; إرهابيون أم ثُوّار أم ماذا؟ | مجلة المجتمع

العنوان إرهابيون أم ثُوّار أم ماذا؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أبريل-1994

مشاهدات 110

نشر في العدد 1096

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 19-أبريل-1994

كثير من الأحرار يثور على الظلم ويكافح الباطل، ويصارع الضلال والبغي والعدوان في كل زمان ومكان، فيطلق عليهم الظالمون وأهل الباطل التهم والأكاذيب، ويصفهم أهل الضلال والبغي بالإرهاب والإجرام، وينعتهم المعتدون والمفسدون بالمخربين والسفاحين، وهم ثوار يريدون إحقاق الحق وإبطال الباطل، ويرفضون العبودية والذل ولو ماتوا عن آخرهم أو مزقت منهم الأجساد والأبدان.

فإذا ما قُدِّر لهم النصر والغلبة، سُمّوا بالأبطال والأحرار والرواد، وحُمِلوا على الأعناق والعروش، وقوبلوا بالزهور والرياحين، وخلّدهم الزمان وسعدت بهم الأيام ووعاهم التاريخ، فكل مجاهد يتعلق مصيره في غبش الحياة بعدالة القضية ونتيجة الكفاح وانفلاق الإصباح، ومن يدري بالعواقب في تلك الأمم الهوج.. وما أحسن قول مجاهد:

أنا لست أدري هل ستُذكر قصتي ** أم سوف يعروها دجى النسيان

كل الذي أدريه أن تجرعي ** كأس المذلة ليس في إمكاني

لو لم أكن في ثورتي متطلباً ** غير الضياء لأمتي لكفاني

أهوى الحياة كريمة لا قيد لا ** إرهاب لا استخفاف بالإنسان

فإذا سقطتُ سقطتُ أحمل عزتي ** يغلي دم الأحرار في شرياني

لكن إذا انتصر الضياء ومُزقت ** بيد الجموع شريعة القرصان

فلسوف يذكرني ويُكبر همتي ** من كان في بلدي حليف هوان

الاستبداد ومصير الأمم

والأمة التي تفقد الإحساس وتسير قطعاناً مطأطأة الرؤوس مصيرها الزوال لا محالة؛ لأنه يستحيل أن يتكون في ظل الاستبداد جيل محترم أو معدن صلب أو خلق مكافح، وقديماً قال عنترة العربي: «إن العبد لا يحسن الكر والفر، ولكنه يحسن الحلب والصر»، ففهم أبوه الدرس، فقال له: «كر وأنت حر».

والأمة المهزومة اليوم لا تجد من يفك قيدها ويحرر رقبتها من الذل والبغي والظلم والعبودية حتى تنهض وتكر، وتسود وتتقدم، والاستبداد دائماً يقضي على القوى المحركة للشعوب بأسلوبه الشائن في إهانة الكفايات وترجيح الصغار، ورفع الأقزام، وتقريب المنافقين، وهذا الصنف الخسيس من الناس هو الذي يؤثر في الأمة الثكلى بالمناصب والألقاب، ويفوز بالترقيات، وتضفى عليه النعوت، ويُمكَّن له في المجتمع. أما أهل الرأي والخبرة والعزم والشرف، فإن فضائلهم نقائص، وخبرتهم مسالب، وعزمهم معايب، تُحسب عليهم لا لهم، وتنسج لهم الأكفان بدل أن ترفع لهم الرايات، والويل لأمة يقودها التافهون ويخزى فيها القادرون.

عواقب الظلم والدمار الأدبي

ومن هنا كان الدمار الأدبي والمعنوي والمادي الذي يصحب الاستبداد بعيد الآماد، خبيث العواقب، ينحدر بالأمة سريعاً إلى الهاوية، حيث تخبو الإبداعات وتزول، وتتقلص الطاقات وتنمحي، ويسود الخراب، ولا يبقى لأحد ذكر، ولا لظالم أثر إلا اللعنات من الأجيال الناقمة على هذا القطيع الهابط الزائل، ومن أحسن ما قيل في تشييع ظالم مستبد قولهم:

لتبكِ على الفضل بن مروان نفسه ** فليس له باكٍ من الناس يعرفُ

لقد صحب الدنيا منوعاً لخيرها ** وفارقها وهو الظلوم المعنفُ

إلى النار فليذهب ومن كان مثله ** على أي شيء فاتنا منه نأسف

﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (الروم: 10)، وكان ذهاب المسيئين والباغين والظالمين رحمة أمرنا الله سبحانه أن نحمده عليها فقال: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (المؤمنون: 28) وكان من دعاء امرأة فرعون ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (التحريم: 11) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر: 34).

واقع العالم الثالث والأمة الإسلامية

والعالم الثالث اليوم يموج موج البحار الهائجة، ويزمجر زمجرة الرياح العاتية، ويهب من رقاده هبة الملدوغ، يبكي حظه العاثر، ويبث همه الغامر، وينعي تخلفه الماحق وظلمه الكبير وكرامته المراقة وآدميته المبتذلة من سلطاته ومن ولاته ومن المفسدين فيه، والأمة الإسلامية اليوم تسير على هذا الغرار إلا من رحم ربك، ويزاد على ذلك شطب لهويتها الإسلامية وعداء لمنهجها المستقيم، وبغي على عقيدتها السمحة، وتوهين لتراثها العظيم وإهانة لسلفها الصالح ومطاردة لعبادها الصالحين، مع محاربة للفضيلة والعفة، ونبذ للأخلاق والطهر، وإباحة للرذيلة والمنكر؛ هذا في المجال الديني والاجتماعي.

وأما في المجال الدستوري، فإنها تُحكم بالعسكر، وتُساس بالأحكام العرفية والاستثنائية، وتضلل بديكورات ديمقراطية من الدجالين والنصابين وتجار المخدرات وبائعي الرذيلة. هذا والسجون عامرة، والتعذيب لا يتحمله إنس ولا جان، والمشانق منصوبة، والأرواح والدماء في الطرقات مراقة والأعراض مفضحة، والعدالة ليس لها وجود البتة، بل لم يسمع أحد عنها شيئاً.

وأما في المجال المالي: فالأموال منهوبة والدماء ممصوصة والثروات مباحة، وليس لمتاع حرمة، والديون متراكمة إلخ... إلخ.. فمن جاهد هذا بيده أو بلسانه أو بقلبه، هل يكون إرهابياً، أم ثائراً، أم مجاهداً، أم ماذا؟!

 

الرابط المختصر :