العنوان إسرائيل أولًاً
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أغسطس-1996
مشاهدات 93
نشر في العدد 1214
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 27-أغسطس-1996
كان أول شيء حرص عليه مرشح الرئاسة الأمريكية عن الحزب الجمهوري بوب دول أثناء لقائه مع بنيامين نتنياهو خلال زيارة الأخير للولايات المتحدة في يوليو الماضي هو التأكيد على أنه مع إسرائيل إلى الأبد، وأن مواقفه السابقة المناهضة للاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية قد تراجع عنها، ورغم أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قدم لإسرائيل والصهاينة بشكل عام -حسب شهادة المراقبين، بل وشهادة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شيمون بيريز- ما لم يقدمه رئيس أمريكي آخر، حتى أن بيريز أطلق عليه لقب «الصهيوني الأخير» تقديرًا للخدمات والمساعدات الكبيرة التي قدمها كلينتون لإسرائيل، رغم كل ذلك فقد أكد «دول» لنتنياهو بأنه إذا ما تم اختياره رئيسًا للولايات المتحدة فإنه سوف يقدم لإسرائيل أكثر مما قدمه كلينتون، وظل دول طوال أربعين دقيقة يشرح لنتنياهو ما سوف يفعله -إذا ما انتخب رئيسًا- لتعميق العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل أكبر مما هي عليه.
وكان بوب دول قد عرف طوال تاريخه السياسي بأنه متمرد على الدعم الأمريكي المفتوح لإسرائيل، حتى أن كثيرًا من العرب الأمريكيين كانوا ينظرون إليه على أنه صديق للعرب، وكانت له مواقف كثيرة تعتبر مناهضة لمطامع إسرائيل التوسعية، منها أنه صوت عام ۱۹۹۱م على خفض المساعدات الأمريكية لإسرائيل بنسبة (١٠٪)، وكان يعتبر القدس الشرقية «أرضًا محتلة» وبعد قيام العراق باحتلال الكويت في أغسطس عام ۱۹۹۰م اقترح قبيل الحرب أن يتم إغراء العراق بالانسحاب من الكويت مقابل قيام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة.
هذه المواقف وغيرها جعلت اللوبي اليهودي ينظر بارتياب وعدم ارتياح إلى بوب دول، لذلك حينما عزم دول على ترشيح نفسه للرئاسة عن الحزب الجمهوري كان عليه أن ينسلخ من ماضيه، ويتحول إلى دعم إسرائيل كطريق وحيد يمكن أن يوصله إلى البيت الأبيض، وفي عام ۱۹۹٥م، بدأ دول طريقه ليس بالتخلي عن مواقفه فحسب، ولكن بالانقلاب الكامل عليها والمناداة بعكسها، أملًا في كسب أموال اليهود الأمريكيين وأصواتهم، وتقدم دول بالقربان الأول للصهاينة، والذي سبب صدمة للعرب وإحراجًا لكلينتون لأنه كان مزايدة واضحة عليه، وهو مشروع نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس التي أعلنها الصهاينة عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل، ونجح دول في الحصول على تصويت الكونجرس في ٢٤ أكتوبر ۱۹۹۵م على مشروعه، واعتبر أن نجاحه في تحقيق هذا المطلب الكبير لليهود سوف يمحو عنه مواقفه السابقة، إلا أن اليهود ظلوا ينظرون إليه بارتياب.
ولما كانت علاقة كلينتون مع بيريز علاقة متينة لدرجة وقوف الإدارة الأمريكية الملحوظ والمنتقد إلى جوار بيريز في الانتخابات الإسرائيلية، فلم يستطع دول أن يخترق الحلف المتين الذي كان يربط كلينتون مع رابين وبيريز من بعده، لذلك راهن دول على نتنياهو أثناء زيارته للولايات المتحدة مستغلًا موقف كلينتون الذي كان داعمًا لبيريز أثناء الانتخابات، وكذلك ما قدمه دول وما سوف يقدمه لليهود إلا أن نظرة الريبة لم تتغير تجاه دول.
بعد ذلك قدم دول قربانه الثالث لليهود متمثلًا في برنامَج الحزب الجمهوري الذي أعلن في مؤتمره الذي عقد في ساندييجو بولاية كاليفورنيا في أغسطس الجاري، فكانت رؤية الجمهوريين للمنطقة العربية والإسلامية من النافذة الإسرائيلية، حيث اعتبر الحزب الجمهوري أن «إسرائيل هي الحليفة الديمقراطية الوحيدة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط»، وأن «أمن إسرائيل يعتبر أمرًا مركزيًا وأساسيًا بالنسبة لاهتمامات واشنطن في هذه المنطقة، وتبنى الجمهوريون بزعامة دول شعار نتنياهو الجديد الأمن مقابل السلام، بدلًا من الشعار الذي وضعه بوش وسار عليه كلينتون الأرض مقابل السلام، كما وجه الجمهوريون نقدًا لاذعًا إلى كلينتون، ونددوا بتدخله في العملية الديمقراطية الإسرائيلية، حينما انحاز إلى بيريز ضد نتنياهو، وأعلنوا أنهم سوف يعملون على تنفيذ قرار مجلس الشيوخ الأمريكي المتعلق بنقل السِّفَارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس بحلول شهر مايو عام ۱۹۹۹م.
أما القربان الأكبر الذي قدمه دول فكان في اختياره جاك كمب -رغم خلافاته معه- ليدخل معه الانتخابات كنائب للرئيس، ويعتبر جاك كمب من أبرز الجمهوريين، بل من أبرز الأمريكيين المؤيدين لإسرائيل والمشروع الصهيوني، ويتمتع كمب وزوجته بعلاقات صداقة حميمة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويعتبر من أشد المؤيدين له حتى أنه حينما تحدث عنه في البرنامَج الشهير الذي تبثه شبكة «سي – إن - إن» الإخبارية لاري كنج لايف في ۱۲ أغسطس الماضي وصف كمب نتنياهو بأنه صورة شابة ويهودية عن الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان؛ حيث إنه يرغب مثله في رؤية إسرائيل تنمو وتتحول للقطاع الخاص، ووصف كمب نتنياهو بأنه شخص يتمتع بالشرف والاستقامة، وأنه يؤمن بالسلام من خلال القوة، وأنه لا يعتزم التنازل عن الأرض بدون الحصول على شيء بالمقابل، وهو ضمان بقاء الدولة اليهودية، واختتم كمب لقاءه مع لاري كنج قائلًا: «إن في إمكان نتنياهو أن يعتمد على روبرت دول، وجاك كمب كصديقين وحليفين».
ويحتفظ كمب بسجل حافل في دعم إسرائيل واليهود طوال (۱۸) عامًا (۱۹۷۰– ۱۹۸۸م) قضاها في الكونجرس نائبًا عن أحد الأحياء التي يتمركز فيها اليهود في نيويورك، فعلاوة على أنه زار إسرائيل عشر مرات، فإنه كان يعتبر دعم إسرائيل المطلق هو «مصلحة قومية أمريكية»، يجب الحفاظ عليها، كما أنه عارض بشدة صفقة طائرات «أواكس» للمملكة العربية السعودية في أوائل الثمانينيات، وأيد إسرائيل في عدوانها على لبنان عام ۱۹۸۲م، ورفض كافة المحاولات التي قامت بها الأطراف العربية في نيويورك لطرد إسرائيل من الأمم المتحدة، ورد على ذلك بمشروع قانون يقضي بضمان عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة بشكل دائم، وهدد بسحب عضوية الولايات المتحدة من الأمم المتحدة في حال طرد أي من «الدول الديمقراطية» في إشارة واضحة لإسرائيل، كما رفض كمب الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، واعتبرها منظمة إرهابية، وقام بجهد واسع في تشجيع الشركات الأمريكية على تزويد إسرائيل بالمساكن سابقة التجهيز لاستيعاب الهجرات اليهودية الواسعة التي تمت إلى إسرائيل خلال العقد الماضي، وقد توج جهوده هذه بالخطاب الحماسي الذي ألقاه أمام اليهود الجمهوريين في مؤتمر الحزب الجمهوري في ساندييجو في أغسطس الجاري حينما أعلن أن «القدس ستظل عاصمة أبدية وموحدة لإسرائيل»، مما جعل الحضور يصفقون له طويلًا.
وقد أدى اختيار دول لكمب نائبًا للرئيس إلى ارتفاع أسهمه، وتقليص الفارق بينه وبين كلينتون، ويشير المراقبون إلى أن اليهود الأمريكيين الذين كانوا يدعمون كلينتون بنسبة (٨٠٪) ربما يتحول (۲۰٪) منهم على الأقل لدعم دول- كمب بأموالهم وأصواتهم لسبب بسيط هو أن دول قد أدرك أن طريقه إلى البيت الأبيض لن يكون إلا تحت شعار «إسرائيل أولًا».