العنوان «إسرائيل» تعلن المواجهة الشاملة مع حركة «حماس»
الكاتب سليم تايه
تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1994
مشاهدات 11
نشر في العدد 1123
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 01-نوفمبر-1994
طولكرم
خاص لــ «المجتمع» - من سليم تايه «*»
· "إسرائيل"
تسعى لتطويق حماس من الدول المجاورة ومحاربتها في أمريكا وأوروبا
· رئيس أركان الجيش
"الإسرائيلي" يعترف بقوة حماس ويقول إنها نمر خطير يصعب ترويضه ومن
يعتقد خلاف ذلك إنما يغرق نفسه في الأوهام
· "إسرائيل"
تصف حادث الباص بأنه الأعنف والأخطر في تاريخ الدولة العبرية
ترجل وركب
الحافلة رقم (5) التابعة لشركة "دان" "الإسرائيلية"، وفي شمال
ميدان ديزنجوف في قلب مدينة تل أبيب، ومع اقتراب حافلة أخرى بجانبها وبينما كانت
الساعة تشير إلى 8.55 صباحًا، فجر صالح عبدالرحيم نفسه بقنبلة، قالت الشرطة
"الإسرائيلية" إنها تزن عشرات الكيلوجرامات.
ويضيف شاهد
عيان "إسرائيلي": «لقد اختفت الحافلة تمامًا وكأنها تحللت»، وعلى الفور
أُرسلت عشرات من سيارات الإسعاف إلى مكان الحادث، فيما قامت فرق أخرى بمسح المنطقة
خشية وجود قنابل أخرى.
تداعيات
ما قبل الانفجار
لا يمكن
التعامل مع الحدث بمعزل عن سلسلة الهجمات التي قامت بها كتائب عز الدين القسام،
الجناح الضارب لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، خلال الأسبوعين الماضيين، إلا أن
العملية الأخيرة جعلت الحكومة "الإسرائيلية" تسعى إلى تجنيد جهد دولي في
حربها مع «حماس»، إضافة إلى الجهد الداخلي، وسعت إلى ذلك عبر عدة مسارات:
إعلاميًا،
تؤكد "إسرائيل" أن الجيش "الإسرائيلي" وأجهزة المخابرات ستصعد
من حملتها ضد حركة «حماس»، عن طريق سلسلة إجراءات وتدابير تشمل إغلاق وهدم منازل
واعتقالات إدارية واسعة.
فيما جرى
تسريب ما قالت "إسرائيل" إنه مقترحات يناقشها المسؤولون
"الإسرائيليون"، لمواجهة تعاظم قوة حركة «حماس»، ومن بين هذه الاقتراحات
هدم منازل نشطاء الحركة دون السماح لهم بتقديم اعتراضات أمام المحاكم
"الإسرائيلية"، وشن حملة اعتقالات إدارية ضد نشطاء الحركة لفترات أطول
بكثير مما تم في السابق، وتشديد إجراءات الضغط النفسي والجسدي على أعضاء الحركة
أثناء التحقيق معهم في السجون "الإسرائيلية".
وقد أعلنت
الحكومة "الإسرائيلية" أنها قررت فرض طوق عسكري على الضفة الغربية وقطاع
غزة، فيما دعت لجنة برلمانية "إسرائيلية" إلى إقامة سياج أمني حول مناطق
الحكم الذاتي الفلسطيني، والذي من شأنه -كما يرى بعض النواب- الحد من تسلل
المقاتلين الفلسطينيين إلى داخل "إسرائيل" لتنفيذ هجمات مسلحة.
وأعلن موشيه
شاحل موافقته على وضع رجال أمن داخل الباصات "الإسرائيلية" العامة،
وطالب بتجنيد 1000 شرطي إضافي لمواجهة تصاعد الهجمات المسلحة.
لكن هذه
الإجراءات والتحركات لم تشمل قرارًا بتنفيذ عملية إبعاد لقادة وناشطي حركة «حماس»،
ذلك أنه وكما يبدو للقادة "الإسرائيليين"، أن عملية الإبعاد الأخيرة في
عام 1992 والتي تمت على خلفية اختطاف ومقتل الجندي نسيم توليدانو لم تخفف من حدة
وقوة الهجوم الذي تشنه «حماس» على "إسرائيل".
العلاقة
"الإسرائيلية" مع سلطة الحكم الذاتي على صعيد الموقف تجاه السلطة
بدت
"إسرائيل" في أعقاب الهجمات كمن يبحث عن شريك آخر في السلام غير سلطة
الحكم الذاتي، ويبدو الأردن الآن أكبر المرشحين لخلافة المنظمة في هذا الدور.
فقد رفض
رئيس الدولة العبرية عيزرا وايزمان التحدث مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس
السلطة الوطنية ياسر عرفات عندما اتصل به الأخير ليعرب له عن تعازيه في أعقاب
عملية تل أبيب، وقال: «إذا ما استخلصنا العبر فإننا سنتوصل إلى نتيجة هي أننا
تعاقدنا مع شخصية غير ملائمة»، في إشارة إلى عرفات، وأضاف: «نحن سنغير هذه
الشخصية، أو أنه سيتغير تلقائيًا أو أن الوضع سيتغير»، على حد قوله.
فيما تلح
"إسرائيل" على السلطة الفلسطينية من أجل اتخاذ إجراءات أكثر فعالية ضد
الحركة، وتقول الصحف العبرية: «إن "إسرائيل" زودت وستزود أجهزة الأمن في
السلطة الفلسطينية بقوائم دقيقة بأسماء أعضاء حركة حماس».
ويمكن القول
إن الحكومة "الإسرائيلية" في محاولاتها لمحاصرة تعاظم حركة حماس تنهج
مسارين: الأول وهو المسار الداخلي، والذي تلخصه أقوال إيهود باراك، رئيس أركان
الجيش "الإسرائيلي"، بأن الجيش "الإسرائيلي" وأجهزة الأمن
الأخرى تعتزم بالدرجة الأولى تركيز جهدها ضد منفذي الهجمات المسلحة، وفي نفس الوقت
السعي إلى تقويض شبكة الدعم والعون الاجتماعية الشاملة المؤيدة لحركة «حماس».
وحسبما
أشارت مصادر "إسرائيلية"، فإن "إسرائيل" سوف تحاول ضرب البنية
المؤسسية للحركة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وذلك في محاولة لتقليص النفوذ
السياسي والاجتماعي للحركة، وذلك ضمن خطة تهدف إلى «تدمير البنية التي تسند إليها
حماس من أساسها».
من جهتها،
أشارت صحيفة «معاريف» إلى أن أوساط الجيش وجهاز المخابرات عززت من نشاط جمع
المعلومات الاستخبارية عن الذراع العسكري لحركة «حماس»، المعروف باسم «كتائب عز
الدين القسام»، كما قالت إن «الجيش "الإسرائيلي" بدأ استعدادات لتنفيذ
حملة اعتقالات واسعة ضد كوادر حماس في الأراضي المحتلة»، فيما قالت مصادر عسكرية
إنها لا تستبعد دعوة الجيش قريبًا لتنفيذ عمليات عسكرية محدودة تستهدف نشطاء
الجناح العسكري لـ«حماس».
أما على
المسار الخارجي، فإن "إسرائيل" تحاول التوجه نحو الدول المشاركة في
عملية السلام معها لمحاصرة حركة «حماس»، فتوقيع المعاهدة الأردنية -
"الإسرائيلية" والتقارب مع الأردن -حسب اعتقاد
"الإسرائيليين"- كفيل بأن يوقف الدعم الخارجي للحركة أو يعمل على
تحديده.
وكانت صحيفة
«يديعوت أحرونوت» قالت: «إن "إسرائيل" طالبت الأردن بالعمل فورًا على
وضع حد لنشاطات حركة حماس في الأراضي الأردنية»، على الصعيد ذاته، نقلت الصحيفة عن
رئيس الاستخبارات العسكرية الأردنية اللواء تحسين شردم في مقابلة خاصة أجرتها معه
قوله: «إن الأردن لن يسمح لحركة حماس بالعمل من الأراضي الأردنية ضد
"إسرائيل"»، مضيفًا: «سنمنعها من القيام بأي شكل من النشاط الإرهابي ضد
"إسرائيل"».
وتشير
التحركات "الإسرائيلية" إلى أنها تسعى بشكل أو بآخر إلى إحداث نوع من
حصار إقليمي حول «حماس» في فلسطين باتفاقها مع الأردن ومصر، لكن استعداد هذه
الدول، وخاصة الأردن، للدخول في صدام مباشر مع الحركة الإسلامية «الإخوان
المسلمون»، الجماعة الأم لـ«حماس»، يبدو صعبًا في الظروف الآنية.
وعلى المسار
الخارجي، تقول مصادر "إسرائيلية": «إن السلطات "الإسرائيلية"
تسعى لعقد اتفاق "إسرائيلي" - أمريكي - أوروبي لضرب حماس»، ويقول
"الإسرائيليون" إن «وزير الشرطة "الإسرائيلي" موشيه شاحل أعلن
عزمه القيام باتصالات مع أجهزة المخابرات الأمريكية «سي آي إيه» و«إف بي آي» بهدف
الكشف عن مصادر تمويل حركة «حماس» لقطع المساعدات المالية التي تصل الحركة»، كما
أعلن شاحل عزمه إجراء اتصالات مع مخابرات عدد من الدول الأوروبية لنفس الغرض.
وتبدو قدرة
"إسرائيل" على وقف الهجمات الحالية صعبة، ويعترف باراك في مقابلة مع
صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن اعتقاده بأن هجمات مثل عمليات «حماس» الأخيرة سوف
تستمر، ويضيف: «لا أريد أن نخدع أنفسنا»، مشيرًا إلى أن «العدو متصلب ويمتلك نفسًا
طويلًا»، ويصف باراك «حماس» بأنها «نمر خطير لا يمكن تدجينه، ومن يعتقد خلاف ذلك
إنما يغرق نفسه في الأوهام».
والمشكلة في
رأي باراك أن «قسمًا من هذه القاعدة يوجد لدينا، فيما يوجد جزء آخر ضمن سيطرة
السلطة الفلسطينية، فضلًا عن وجود أنواع معينة من الإسناد والتأييد لهذه الحركة في
أماكن أخرى محيطة "بإسرائيل"، من بينها دول متجاورة وأخرى بعيدة».
القساميون
الجدد.. محاولة للفهم
العودة إلى
بداية الكتائب ترجع إلى عام 1989، حيث بدأ كجهاز الحركة المقاومة الإسلامية
"حماس" ناشطًا في تصفية العملاء. إلا أن الجهاز بدأ عمله العسكري ضد
قوات الاحتلال بعد حل الجهاز العسكري السابق للحركة "المجاهدون
الفلسطينيون" عام 1989 في أعقاب اعتقال قادته والنواة التي شكلوها. ويتخذ
القساميون الجدد شعار القسام الأول: "هذا جهاد، نصر أو استشهاد" شعارًا
لهم.
كما يزيد
البعد العقائدي في نفوس المنتسبين للكتائب من صعوبة الحد من نشاطاتهم. ويشير
المعلق "الإسرائيلي" زئيف شيف إلى أن الهجوم الذي أسفر عن مقتل 22 شخصًا
وجرح 48 آخرين يدل على مقدرة الرد السريع من جانب حركة "حماس" على أحداث
سياسية معينة وإيجاد متطوعين مستعدين للتضحية بأنفسهم، حسب تعبيره.
وتشير
إحصائية نشرتها صحيفة «معاريف» إلى أن مقاتلي «حماس» كانوا أول من أدخل ظاهرة
«الرجل الانتحاري» في هجمات على حافلات "إسرائيلية"، وقالت إنه من بين
14 هجومًا كانت كلها ضد حافلات في "إسرائيل" منذ مطلع عام 1993، تبنت
«حماس» المسؤولية عن 11 هجومًا، فيما وصفت الهجوم الأخير في تل أبيب بأنه الأعنف
منذ 40 عامًا.
وتشير
العمليات الأخيرة إلى عدة أمور: أولها أن الخبرة العملية للكتائب والمتطورة يمكن
توظيفها في عمليات واسعة ومؤثرة مستقبلًا، ثانيها قدرة الحركة على سحب البساط من
تحت أرجل سلطة الحكم الذاتي في محاولاتها تجريد حماس من الأسلحة التي بحوزتها،
خاصة أن إجراءً كهذا لن يوقف الحركة، وفيما يبدو ستبدو السلطة كجيش «لحد» في جنوب
لبنان وسيفقدها مزيدًا من الدعم.
وتشير
العمليات إلى تطور النهج القتالي لدى «حماس»، ويرى شيف أن من الخطأ نسب الانفجار
لرجل جريء واحد حمل المواد المتفجرة إلى الباص، فالأمر يشمل شبكة أوسع بكثير تضم
تخطيطًا وجمع معلومات ميدانية مسبقة حول الأهداف وطريقة التنفيذ، وإلى خبراء
يحتفظون بالمواد المتفجرة ويعدون أجهزة التشغيل الأوتوماتيكية، وإلى مساعدين
يتولون نقل الشحنة الناسفة والرجل الانتحاري إلى ميدان العملية، مشيرًا إلى أن
الحكومة "الإسرائيلية" أمام جهاز متكامل ومعقد ليس من السهل ضربه
والإجهاز عليه.
ويسند
مجموعات القسام النموذج التنظيمي الذي يسير عليه في تنظيم أفرادها، وهو نموذج
تنظيم «النقاط الميتة»، حيث تتحرك المجموعات في صورة مجموعات صغيرة لا تعرف بعضها،
مما يضمن سريتها في ظل ظروف الاحتلال. أما نجاح «حماس» مرارًا وتكرارًا في
الاحتفاظ بكميات كبيرة من المتفجرات يجعل الأمر صعبًا أمام الحكومة
"الإسرائيلية" في إمكانية القضاء على التسليح الذاتي للكتائب.
السلطة
الفلسطينية وحماس.. إلى أين؟
أعرب رئيس
السلطة الفلسطينية ياسر عرفات في أعقاب الهجوم عن تعازيه لأسر القتلى، وقال: «إنني
أنقل باسم الشعب الفلسطيني وباسمي شخصيًا أصدق التعازي للعائلات وأقرباء الضحايا
الأبرياء الذين فقدوا حياتهم نتيجة لهذا العمل المدان». على صعيد آخر، وصف منفذي
الهجوم بأنهم «أعداء السلام»، مشيرًا إلى ضرورة مواصلة «دفع عملية السلام وتقويتها
واستكمال تنفيذها لكونها جزءًا أساسيًا من الرد على المتطرفين الهادفين إلى إفشال
عملية السلام».
وباستثناء
البيان الذي أصدره بدا عرفات عاجزًا عن اتخاذ إجراءات جديدة، ويعتقد أن تجاوب
السلطة مع دعوة "إسرائيل" لضرب «حماس» محدد بعدة عوامل، منها قوة حركة
«حماس» ووجودها كأكبر حركة معارضة على الساحة الفلسطينية، والتي سيرت قبل أسبوع 50
ألف مناصر في مظاهرة سلمية من أجل الإفراج عن معتقليها في سجون السلطة منذ اختطاف
الجندي فكسمان، كما أن من شأن الإمكانية العالية من التسليح التي تتمتع بها «حماس»
دفع السلطة للإحجام عن الصدام معها، ويلاحظ أن السلطة قد خففت وتيرتها في المطالبة
بتجريد الفصائل الفلسطينية من السلاح.
ومن بين
العوامل المحددة للصدام أن دخول السلطة في صراع مع «حماس» يضر بالسلطة، وهو الرأي
الذي يتبناه تيار المعتدلين في السلطة ويكبح من جماح الضاغطين باتجاه الصراع مع
«حماس»، مثل محمود عباس واللواء نصر يوسف.
الشارع
الفلسطيني
يبدو لمراقب
الشارع الفلسطيني، الذي بدا في وقت من الأوقات لا مباليًا تجاه السلطة، أن الأمور
بدأت تختلف قليلًا الآن، فقد حذر سفيان أبو زايدة، أحد زعماء حركة «فتح»، من اتخاذ
إجراءات "إسرائيلية" ضد نشطاء وكوادر وأنصار حركة «حماس»، وقال: إن هناك
مؤشرات خطيرة وخاصة في دعوة رئيس الوزراء "الإسرائيلي" إسحاق رابين
الجهات القضائية بإعطائه مجالات أكبر للعمل ضد حركة «حماس»، مشيرًا إلى أن «هذا
سيلقي بظلاله على العلاقات الفلسطينية - "الإسرائيلية" وسيؤثر بشكل خاص
على الوضع في الأراضي المحتلة».
من جهة
أخرى، وصف قيادي بارز آخر في حركة «فتح» العمليات المسلحة التي قامت بها «حماس» ضد
أهداف "إسرائيلية" بأنها «مشروعة وحق مكتسب»، وقال غازي الحسيني -وهو
عضو المجلس الثوري في حركة «فتح» وشقيق فيصل الحسيني العضو في مجلس السلطة: «إن من
حق الفلسطينيين أن يقوموا بعمليات مسلحة ضد أهداف "إسرائيلية"»، وأضاف: «إن
من شأن عمليات كهذه أن تساعد وتعجل بإخراج "الإسرائيليين" من الأراضي
العربية المحتلة وإنهاء الاحتلال "الإسرائيلي"».
وتبدو
تصريحات أبو زايدة والحسيني، إضافة إلى جملة تصريحات أخرى صدرت في أعقاب إجراءات
السلطة ضد حركة «حماس»، مؤشرًا على مزاج الشارع وبوادر على أن اندلاع أي صدام مع
حركة «حماس» من جانب السلطة سيضر بالحركة غير أنه سيقضي على السلطة شعبيًا وربما
واقعيًا.