العنوان إرهاصات مرحلة جديدة في العلاقات التركية - الأمريكية
الكاتب د. سعيد الحاج
تاريخ النشر الخميس 01-نوفمبر-2018
مشاهدات 78
نشر في العدد 2125
نشر في الصفحة 30
الخميس 01-نوفمبر-2018
رغم الضغوط الأمريكية والأزمة المالية فإن تركيا أصرت على أن مصير «برونسون» يحدده القضاء فقط
تصريحات «ترمب» بعد الإفراج عن «برونسون» إيجابية ما زاد جرعة التفاؤل بخصوص مستقبل العلاقات التركية
الخلافات الحقيقية بين البلدين ما زالت قائمة وتمس قضايا جوهرية تخص البلدين
لا يمكن الوثوق تماماً بثبات موقف «ترمب» من تركيا فهو معروف بتقلباته السريعة
في الثاني عشر من أكتوبر الماضي، حكم القضاء التركي على القس الأمريكي «أندرو برونسون» بالسجن 3 سنوات و45 يوماً بتهمة «دعم منظمات إرهابية والتعاون معها»، ولكنه أُطلق سراحه مكتفياً بالفترة التي قضاها في السجن خلال المحاكمة.
ولأن قضية القس الأمريكي كانت فتيلاً لأزمة كبيرة بين الولايات المتحدة وتركيا، بل اعتبرتها أنقرة الأسوأ في تاريخ العلاقات الثنائية بينهما، يرى مراقبون أن انتهاءها بهذا الشكل قد يكون بداية لعهد جديد في العلاقات بين الجانبين.
في ديسمبر 2016م، أوقفت السلطات التركية القس «أندرو برونسون» الذي يعيش في تركيا منذ 23 عاماً بعدة تهم، من بينها التجسس والتعاون مع منظمات إرهابية؛ مثل حزب العمال الكردستاني، ومنظمة «فيتو» (جماعة فتح الله كولن)، إضافة لممارسته دوراً في المحاولة الانقلابية الفاشلة، وفق تسريبات الإعلام التركي في حينه.
واستمرت محاكمة القس الأمريكي على مدى سنة ونصف سنة بهذه التهم، قبل أن تقرر المحكمة التركية إخراجه من السجن إلى الإقامة الجبرية في المنزل في يوليو الماضي بناء على التماس قدمه محاميه بسبب حالته الصحية، كثيرون فسروا تلك الخطوة على أنها تهيئة للإفراج عن الرجل، خاصة بعد تهديدات الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب»، ونائبه «مايك بنس»، لتركيا، وفي ظل أحاديث عن مفاوضات تجري بين البلدين بخصوص قضيته وقضية المصرفي التركي المسجون في الولايات المتحدة «محمد حاقان أتيللا».
بيد أن الإدارة الأمريكية لم تر هذه الخطوة «الإيجابية» كافية، فبدأت عقوبات سياسية واقتصادية على تركيا شملت وزيري العدل والداخلية التركيين، ورفع الرسوم على صادرات الصلب والألومنيوم من تركيا، وهي قرارات أشعلت أزمة مالية تركية ما زالت البلاد لم تتعافَ منها تماماً حتى اليوم.
أصرت الإدارة الأمريكية على إطلاق السلطات التركية للقس بدون قيد أو شرط بل وبشكل فوري لترفع العقوبات عن أنقرة، بل رفع «ترمب» لاحقاً السقف ليقول: إن العقوبات قد لا تلغى حتى بعد الإفراج عنه، بينما أصرت تركيا من اللحظة الأولى على رفض فكرة الإملاءات وفرض الشروط، وطالبت واشنطن بحوار مباشر وندي لحل كافة المشكلات العالقة بين البلدين.
في السادس والعشرين من سبتمبر الماضي، ورغم العلاقات المتوترة بين البلدين، التقى الرئيسان التركي والأمريكي على هامش اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة على عجل، عكست الصور الملتقطة للرئيسين أجواء ودية في العموم، ساهمت في تدعيم التوقعات المتفائلة بخصوص قضية «برونسون»، وهو ما حصل فعلاً في الجلسة الرابعة بعدها بأسبوعين تقريباً.
بين القضاء والسياسة
رغم الضغوطات الأمريكية المستمرة والأزمة المالية التي عانت منها أنقرة، فإن القيادة التركية أصرت على أن مصير «برونسون» يحدده القضاء لا الحكومة أو الرئيس، وهو ما حصل في نهاية المطاف، بيد أن عدداً من التطورات والشواهد أشارت إلى بعد سياسي واضح في القرار الذي أصدرته المحكمة، لدرجة أن القرار لم يفاجئ أحداً بل كان متوقعاً إلى حد بعيد قبل المحكمة بأسابيع.
اختفت التصريحات الأمريكية الضاغطة على تركيا -إلا ما ندر- قبل جلسة المحاكمة بأسابيع، في المقابل، قال الرئيس التركي: إن “القرار الأول والأخير للقضاء التركي المستقل”، فيما بدا وكأنه السلم الذي سيُنزل الطرفين عن الشجرة ولا يظهر أنقرة وكأنها خضعت للإملاءات.
من المؤشرات على الأبعاد السياسية للقضية حدوث مفاوضات سابقة بين البلدين، وفق صحيفة “ديلي صباح” التركية الناطقة بالإنجليزية (والمقربة من حزب العدالة والتنمية)، تشمل قضيته وقضية مصرف “خلق” الحكومي التركي ونائب رئيسه السابق “محمد حاقان أتيلا”، كما أن الحكم أتى مخففاً نوعاً ما بواقع 3 سنوات تقريباً بعد أن كان الادعاء طالب بـ35 سنة، فضلاً عن رغبة أنقرة بتجنب التصعيد مع واشنطن قبل شهر نوفمبر الذي سيشهد الانتخابات التجديدية للكونجرس وعقوبات إضافية على طهران تشمل صادرات الطاقة، وهما حدثان يمكن أن يزيدا من الضغوط الأمريكية عليها.
في مجريات القضية، وفي سبتمبر الماضي، تغير المدعي العام التركي الذي يتابع القضية ضمن عملية نقل روتينية في وزارة العدل، وفي الجلسة الرابعة والأخيرة بدَّل بعض الشهود (وبعضهم شهود سرّيّون) إفاداتهم السابقة، الأمر الذي ساهم في تخفيف الحكم الذي صدر على القس إلى 5 سنوات سجناً قبل أن يتم تخفيفه إلى 3 سنوات و45 يوماً بسبب “حسن سلوكه خلال المحاكمة”، قبل أن يطلق سراحه اكتفاءً بما قضاه في السجن خلال المحاكمة، وهي تفاصيل ساهمت ولا شك في دعم فرضية التدخل السياسي في القضية.
انعكاسات القضية
بعد ساعات فقط من إصدار المحكمة لحكمها، كان «أندرو برونسون» على متن طائرة خاصة أقلته إلى بلاده، حيث استقبله الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض، «ترمب» شكر نظيره التركي على مساعدته في إطلاق سراح القس «برونسون»، وهو الأمر الذي رفضه «أردوغان» ضمناً حين كتب على حسابه في موقع «تويتر» مخاطباً «ترمب»: «سيدي الرئيس، كما أكدت دائماً فقد اتخذ القضاء التركي قراره بشكل مستقل»، معرباً عن أمله في أن «يستمر البلدان في تعاونهما بشكل يليق بحليفين»، وخصوصاً في مجال مكافحة المنظمات الإرهابية؛ مثل حزب العمال الكردستاني، و»داعش»، ومنظمة «فيتو».
تصريحات “ترمب” بعد الإفراج عن “برونسون” أتت إيجابية، حيث رأى أن ذلك سيقود لعلاقات جيدة وربما رائعة بين تركيا والولايات المتحدة، وهو ما زاد من جرعة التفاؤل بخصوص مستقبل العلاقات التركية الأمريكية.
أكثر من ذلك، يبدو أن نتائج القضية قد انعكست إيجاباً على اتفاق منبج بين البلدين، الذي ماطلت الولايات المتحدة على مدى الشهور الماضية في تطبيقه، لدرجة أن الرئيس التركي قال في تصريح له مؤخراً: إن “الاتفاق تأجل كثيراً، لكنه لم يمت”، بعد الحكم ساد تفاؤل بإمكانية الاستمرار في تطبيق الاتفاق وإخراج “قوات سورية الديمقراطية” من منبج، بعد إعلان وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” عن انتهاء مرحلة الإعداد وقرب إطلاق الدوريات المشتركة بين قوات البلدين، كما أن هناك توقعات، لم تؤكد بعد، بإمكانية إفراج الولايات المتحدة قريباً عن المصرفي التركي “أتيللا”، إضافة لوقفها قضية مصرف خلق التركي الذي تتهمه واشنطن بخرق العقوبات الاقتصادية على إيران.
مستقبل العلاقات
رغم كل ما سبق، والتصريحات الإيجابية والمتفائلة الصادرة من العاصمتين، فإن من الصعب القول: إنهما قد تخطيتا تماماً الأزمة السابقة، وإنهما فتحتا صفحة جديدة تماماً في العلاقات، أو عادتا إلى مرحلة الشراكة الإستراتيجية التي ميزت العلاقات بينهما في فترة التسعينيات من القرن الماضي.
ما يمكن قوله: إن الجانبين قد تخطيا أزمة معقدة كانت مفتوحة على مزيد من التفاقم، وأبديا رغبة متبادلة في حوار عميق وبناء لمختلف المشكلات والأزمات العالقة بينهما، وما أكثرها؛ وبالتالي فمن الدقيق القول: إن الطرفين على مشارف مرحلة جديدة في العلاقات قد تشهد تطورات إيجابية لهما، لكنهما ما زالا في البدايات الأولى فقط.
في الأصل، لا يمكن الوثوق تماماً بثبات موقف الرئيس الأمريكي من تركيا، إذ هو معروف بتقلباته السريعة، كما أن الجانب الأمريكي سبق وأكد أن العقوبات التي فرضها على تركيا ليست مرتبطة مباشرة بقضية “برونسون”، ولعل ذلك ما يفسر عدم تفاؤل الناطق باسم الرئاسة التركية “إبراهيم كالين” برفعها مباشرة أو سريعاً رغم أمله بحصول ذلك.
الأهم، أن الخلافات الحقيقية بين البلدين ما زالت قائمة وعميقة وتمس قضايا جوهرية تخص البلدين، فالدعم الأمريكي الكبير والمتواصل للفصائل الكردية المسلحة في سورية الذي يصب -وفق أنقرة- في المشروع الانفصالي على حدود تركيا الجنوبية، ومماطلتها في التعاون مع الأخيرة في ملف “فتح الله كولن” يمسان الأمن القومي لتركيا بشكل مباشر، كما أن التقارب التركي مع روسيا الذي شمل صفقات طاقة عملاقة مثل السيل التركي للغاز الطبيعي، ومحطة “أك كويو” للطاقة النووية، وشراء منظومة “إس 400” الصاروخية من جهة، ورفضها التعاون مع العقوبات الأمريكية الوشيكة على إيران من جهة أخرى، مساران يتعارضان مع بوصلة السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة والعالم.
ولذا، مرة أخرى، من الصعب القول: إن البلدين قد طويا الصفحة الماضية تماماً وعادا لسابق عهدهما من الشراكة والتحالف، ما حصل حتى الآن هو تجنب أزمات إضافية، وإتاحة الفرصة أمام حوار حقيقي وهادئ؛ ما يضع البلدين في إطار إرهاصات مرحلة جديدة من التفاهم والتنسيق قد ينجحان في ولوجها، وقد تعيدهما الملفات سالفة الذكر إلى أتون التوتر والأزمات مرة أخرى.
الجدل القائم حول تغيير المجلس الرئاسي في ليبيا
تكاد السنة الثالثة تنقضي من عمر اتفاق الصخيرات الذي جرى توقيعه بين الأطراف الليبية في السابع عشر من ديسمبر 2015م، متجاوزاً بذلك المدة التي نص عليها الاتفاق للمرحلة الانتقالية المحكومة ببنوده.
فقد نص الاتفاق على أن مدة ولاية المؤسسات المنبثقة عن الاتفاق سنتان من تاريخ توقيعه، إلا أن فشل المؤسسات التي أنتجها الاتفاق في تحقيق توافق حقيقي ينهي هذه المرحلة ويؤسس للمرحلة الدائمة هو ما جعل النتيجة التي انتهت إليها هذه السنوات الثلاث مزيداً من الانقسام السياسي، والفشل الإداري، وتعميق الأزمة الاقتصادية والأمنية في البلاد.
بعد ثلاث سنوات باتت جميع الطرق مسدودة، فمجلس النواب الذي يرى نفسه الجسم الوحيد صاحب الشرعية يرفض الاعتراف بشرعية الاتفاق السياسي وشرعية مجلس الدولة والمجلس الرئاسي، بالرغم من توقيع وفده المفاوض على الاتفاق، ويطالب مجلس النواب بإعادة تشكيل المجلس الرئاسي ليتكون من رئيس ونائبين فقط على خلاف ما هو عليه اليوم؛ حيث يتشكل المجلس من 9 أعضاء.
ويطالب مجلس النواب أيضاً بإجراء تعديلات على بنود الاتفاق السياسي، أهمها منح صفة القائد الأعلى للجيش الليبي لمجلس النواب، وليس كما هو منصوص عليه الآن أن القائد الأعلى هو المجلس الرئاسي، كما يطالب بإلغاء المادة الثامنة من الأحكام الإضافية التي تنص على أن جميع المناصب السيادية المدنية والعسكرية تكون شاغرة حتى يتم التوافق عليها بين مجلس النواب ومجلس الدولة.
وتتمثل إستراتيجية مجلس النواب بهذه المطالب في إصراره على الإمساك بالمناصب السيادية، وتقديم الدعم لخليفة حفتر ليظل في منصبه كقائد عام للجيش، ومنع أي محاولات لعزله أو إقصائه، وهذه الإستراتيجية تنبع من سيطرة حفتر سيطرة تامة على رئاسة مجلس النواب وأهم كتلة فاعلة فيه؛ وهي كتلة الإرادة الوطنية التي يصفها البعض بكتلة «الإرادة الحفترية»!
هذا هو موقف مجلس النواب من الاتفاق السياسي، أما موقفه من مسودة الدستور التي أعدتها الهيئة التأسيسية، فالمجلس رفض هذه المسودة منذ البداية، ووصف إقرارها داخل الهيئة التأسيسية بأنها عملية غير قانونية، إلا أنه وتحت الضغوط الدولية قبل طرحها للاستفتاء بعد أن أقرَّ قانوناً للاستفتاء مثيراً للجدل، حيث تم تصميم القانون للتقليل من فرص إقرار الدستور، فقد نص القانون على أن الدستور يتم إقراره بأغلبية الثلثين من أصوات كل إقليم من أقاليم ليبيا التاريخية، وهو الأمر الذي يعتبر تحقيقه من الصعوبة بمكان.
آلية اختيار
أما المجلس الأعلى للدولة، فما زال أكثر مؤسسات الاتفاق السياسي تمسكاً بالاتفاق السياسي، ويناضل من أجل تحسين أداء المجلس الرئاسي، ويتفاوض مع مجلس النواب لإيجاد طريقة لإعادة تشكيل المجلس الرئاسي دون أن يمنح مجلس النواب الفرصة بتشكيله وفق أهدافه ومصالحه، وآخر صيغة توصل إليها المجلسان حول آلية اختيار المجلس الرئاسي هي أن يتم اجتماع أعضاء النواب والأعلى للدولة من كل إقليم على حدة؛ لاختيار عضو من أعضاء المجلس الرئاسي الثلاثة، ثم يتم إحالة الأعضاء الثلاثة لمجلس النواب لينتخب من بينهم رئيساً للمجلس الرئاسي.
ورغم أن هذه الآلية تعطي الأحقية لمجلس النواب لينفرد في اختيار رئيس المجلس الرئاسي مع مشاركته في اختيار الأعضاء الثلاثة ابتداءً، فإن المجلس الأعلى للدولة اشترط لموافقته على هذه الآلية أن يقوم مجلس النواب باعتماد الاتفاق السياسي بدون إجراء تعديلات عليه، خاصةً ما يتعلق بالمادة الثامنة من الأحكام الإضافية سالفة الذكر، وهو ما رفضه مجلس النواب مجدداً.
وفي ظل هذا الجدل السياسي، تستمر معاناة الليبيين وحالة الانقسام السياسي والمؤسسي التي تؤثر بشكل كبير على الاستقرار والأمن، وتزيد من انزلاق ليبيا إلى هوة الفوضى، مع عجز البعثة الأممية عن إيجاد حل جذري لهذا التأزم في المشهد السياسي.
وينتظر غالبية الليبيين مؤتمر “باليرمو” الذي سيُعقد في نوفمبر الجاري لعله يُسفر عن حلحلة للملفات العالقة في الأزمة الليبية، ويحرك الجمود الذي يشوب العملية السياسية.
في ندوة بتونس حول فض النزاعات والمصالحات في الثقافات المتعددة..
غربيون: ماذا عسانا نستفيد من الحضارة الإسلامية في فض النزاعات؟
حرص الإسلام على الصلح وفض النزاعات، ووضع في تشريعاته كلها ما يدعم التوافق والتعاون والتآلف، ونعى على أولئك الذين يفرقون الكلمة ويحاولون أن يشيعوا الفرقة ويتخذوا من الدين أحياناً وسيلة تفريق.
تعتبر الوساطة من أهم وسائل حل النزاعات وتسويتها والإصلاح بين الناس على مختلف المستويات، ولا شك بأن المجتمعات العربية والإسلامية تمتلك تراثاً عظيماً في مجال الوساطة بين المتنازعين.. هذا ما أكده خبراء دوليون في ندوة نظمتها وزارة العدل التونسية بالتعاون مع برنامج إصلاح القضاء الأوروبي (بارج)، حول فض النزاعات والمصالحات في الثقافات المتعددة، سواء المتعلقة بمجال التجارة أو النزاعات المدنية والأهلية في المجتمعات المختلفة.
وقال جلول شلبي، المسؤول عن برنامج دعم إصلاح القضاء بوزارة العدل التونسية، لـ»المجتمع»: نحن نستمع لأفكار حول الوساطة في عدد من دول العالم بناء على الثقافات المحلية، سواء في جنوب شرق آسيا، أو أمريكا الجنوبية، ودول الاتحاد الأوروبي، مضيفاً أن مفهوم الوساطة يختلف من ثقافة إلى أخرى، وهناك مشتركات مع بعض التمايز، وتونس لها مفهومها الخاص المستمد من الحضارة الإسلامية العربية في مجال الوساطة، ويمكن للتشريع أن يكون نابعاً من هذا التراث التاريخي الزاخر.
الوساطة كبديل
من جانبه، أكد «ستيفان بن سيمون»، رئيس المجلس الأوروبي للوساطة: درسنا العديد من أشكال الوساطة في الثقافات العالمية، ولا شك أنكم تملكون تراثاً عظيماً في مجال الوساطة بين المتنازعين، ففي فيتنام –مثلاً- يقوم بالوساطة بين المتخاصمين كبديل عن القضاء ومتاهاته ومساراته، وغالباً ما يكون الوسيط في سن متقدمة، ومندمجاً في المجتمع المحيط به، وتلقى تربية حسنة، ويحظى باحترام الجميع، ويستحسن أن يكون له لقب مميز غير لقبه العائلي (الشيخ، الإمام، المعلم، العمدة، رئيس البلدية)، وفي بعض القرى الفيتنامية تكون امرأة ولها أطفال وسيرتها حسنة بين الناس.
وتابع: نحن نمارس الوساطة ونصلي قبل القيام بمهمتنا؛ ليخرج كل منا من قوقعته الداخلية، وهذا ما شاهدناه في مناطق كثيرة من العالم حتى في هايتي وأمريكا اللاتينية.
وحول الصفات التي يجب أن تتوافر في الوسيط، أوضح “بن سيمون” أن الوسيط يجب أن يكون محايداً ومستقلاً ومقبولاً من الطرفين المتخاصمين، وضرب مثلاً بالسنغال التي أغلب سكانها من المسلمين، الوسيط لا بد أن يكون ملماً بأحوال الناس، ويعرف الناس ويعرفونه عن قرب، وهذا ما بدأنا نعمل من أجله في فرنسا، فقد بدأنا بـ20 مدرباً، وأصبح لدينا الآن 200 مدرب بعد أن اكتشفنا أن للوساطة دوراً كبيراً في الوئام المدني وفي حسن العلاقة بين المتخاصمين، عكس نتائج القضاء التي قد تكون عادلة ولكنها لا تساهم في رأب الصدع بين المتخاصمين، بل قد تزيد تلك المحاكمات العلاقات تأزماً، وهذا ما تقوم به الوساطة التي لها دور عظيم في بناء مجتمع بدون شحناء أو أقل وطئاً.
نريد التعلم منكم
وقال الخبير الدولي «هيربارد آزار»: من نافلة القول أن أشير إلى أهمية الصلح في ثقافتكم، فأنتم تعرفون أهمية التحكيم في الثقافة العربية الإسلامية أكثر منا، ونحن استفدنا من ذلك في فرنسا، بل إن المعلم (ربما يعني القس) ورئيس البلدية من المتدخلين في الوساطة.
وأضاف: نحن ممنونون جداً لو تطلعونا على أشكال الوساطة في ثقافتكم حتى نستفيد منها، فنحن بعد 100 عام مازلنا في حاجة للتعلم من الآخرين، ولا نعتقد أننا وصلنا إلى النهاية كما يزعم “فوكوياما”، واسمح لي أن أسألكم أنتم في تونس: ما الذي يمكنكم أن تقدموه لنا في هذا المجال؟ ما الذي يمكننا إدماجه في مجال الوساطة بالنسبة إلى مختلف المتدخلين في الموضوع؟ فنحن في الأخير وسطاء ونريد مساعدة الآخرين لتجاوز خلافاتهم.
وحول تجربته في عملية فض النزاعات الأهلية، أفاد بأن كل فرد يعتقد أنه على حق، والمهمة ليست البحث عما هو على الحق، وإنما البحث عن صيغة للتسوية، ولنا مثل فرنسي يقول: “كل شخص يرى منتصف الزوال أمام بيته”، ثم البحث عن أضرار النزاع وما هو غير مقبول، والعمل على إيجاد حل بالنظر إلى كل ذلك.
المغرب.. انتخاب رئيس مجلس المستشارين حلقة جديدة في تكريس ضبابية المشهد السياسي
انتخب حكيم بنشماس، من حزب الأصالة والمعاصرة المعارض، رئيساً لمجلس المستشارين (الغرفة الثانية بالبرلمان المغربي)، في منتصف الشهر الماضي، وذلك في غياب مرشح تُجمع عليه فرق الأغلبية، بل منها من صوّت لصالح مرشح المعارضة، وهو ما اعتبر حلقة جديدة في تكريس الضبابية السياسية بالمغرب -حسب العديد من المحللين السياسيين- التي بدأت من إعفاء عبدالإله بن كيران من تشكيل الحكومة بالرغم من أنه حاز ثقة المغاربة في تشريعيات عام 2016م.
ما الذي جرى بالضبط؟ كان هذا هو السؤال الذي يبحث الجميع عن إجابة له، وحسب د. عبدالعلي حامي الدين، أستاذ العلوم السياسية، في تصريح لـ«المجتمع»، فإن حزب العدالة والتنمية الذي يقود الأغلبية كان مستعداً للتصويت على أي مرشح تقترحه هذه الأحزاب، ولم يكن معنياً بالتنافس على الرئاسة، غير أن أحزاب التجمع والحركة والاتحاد الاشتراكي امتنعت عن اقتراح أي مرشح، وحالت دون الاتفاق على مرشح مشترك للأغلبية.
وهنا وجدت أحزاب الأغلبية نفسها في البداية أمام مرشحين؛ أحدهما من حزب الأصالة والمعاصرة، والثاني من حزب الاستقلال، لكن قبل يوم الاقتراع بأربع وعشرين ساعة تراجع حزب الاستقلال عن تقديم مرشحه، وخرجت قيادته بتصريحات خطيرة إلى الصحافة مفادها أنهم تعرضوا لضغوطات لتغيير مرشحهم عبدالصمد قيوح إلى مرشح آخر، بل لم يتردد نور الدين مضيان في القول: إن هناك تعليمات من جهات معنية صدرت لدعم مرشح الأصالة والمعاصرة.
وأمام هذه المعطيات، اتخذت قيادة حزب العدالة والتنمية قرارها بترشيح نبيل شيخي لرئاسة مجلس المستشارين، رغم علمها المسبق بالنتيجة، وهو اختيار يحترم العقل والمنطق وينسجم مع روح التنافس السياسي، ويؤكد استقلالية القرار الحزبي، ويجعل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين أمام مسؤولياتهم السياسية والأخلاقية.
وقد ساد نوع من التذمر في الأوساط السياسية، معتبرة أن فوز بنشماس يكرس ثقافة غير ديمقراطية، وفي هذا الاتجاه، يقول د. خالد يايموت، في تصريح لـ«المجتمع»: إن انتخاب مجلس المستشارين بالطريقة التي تمت هو أقرب إلى استمرارية تعيين شخصية من المعارضة لرئاسة غرفة من غرفتي البرلمان.
وأضاف أنه بالرغم من أن الانتخابات تمت بشكل شكلي، فإن واقع العملية وتدبيرها من طرف جهات خارج فرق وأحزاب مجلس المستشارين يؤشر على كون الانتخابات الخاصة برئاسة المجلس التي تمت عامي 2016 و2018م تعكس دفاع الدولة المغربية عن ثقافة غير ديمقراطية، تهمش الأحزاب والانتخابات معاً، كما تعتبر تدخلاً سافراً في استقلالية القرار الحزبي.
في المقابل، اعتبر د. خالد الشيات، أستاذ العلوم السياسية، أن ترشيح العدالة والتنمية كان مضللاً من جهة، ومتأخراً ودون جدوى من جهة أخرى؛ لأن الترشيح في منتصف الولاية وإن كان متاحاً قانوناً فإنه ليس منطقياً من الناحية الديمقراطية ولا أخلاقياً من الناحية المبدئية؛ لأن تعاقد المؤسسة مبني على انتخابات وليس توافقات مرحلية، خاصة أن خلفية التدافع هي منظومة سياسية غير قائمة على الأسس الحزبية إلا من الناحية الشكلية.
مآلات
لكن ما الذي سينتج عن مثل هذه الممارسات؟ يبرز د. يايموت جواباً عن السؤال، أن ذلك سيكرس مزيداً من الفتور السياسي خاصة عند الطبقة الوسطى والمتعلمة، موضحاً أنه حتى الآن الدولة تتخبط بين خياري الهيمنة التامة على المؤسسات والقرار السياسي، وتعيين رئيس مجلس المستشارين بطريقة انتخابية شكلية جزء من هذا التوجه، أما الخيار الآخر -حسب يايموت- فهو البحث عن التوازن، ويتم عن طريق دعم حزب التجمع الوطني للأحرار لخلق دينامية سياسية متحكم فيها.
وبخصوص تأثير ضبابية المشهد السياسي على الاحتقان الاجتماعي، يؤكد يايموت أن الدينامية الاجتماعية بالمغرب أكبر من دينامية وقدرة الدولة على السيطرة والتحكم، وحتى من إيجاد التوازن التقليدي في الحقل السياسي؛ ذلك أن الاحتقان الاجتماعي يدور بسرعة تتجاوز السياسيين ومؤسسات الدولة؛ وبالتالي فالصدام بين الدولة وبعض الفئات الاجتماعية وخاصة الشباب سيستمر وسيتخذ أشكالاً مختلفة.>