; إرهاصات صيف سياسي ساخن | مجلة المجتمع

العنوان إرهاصات صيف سياسي ساخن

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 14-مايو-2005

مشاهدات 83

نشر في العدد 1651

نشر في الصفحة 24

السبت 14-مايو-2005

لا شك أن المراقب للساحة السياسية المصرية يدرك – رغم الصخب الشديد وكثرة الغبار – أن ثمة تغيرًا كبيرًا قد طرأ على وضع الإخوان في الشارع السياسي المصري، وعلى العلاقة بين السلطة والجماعة، فمنذ قامت مظاهرات الجماعة في عدة ميادين بوسط القاهرة في 27 مارس 2005م، والتي اشتملت على عدة آلاف من المتظاهرين ومرورًا بمظاهرات محافظة الغربية وحتى مظاهرات الأمس القريب التي اشتملت على عشرات الآلاف فيما يزيد على عشرة محافظات، اتسعت ساحة المواجهة واستنفرت السلطة عشرات الآلاف من الجنود والمصفحات، وألقي القبض على قرابة ألفين وخمسمائة من الجماعة في عدة محافظات.

فيما أعلن اللواء فؤاد علام، وهو بمثابة متحدث باسم جهاز أمن الدولة بالداخلية، أنها ألقت القبض على أربعمائة فقط بتهمة الاعتداء على مبانٍ حكومية، وأن التحقيقات الأولية تأخذ يومين إلى ثلاثة، وبالفعل أعلنت الداخلية الإفراج عن مائتين، وبعد ساعات ألقت القبض على مئات آخرين بمن فيهم الدكتور عصام العريان وثلاث من ضيوفه أحدهم مدير بنك والآخران أستاذان بجامعة القاهرة، كما أعلن عن وفاة طارق غنام بإصابة في رأسه أدت إلى نزيف في المخ طبقًا لتقرير طبي أشار إليه الدكتور محمد مرسي، رئيس الكتلة النيابية في مجلس الأمة.

وفي إمكان المراقب أن يسجل النقاط التالية لهذا التحرك غير المسبوق في تاريخ العلاقة بين الطرفين:

1- أن هذا التحرك الواسع جاء في أعقاب تصريحات السيد الرئيس بأنه لا يكن عداءً للإخوان كأشخاص وأن من حقهم أن يمارسوا العمل السياسي كأفراد من خلال الأحزاب القائمة، ورد قيادات الجماعة ببيان يؤكد حقهم السياسي في إنشاء حزب مدني ذي مرجعية إسلامية، وأنهم يرفضون الذوبان في الكيانات الحزبية الموجودة بوصفهم أكبر هيئة إسلامية جامعة، وأن الخلاف ليس مع شخص الرئيس وإنما مع السياسات التي تتبعها السلطة.

2- تميزت المظاهرات عمومًا بحسن التنظيم والانضباط والالتزام بالتعبير السلمي وعدم الإساءة إلى الأفراد والمؤسسات، وذلك على الرغم من اتساع رقعة المظاهرات وارتفاع أعداد المشاركين فيها.

3- أداء سياسي رفيع من قيادات الجماعة ينم عن أعصاب هادئة وخطة سياسية مدروسة.

4- وضوح شديد وتأكيد علني متكرر على أعلى المستويات أن الجماعة تعمل وفق أجندة وطنية خالصة وترفض الحوار مع الأمريكان إلا من خلال قنوات الدولة الرسمية «وزارة الخارجية»، ويرفضون أن يكونوا أداة في أيدي أي قوة أجنبية للضغط على مصر، وفي ذات الوقت فإن الجماعة تدعو السلطة إلى الإسراع باتخاذ إجراءات إصلاح سياسي حقيقية حتى لا يتخذ عدم الإصلاح أو التباطؤ فيه ذريعة للتدخل الأجنبي.

5 - تحول في الشعارات والهتافات بشكل ملحوظ من الصبغة التقليدية للجماعة إلى صبغة أكثر شعبية تلامس وتقترب من هموم ونبض الشارع المصري بكل أطيافه من الغلاء إلى الفساد إلى الحرية إلى قانون الطوارئ... إلخ.

6 - أقام الحزب الوطني مظاهرة من عدد من أعضائه يحملون صورة السيد الرئيس، ورغم مدلولها السياسي إلا أنها ضاعت كما ضاع أعضاؤها وسط الآلاف الكثيرة من المتظاهرين والآلاف الأكثر من رجال الأمن المدججين بالسلاح.

7 - بدا واضحًا أن هناك تضحيات كبيرة قدمتها الجماعة خلال الفترة القليلة الماضية من سجن وقتل، وأن المزيد منها متوقعًا في ظل رغبة الجماعة في التمسك بأهدافها وبأجندة الإصلاح السياسي، وهذا مثار إعجاب قوى سياسية محلية وعالمية كثيرة.

8 - إصرار الجماعة على أن تتعامل السلطة مع الجماعة ككيان سياسي وليس كملف أمني.

9 - قد يكون من قبيل الصدفة أن تتزامن هذه الأنشطة الشعبية مع تحرك ذي دلالة سياسية كبيرة لنادي قضاة مصر الذي خرج بعدة مطالب تتناغم مع مطالب الجماعة ومن بين أهم المطالب:

أ - استقلال السلطة القضائية.

ب - الإشراف الكامل للقضاء على الانتخابات.

ج- تحقيق سيادة القانون.

د - إنشاء جهاز شرطة مستقل لتنفيذ أحكام القضاء يكون تابعًا لوزارة العدل.

 هـ - نقل تبعية السجون المصرية إلى وزارة العدل بدلًا من وزارة الداخلية.

10 - يبدو أن قوى المعارضة تتجه نحو موقف لدعم موقف الجماعة ويؤكد على المطالب الوطنية، خاصة بعدما أعلنت السلطة عن شروط الترشيح للرئاسة، وأثبتت صدق توقعات المراقبين أن السلطة سوف تغلق باليد اليسرى ما حاولت فتحه باليد اليمنى.

ولتحليل ما يدور ينبغي أن ينظر المرء إلى الساحة السياسية في مصر وما يعتريها من احتقار وانسداد وكآبة، وإلى المساحة الجغرافية التي غطتها مظاهرات الجماعة، وكذلك إلى تمسكهم بمطالبهم التي تتناغم مع الشارع السياسي وتعبر عن مطالب الشعب المصري في البطالة والغلاء والإسكان والحرية والمشاركة السياسية والأمن واحترام حقوق الإنسان والمحافظة على المال العام والأخلاق الحميدة من خلال بيان الجماعة الصادر في 27 أبريل 2005م حول تصريحات السيد رئيس الجمهورية، والمتضمن أحد عشر بندًا وفي ضوء ذلك تتضح الملامح الآتية:

-        هناك ارتفاع في سقف مطالب الجماعة.

-        هناك إصرار من الجماعة على المضي قدمًا رغم ارتفاع التكلفة التي ستدفعها.

-        الجماعة نجحت في توصيل عدة رسائل إلى عدة جهات وهي الشعب والأحزاب والسلطة والعالم الخارجي.

- هناك تغطية إعلامية واسعة ومتابعة حثيثة لتحركات الجماعة.

-        هناك اهتمام عالي واسع من مراكز اتخاذ القرار ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات المعنية بالتطورات الأخيرة والخطاب السياسي للجماعة.

-        هناك تغير ملحوظ في لهجة الخطاب الإعلامي الحكومي تمثل في كلام السيد الرئيس والسماح بالحديث عن الجماعة كقوة سياسية عبر وسائل إعلام رسمية لطالما اتخذت موقعًا معارضًا للجماعة، وذلك كله مع إصرار تلك الأجهزة على الإشارة إلى الإخوان كجماعة محظورة، وفي نفس الوقت تستمر الممارسات الأمنية ضد الجماعة.

 والخلاصة أنا مقبلون على صيف سياسي ساخن ستعمل الجماعة ما في وسعها من أجل الوصول إلى أهدافها الإصلاحية، ومن المؤكد أيضًا أن الدولة لن تسكت ولن تدخر جهدًا في عرقلة تحرك الجماعة ومواجهتها بكافة السبل، تارة باللين والترغيب وتارات بالعنف والترهيب، ويبقى دور الشارع المصري والنخب السياسية والثقافية وفي أي اتجاه وإلى أي درجة سوف تنحاز كعامل أساسي في تغيير شكل المسرح السياسي المصري، وعلينا أن ندرك أن نتيجة هذا الصراع سوف تحسمها مدى قدرة كل طرف على الاستمرارية وطول النفس وتحمل الضغط ومقاومة الإنهاك من الطرف الآخر، وقد علمتنا حوادث الدهر أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرًا.

د. صادق عطية

الرابط المختصر :