العنوان إرهاب الحرب على الإرهاب!
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2003
مشاهدات 74
نشر في العدد 1570
نشر في الصفحة 31
السبت 27-سبتمبر-2003
ما تقوم به الولايات المتحدة - ومن ورائها دول حليفة تريد دخول التاريخ من بوابته الخلفية باسم مكافحة الإرهاب - ليس - ولن يكون - إلا محاولات يائسة للصراع مع أمة أثبت التاريخ أنها لا يمكن أن تتلاشى وإن كان من المعروف تاريخيًا أنها سقطت مرارًا مثخنة بالجراح شبه القاتلة.
إنه أشبه ما يكون بمحاولات يائسة للصراع مع أسود جريحة لا تلبث أن تستعيد عافيتها في كل مرة وتقف على أقدامها تلعق جراحها وترابط على مداخل أوكارها تحمي صغارها من الدخلاء، بانتظار أن يستطيع هؤلاء الصغار بدورهم أن يقفوا على أقدامهم ويحموا وجودهم بأنفسهم.
الحرب على الإرهاب كان ينبغي أن تبدأ بالتحقيق النزيه المنصف في أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي يعتقد أكثر من ثلاثة أرباع المعمورة أنها عمليات سكتت عنها - إن لم تكن ساعدت في التخطيط غير المباشر لها - المخابرات المركزية الأمريكية نفسها، على غرار ما يعتقد أنه حدث في اليابان قبل ستين عامًا عندما ضربت قاعدة «بيرل هاربر»، ليكون ضربها مبررًا هائلًا لإعلان الحرب على اليابان واستعمال القنبلة الذرية، وتأتي تفجيرات سبتمبر لتؤدي الدور نفسه في تبرير غزو الخليج عن طريق بوابة العراق، ومن ثم القضاء على الانتفاضة الفلسطينية التي باتت تهدد لا أمن الاحتلال فحسب وإنما قيامه ووجوده ومهمته في المنطقة العربية، وكذلك وبالجملة القضاء على الصحوة الإسلامية المتنامية التي ترفد الانتفاضة على الأقل بالدعم المعنوي البالغ الأهمية الذي افتقده الفلسطينيون خلال نصف قرن من جهادهم.
الحرب على الإرهاب لا تكون بمعاقبات جماعية للجاليات العربية والمسلمة المقيمة في الغرب اضطرارًا أو لأن الغرب روج لقدومها إليه استفادة من اليد العاملة التي بنت عمرانه، ويبدو أن الوقت قد حان لكي تخرج من بين ظهرانيه بعد أن أدت المهمة المحددة التي كانت ملقاة على عاتقها، وقد أتت اعتداءات سبتمبر بالمبرر الممتاز الذي مكن أوروبا - التي ركبت الموجة بدورها - من إعلان الحرب على هذه الجاليات، إذ باتت تشكل هاجسًا مقلقًا لقوى سياسية مهيمنة في القارة تتحسب من انقلاب في التركيبة السكانية يعني من وجهة نظرها تغييرًا أخطر في صناديق الانتخابات.
الحرب على الإرهاب لا تكون بإهانة الأمم وإذلالها والتحكم في كل شاردة وواردة في توجهات حكومات ساعدت باستبدادها وسوء إدارتها على وصول الأمة إلى هذا الحال، وجاءت اليوم تقف مواقف معيبة تثير حتى شفقة المعارضين من أبنائها الذين شردتهم ومزقتهم كل ممزق في رحاب الأرض يوم مارست دورها في الاستئساد عليهم وهي لا تبدو اليوم أكثر من كونها نعامة أمام تدخل القوى الأجنبية في شؤون البلاد والعباد، دون أن تستطيع ولا حتى القيام بدور أخير يتمثل في استقالتها بعد أن أثبتت أنها عاجزة عن فعل شيء أو تقديم شيء لمواطنيها، بل - على العكس - ركبت موجة الحرب على الإرهاب حتى إن بعض الحكومات العربية فاق الحكومة الأمريكية نفسها وبأشواط بعيدة في القدرة على السحق والقتل والتعذيب وتدمير الأجيال والثقافة والهياكل العامة للبلدان التي حكمتها، وانتزاع آخر قدرة لدى الأسود الجريحة فيها على الصبر والتفكير وإعادة الحسابات.
الحرب على الإرهاب لا تكون بإذكاء نيران الحقد والكراهية بين الشعوب، ولا بتأجيج أعاصير الغضب في نفوس أبناء الأمة الوحيدة التي لم يستطع أحد أن يقضي عليها ككيان ثقافي اجتماعي ووجود تاريخي، والتي تتمتع بقدرة مذهلة على تجديد نفسها وابتلاع آلامها والقيام من الموت مرة إثر مرة لتمشى على الجرح وتقاوم، بل أكثر من ذلك أنها الأمة الوحيدة القادرة على ابتلاع الغزاة واستيعابهم ثقافيًا وحضاريًا وإنسانيًا وجعلهم جنودًا في صفها، وهي الأمة الوحيدة التي لم تستطع قوة على وجه الأرض استئصالها أو اجتثاثها ولا القضاء عليها ماديًا ولا معنويًا بل لقد استمر الصراع مع أعدائها في ثغورها وجنباتها مئات من الأعوام متطاولة، وعلى الرغم من الذبح والاستئصال والسحق بقي الوجود الجغرافي قائمًا ويقي العنصر الإنساني مترقبًا ينتظر.
المكان الوحيد في العالم الذي قضي فيه على العنصر الإنساني بالتصفية الدينية والعرقية الكاملة والقضاء على الوجود الفيزيائي والعقيدي كان الأندلس، لا لأن الأعداء في حينه تمكنوا من إحداث هذه النقلة التاريخية بالغة الأهمية ولكن لأن ممثلي الأمة في ذلك الحين وفي تلك الأرض كانوا قد انهاروا من الداخل وفقدوا مبرر وجودهم.
وعلى الرغم من تلك الهزيمة التاريخية فإن العنصر الإنساني لم يستأصل لكنه انهزم قهرًا نحو الضفة الجنوبية من المتوسط، تشهد على ذلك حكايات الأحفاد، وطراز العمارة، ومفاتيح البيوت التي ما زال الأبناء يحتفظون بها أبًا عن جد، توارثوها عنوان حق اغتصب منهم قبل خمسمائة عام وما زالت القضية في ذمة التاريخ تنتظر التحقيق فيها.
يبدو أن الكثيرين اليوم بحاجة الى قراءة التاريخ من جديد، كثيرون كذلك يحتاجون إلى مراجعة موسوعات الثروات الحيوانية والاطلاع على أخلاق الأسود والذئاب، لأنها تعتبر في عرف علماء الحيوان من أشرف المخلوقات على الرغم من وحشيتها ودمويتها، لأنها لا تعتدي إلا على من يعتدي عليها ولا تقتل إلا لتآكل وفي حالات الجوع القصوى.
كثيرون يحتاجون في خضم هذا الإرهاب الذي عم عالمنا اليوم إلى مراجعة حساباتهم وشعاراتهم في الحرب التي أعلنت على العرب والمسلمين باسم مكافحة الإرهاب، وعليهم أن يعرفوا لنا هذا الإرهاب الذي أصبح يندرج تحت لوائه كل ذي ضمير حي، كل رافع لصوته في وجه الطغيان الأعمى للقوة كل رافض للانصياع إلى قولية النفوس والعقول، بل الأدهى والأمر أنهم أدرجوا في بوتقته كل حر شريف رافض لاستعمار أرضه وامتهان أمته واستلاب حقه وإهانة دينه واحتقار قومه ووطنه.
حتى إن مقارعة المستعمر صارت إرهابًا! ولم نسمع قط في التاريخ بأمة شريفة فتحت صدرها لمستعمر أتاها غازيًا بخيله ورجله يدعي تحريرها وهو يدكها في عقر دارها مغتصبًا ممتهنًا سارقًا خيراتها وثرواتها!
لم نسمع في التاريخ أن إسبانيا رحبت بالمستعمر الفرنسي، وأن أمريكا فتحت ذراعيها لاستقبال هتلر.
لم نسمع في التاريخ عن أحد نعت المقاتلين دون ديارهم وأوطانهم إلا بالبطولات الخارقة واسألوا «غويا» الرسام الإسباني الشهير الذي خلد ذكرى الإسبان الذين قتلتهم فرنسا في ساحة إسبانيا في مدريد في لوحته الشهيرة التي حملت اسم «الشهداء»، واسألوا «بيكاسو» عن «الغيرنيكا»، التي ذاع صيتها في العالم والتي حكى فيها معلنًا رفضه القهر والذبح والامتهان - قصة قصف الطائرات الألمانية الغازية لمدينته الحالمة الساحرة، واسألوا فرنسا عن شهداء فيكتور هوجو الذين أفرد لهم كتابه «البؤساء» الذي قص فيه على العالم بطولات جنوده في «ووترلو» الشهيرة.
أهو حلال على أمم الأرض أن تستبسل في الدفاع عن شرفها، حرام علينا نحن العرب والمسلمين وحدنا من دونهم جميعًا؟ أم أن إرهاب الحرب على الإرهاب قد بلغ من الاغترار بأكاذيبه الإعلامية أن صدقها؟!
إن هذا الضغط الهائل الذي يعد ظلمًا منقطع النظير على أمة تتفجر براكين الغضب في باطنها سيجعل الأيام حبلى بما لا يخطر على بال أحد، وإن للأمم ولشبابها قدرة معينة على الصبر والاحتمال وضبط النفس، وإن الظلم لن يعود على الغزاة إلا بأسوأ العواقب، وإن هذه الحملة العالمية لدك حصون الأمة باسم مكافحة الإرهاب ليست إلا أقسى حملة إرهابية فكرية سياسية ثقافية عسكرية شهدها التاريخ لأنها باسم الحرب على الإرهاب، تمارس إرهابًا على شعوب غرقت في عفنها الداخلي فما عادت قادرة على وضع حد لكل هذا الحجم من الإهانة والقهر والإرهاب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل