ما يشبه حالة السلطة الوطنية الفلسطينية وذلك بالنيل من سيادته.
ويدخل في هذا النطاق المطلب الإسرائيلي- والذي يتردد من حين لآخر- بأن تقوم قوة خارجية مثل سورية بتشتيت أو نزع سلاح حزب الله ويكون من الضروري حسب وجهة النظر الإسرائيلية- كما أشار إلى ذلك في صحيفة دافار الصادرة يوم 1996/4/19م جاكس نيريا المستشار السابق لرابين- أن يبدو التحالف السوري مع لبنان عديم الفعالية في الدفاع سواء عن الشعب اللبناني أو عن الأرض اللبنانية، لقد تحقق هذا الهدف كما أشار في حينه، وكانت الغاية منه إثبات انعدام الفاعلية السورية بضرب أماكن قريبة جدًا من المواقع السورية دون مواجهة أي رد فعل.
ولكن بالإضافة إلى هذا الهدف الأولي، فقد كانت عملية عناقيد الغضب جزءًا من خطة إسرائيلية أوسع لاحتواء وتهديد سورية حتى تنصاع إلى المطالب الإسرائيلية (أو إن شئت الأمريكية)، وهذا في نظري هو هدف إسرائيل الاستراتيجي الثاني، وفي السياق لا بد أن ننظر إلى علاقة إسرائيل الحالية بتركيا، والتي أشار إليها إليكس فيشمان المراسل العسكري- واسع الاطلاع- لصحيفة يديعوت أحرنوت بقوله: «إن سلاح الجو الإسرائيلي يرغب في التحليق في الفناء الخلفي لسورية، وقد نص بالتحديد على أن القاعدة الجوية التركية في أضنة مفيدة لهذا الغرض، ومن المهم ملاحظة أن أضنة كما يقول فيشمان هي أولًا وأخيرًا قاعدة أمريكية على الأرض التركية، بما يعني أن تدريب الطيارين الإسرائيليين هناك لا بد أنه يحظى بموافقة الأمريكيين، ويخلص فيشمان إلى القول بأن أهم ما يميز هذا الترتيب هو أن القواعد الجوية التركية التي سيتدرب فيها الطيارون الإسرائيليون تقع في الفناء الخلفي لسورية وستشكل بذلك رادعًا قويًّا ضدها.
أما هدف إسرائيل الاستراتيجي الثالث فهو اقتصادي، فكما أشار نيريا (عدد دافار الصادر في 4/19) «لقد أصبح الاقتصاد اللبناني المزدهر حاليًا منافسًا».
وبهذا يمكن أن تفهم بسهولة لماذا تعرضت محطات توليد الطاقة في بيروت للقصف رغم أنهما في القطاع المسيحي من المدينة، وكما يوضح نيريا رغم وجود محطات في المناطق التي يقطنها أنصار حزب الله مع الإشارة هنا إلى ما نشرته الصحافة العبرية ومفاده أن الأمر بقصف أولى هاتين المحطتين صدر عن بيريز شخصيًا.
والسبب في نظري هو أن أهداف إسرائيل الاستراتيجية الحالية تتجاوز مجرد إلحاق الهزيمة بمسلحي حزب الله.
فكثير من اللبنانيين الأثرياء الذين بدأوا يعيدون أموالهم إلى لبنان ليستثمروها هناك هم من المسيحيين، بينما الشيعة بشكل عام من الفقراء، ولهذا فإن مصالح إسرائيل الاقتصادية كما يفسرها شمعون بيريز مؤسس نظرية الشرق الأوسط الجديدة تتطلب ردع المستثمرين اللبنانيين المسيحيين وتدمير استثماراتهم على افتراض أن بعضهم على الأقل سيحملون أموالهم ويفرون بها إلى الخارج تارة أخرى.
والهدف الإسرائيلي الاستراتيجي الرابع هو زيادة كفاءة الجيش الإسرائيلي وتحسين ثقته بذاته، وقد جاءت عملية عناقيد الغضب، لتكون تمرينًا قيمًا في ظروف حقيقية، ولكن غير خطيرة.
إنني أميل إلى الاعتقاد بأن السبب الحقيقي هو أبسط من ذلك ألا وهو أن إسرائيل تعد العدة بالفعل لما يطلق عليه في الاصطلاح العسكري «الحرب القادمة».
وتدعيمًا لذلك يكفي أن يقرأ المرء ما كان يصرح به ضباط الجيش للصحافة العبرية أثناء عناقيد الغضب، ومن ذلك ما نقله عن بعضهم إليكس فيشمان من أن «العملية أكسبت سلاح الجو الإسرائيلي خبرة لا تقدر بثمن».
وذات الأمر ينطبق على سلاح المدفعية كما تشير تقارير المراسلين الآخرين.
لقد نشرت أعداد كبيرة من التقارير المشابهة وما من شك في أن مشاعر الرضا والارتياح التي سادت داخل الأوساط العسكرية أسهمت إلى جانب عدد آخر من العوامل في التأثير على الرأي العام الإسرائيلي ليؤيد عناقيد الغضب ولما كان قد انتشر على نطاق واسع ما مفاده أن القيادة العليا للجيش الإسرائيلي كانت هي التي ضغطت على بيريز ليبدأ الحرب (مع أنني أعتقد جازمًا أنه أرادها بقدر ما أرادوها)، فإن الشعور بالرضا من جانب الضباط الإسرائيليين- وهو الذي بلغ من الجلاء درجة يستحيل معها تجاهله- يتوجب أن يضاف إلى رغبة الجيش العارمة، وهي الأكثر أهمية في اكتساب خبرة تعده للحرب القادمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل