العنوان «إسرائيل» تلعب على الحبلين مع تركيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1999
مشاهدات 65
نشر في العدد 1364
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 24-أغسطس-1999
هذه هي عادة «إسرائيل» على الدوام...
فبعد العاصفة التي أثارتها البلدان العربية ضد تركيا بعد قيام هذه الأخيرة بعقد عدة اتفاقيات «عسكرية وسياسية» مع «إسرائيل» وضعتها في موقف حرج أمام الدول العربية حتى اضطر رئيس الجمهورية سليمان دميريل ووزير الخارجية إسماعيل جيم إلى بذل جهود مضنية؛ لإزالة مخاوف الدول العربية وطمأنتها من ناحية هذه الاتفاقيات «ولا نخال أنهما نجحا في ذلك تمامًا» إذا بإسرائيل تقوم بكشف وجهها الحقيقي، فتقوم بمد يد المساعدةإلى حزب العمال الكردستاني PKK وإلى واجهته السياسية المتمثلة بالبرلمان الكردي في بلجيكا، أي بمد يد المساعدة نحو أعدى أعداء تركيا.
ففي أوائل هذا الشهر قام وفد إسرائيلي بزيارة أعضاء البرلمان الكردي، والتقوا رئيسه يشار قايا، وقرر الطرفان تطوير العلاقات بينهما، كما قام الوفد الإسرائيلي بتوجيه دعوة رسمية لأعضاء البرلمان الكردي لزيارة إسرائيل، وأبرزت الصحف التركية «التي عارضت منذ البداية التقارب التركي- الإسرائيلي» خبر هذه الزيارة، أما الصحافة المؤيدة للتقارب التركي- الإسرائيلي، فأهملت الخبر ولم تشر إليه لا من قريب ولا من بعيد.
من الصحف التي أبرزت هذا الخبر صحيفة «عقد» التركية التي نجح مراسلها في لقاء يشار قايا رئيس البرلمان الكردي، وأجرى معه مقابلة صحفية، واعترف قايا بوجود علاقات عميقة لحزب العمال الكردستاني PKK مع «إسرائيل».
العلاقة بين «إسرائيل» وبين حزب العمال الكردستاني ليست علاقة جديدة، «فإسرائيل» حرصت على إدامة هذه العلاقة وتقويتها لوجود أقلية مهمة للأكراد في العراق وإيران وسورية وتركيا، أي في دول مهمة بالنسبة «لإسرائيل»، ولا شك أن «إسرائيل» تريد اللعب بالورقة الكردية في هذه المنطقة الحساسة من الشرق الأوسط، وأفضل دراسة في هذا الموضوع هي الدراسة التي أعدتها لجنة من المفكرين والكتاب الأتراك، ونشرت في كتاب تحت عنوان: «إسرائيل» والورقة الكردية»، وهو كتاب وثائقي مهم.
أما من ناحية حزب العمال الكردستاني PKK وواجهته السياسية ERNK «التي يشكل البرلمان الكردي أهم جانب فيها»، فيبدو أنهم حريصون على إدامة علاقاتهم مع إسرائيل لما تتمتع به من تأثير كبير على القرارات السياسية لواشنطن، وزاد حرصها في هذه الأيام بعد أن صرح العديد من المسؤولين في PKK بأنهم سيضعون ثقلهم في النضال السياسي أكثر من العمليات المسلحة، ومن ناحية أخرى يرون أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول فرض حل سلمي بالشروط الإسرائيلية في هذه المنطقة، أي يرون قرب ظهور حل سلمي مع العرب، وأن هذا الحل السلمي لن يقتصر على التوصل إلى السلام بين العرب وبين «إسرائيل» بل سيشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها، ويقولون: إن هذا الحل يجب أن يشمل المشكلة الكردية أيضًا؛ لأنها مشكلة شرق أوسطية.
يقول يشار قايا لمراسل الصحيفة التركية: «قمت بتوجيه الدعوة للإسرائيليين، فجاءوا إلينا بوفد، إن (أرز بيتون) عضو الهيئة المركزية لحزب العمال الإسرائيلي الحاكم هو في الوقت نفسه مدير لمعهد أبحاث البحر الأبيض المتوسط، وهو بروفيسور وشاعر أيضًا جاء إلينا، وأجرى معنا محادثات ومباحثات كما التقي أعضاء هيئة ERNK، هناك علاقات ثقافية أيضًا بيننا وبين «إسرائيل»، وهناك أبحاث جارية، ومن حقنا الذهاب إلى كل بلد ومشاهدته، والاطلاع على أحواله، ومجيئهم إلينا أيضًا شيء طبيعي، ولهم علاقات وثيقة جدًّا مع تركيا، هناك مشروع سلام لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، الذي قام بزيارة العديد من البلدان من أجل هذا المشروع كمصر وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، فإذا حل السلام في الشرق الأوسط، فيجب أن تكون المشكلة الكردية ضمن هذا الحل، و«إسرائيل» لا تتجاهل وجود مشكلة اسمها المشكلة الكردية، ونحن أعضاء برلمانيون وزيارتهم لنا شيء طبيعي».
وعندما ذكر المراسل التركي أن الاستخبارات التركية وضعته ضمن أوائل من يجب القبض عليهم، قال: «هذه عملية قرصنة»، ثم هاجم الصحافة التركية واتهمها باختلاق الأخبار المثيرة طالبًا منها أن تعيد الحركات صياغة نفسها.
تعود نية إسرائيل لإقامة علاقات مع الحركات الكردية إلى ما قبل قيام الكيان الإسرائيلي، وبالتحديد إلى عام ۱۹۳۰، هذا ما يقوله المختصون في الشؤون الإستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط، ومنهمالدكتور أوميد أوزداغ، الذي يذكر بأن اليهود عندما عزموا على إقامة دولة لهم فوق أرض فلسطين عرفوا بأنهم سيدخلون في صراع مع العرب؛ لكونهم أصحاب هذه الأرض، وأدركوا أنهم سيكونون محاطين ببحر من العرب؛ لذا قرروا تكوين علاقات مع الشعوب الأخرى في هذه المنطقة لتخفيف الحصار العربي والضغط العربي، وقدم رئوفان شيلواه الذي أصبح فيما بعد أول رئيس للموساد هذا الاقتراح وهذه الخطة عام ١٩٣٠م.
يقول الدكتور أوميد أوزداغ: «إن ديفيد بن غوريون تبنى هذه السياسة منذ قيام إسرائيل حتى عام ١٩٧٩م، واحتلت تركيا وإيران وإثيوبيا موقعًا مهمًّا في هذه السياسة؛ لأن «إسرائيل» أرادت بتقوية علاقاتها مع هذه الدول الواقعة خارج الطوق العربي مباشرة تخفيف الضغط العربي الكبير على «إسرائيل»، كما حاولت «إسرائيل» استخدام جميع القوميات غير العربية الموجودة في هذه المنطقة لكسر طوق الحصارالعربي، وكانت المجموعة الكردية التابعة للملا مصطفى البرزاني - التي كانت في صراع دائم مع بغداد- تحتل مكانة مهمة في هذه السياسة الاستراتيجية «لإسرائيل».
ثم يذكر أوزداغ أن أول علاقة عملية بين الموساد وبين مصطفى البرزاني تمت في صيف عام ١٩٦٣م عندما طلب الجنرال مائير أميد - رئيس المخابرات الإسرائيلية الموساد - من وزير الدفاع الإسرائيلي الإذنله بإرسال الأسلحة إلى جماعة البرزاني، التي أشيعأنها استلمت آنذاك شحنة من هذه الأسلحة بواسطة المخابرات الإيرانية سافاك.
يقول البروفيسور الدكتور آماتزيا باروام - أستاذ التاريخ الحديث للشرق الأوسط في جامعة حيفا -: إن إسرائيل مع أنها تبدي معارضتها لتشكيل دولة كردية في هذه المنطقة؛ كي لا تثير سخط تركيا إلا أنها مصرة على موضوع منح حكم ذاتي للأكراد؛ لأنها ترى ذلك ضروريًّا لأمن «إسرائيل»، ولكن الدكتور أوزداغ لا يعتقد بصحة هذا الطرح، فيقول: (لقد قامت شركات البناء الإسرائيلية التي عملت في بناء منشآت حلف الناتو في تركيا بتسريب جميع المعلومات حول هذه الأبنية والمنشآت إلى الاتحاد السوفيتي نظير قيامه بطرد اليهود الموجودين في روسيا؛ لذا فمن المستحيل الظن بأن «إسرائيل» لا تؤيد قيام دولة كردية هنا؛ لأن سياسة «إسرائيل» لا تقوم على إرضاء رغبات هذه الدولة أو تلك بل تقوم على أساس المصالح الإسرائيلية لا غير).
أي أن «إسرائيل» التي قامت بإعطاء جميع الخرائط والمعلومات حول منشآت حلف الناتو الموجودة في تركيا إلى الاتحاد السوفيتي، فطعنت بذلك ظهر أقوى حليف لها وهو الولايات المتحدة الأمريكية لا تتردد مطلقًا في طعن تركيا من الخلف في سبيل مصالحها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل