العنوان إذا غابت الشعوب.. فهل يستطيع التاريخ وحده أن يتحرك؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
مشاهدات 75
نشر في العدد 1376
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
هل يمكن حبس الحقائق؟ هل يمكن قتل التاريخ؟ لا.. فالتاريخ بطل شامخ لا يخاف السلطان، ولا يرهب السجان، يسير بقلب الشجعان، ويجهر بالحق في كل مكان، في أرجاء الأوطان، وفي حقب الأزمان، أما شعبي فيمشي جنب الحائط مبتهلًا: يا رب الستر من الجدران.. الحائط يرمقه شذرًا، يا طالبًا سترًا من صخرة، ويداك تهدان الصخرا؛ الستر بأمثالك يذري، لو كنت تحرك أعضاءك، لغدوت لمنقطع جسرًا، أو صرت لظمآن بئرًا، أو كنت لطاغية قبرًا، لكنك تقبع مشلولًا لا تملك كرًّا أو فرًّا، أطلق عزيمتك الأسرى، واجعلها أسحلة تترى، شيد بتفانيها خلدًا، واصنع من ذلتها مجدًا، واكتب بهزيمتها نصرًا.
كم هو رهيب ذلك التاريخ الذي لا يداري، ولا يستر العورات أو يواري القبائح، وكم هي مهولة ومفزعة صحف الأعمال وكتب الأفعال التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، وتتمزق منها شغاف القلوب فيقول أصحابها: ﴿وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49)، وكم هي صاعقة وعاتية، رؤية العناية الإلهية وصبرها إلى الوقت المحتوم: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (يونس: 61).
ورغم كل هذا وذاك يرتكس الكثير من عتاة العشوب في حماة الضلال والظلم والبهتان، وشاءت إرادة الله أن يفضحهم في الدنيا قبل الآخرة، في الحياة التي أرادوها متاعًا وعظمة واستعلاء، فإذا بالتاريخ يكشف المخبوء، ويزيل الحجب، ويبدي السوءات، حتى تكون الحسرة أشد، والداهية أعظم، فلا تكون هنالك سعادة إن كانوا أحياء، أو رحمة وحسن ذكر لهم ولذرياتهم إن كانوا تحت الثرى، كما أنه من رحمة الله تعالى بعباده الصالحين المجاهدين أن يتفضل عليهم بما يعطر سيرتهم في الدنيا، ويعظم لهم المثوبة في الآخرة بما يناسب جهادهم وصبرهم: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ (الأحزاب: 24)، ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ (ص: 49- 50).
هذا وتاريخنا اليوم يطل علينا بعلامات استفهام كيبرة توضح كثيرًا من النكسات التي مني بها الوطن العربي، ويجيب عن معظم التساؤلات التي كانت حائرة على الألسن، وفي وسط المجتمعات، والغريب أن الحقائق في هذه الأيام بدأت تظهر بكثافة وقوة جعلت الإنسان في دهشة، لا لأننا كنا لا نتوقعها، ولكن لأن حجمها كان من العيار الثقيل، أي من عيار الخيانة العظمى لا لشخص عادي، أو مسؤول صغير، ولكنها لرؤساء دول، والشعوب إذا خسرت زعماءها خسرت كل شيء، وإذا فقدت مفكريها ومثقفيها فقدت شخصيتها، والمفترض أن هؤلاء وأولئك هم حراس الأمم وحماة الشعوب، ودروع الدول، فإذا ضاع ذلك كله كان خسارة الأمم عظيمة وتمثل انهيارًا، وتكون فاجعة، وهذا الذي يجري في الشرق الأوسط الآن، ما عهد مثله حتى الجاهليات القديمة والحديثة على حد سواء، وهذا في نظري يرجع في الأساس إلى تهميش الشعوب وإلغائها من منظومة الأمم أو إلى استعباد، أو رق يقضي على فاعليتها.
هذا.. ولقد كان تأخر الأمة وعدم نهضتها شيئًا مستغربًا، وأمرًا يدعو إلى العجب، ولقد استطاعت أمم ضعيفة مهزومة أن تتحول في عقد أو عقدين من الزمان إلى دولة قوية ومتقدمة، دون أن تملك السلاح النووي أو الجيوش الجرارة، بل حققت نوعًا من القوة، تمثل في نجاحها الصناعي والعلمي والإنتاجي والحضاري، وأصبحت ذات ثقل عالمي لا يمكن الغض من شأنه، وعلى سبيل المثال نذكر ألمانيا واليابان، وهذه الدول قادها رجال سهروا الليالي على حفظها ونهضتها، وقطعوا الأيام والشهور في خدمتها، وتنمية قوتها، فسادت وعزت ببنيها وطاقاتها، وقويت وشمخت بقادتها وزعمائها والمخلصين فيها.
إن الأمر الواقع ليس هو الغول الرهيب الذي يجبرنا على الاستسلام والرضوخ، والعيش في ظلال الهزيمة، إنه لا يمكن أن يجبر أمة ناهضة على الضياع النفسي والاجتماعي والحضاري لأنه لا يكتسب مع عزيمتها القوية صفة الخلود أو البقاء والدوام، فقد قضت سنة الله في خلقه أن يجري عليهم نواميسه التي شملت كافة الكائنات، وأظن أن أحدًا لا يستطيع أن يمنع التغيير لأن التغيير يبدأ من تغيير النفس وليس لأحد سلطان على نفس أحد وصدق الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
صحيح أن هناك كثيرًا من الأوضاع الاجتماعية والأخلاقية التي تثير الاشمئزاز، وتبعث على الضيق والغضب، لكنها ليست عصية على النظر والمعالجة، فالمصلحون دائمًا وأبدًا يكابدون فترات زمنية قاسية وأوضاع بئيسة مرهقة، طافحة بالفساد الفكري والاجتماعي، مليئة بالعلل والانحرافات والخلل، ويغالبون الانحدارات وفقدان التوازن بين المادة والروح والخور والعزيمة، كما يكافحون ضلال الناس، وفساق الشعوب، وسراق الأمن والسلام في الأمم، أما الجبناء فإنهم وحدهم الذين يفرون من ميادين الجهاد، وينحنون للعواصف خوفًا من التضحية أو الموت، وتشبثًا بالحياة الذليلة المثقلة بالمغارم والمخازي والمذلات، ولهذا فهم دائمًا يجرون إلى الهزائم النكراء، وينحازون إلى المواقف الملوثة، ويجمعون حولهم المرجفون والخائفون والخائنون والمتحذلقون واليائسون، ليتكون من كل هذا الغثاء زخم مذعور هالع مهزوم، يشيع الوهن في الأمة، ولهذا يقول- صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم».
والأمة بتاريخها الناصع البياض، وسجلها الرائع المضيء تحمل الأمل والإيمان والصدق والطهر الذي سيوصلها إلى شاطئ الأمان، ويبلغها إلى غاياتها العظام، ويأخذ بيدها إلى العلا والعزة، أما الذين يخونون الأمانة، ويقترفون العمالة، وتجندهم المخابرات الأجنبية فإنهم ينساقون لخدمة أهداف الأعداء، فلن يرحمهم التاريخ، أو يغفو عنهم الزمان، لأن صحائفهم قد أترعت بالعار والصغار، بأشياء تدير الرؤوس وتحير الألباب، ولكنه ولابد وأن يؤدي ذلك إلى صحوة تكشف الأفعال المفضوحة لقهر الإسلام والمسلمين، وإلى قوة ترفع الأيدي عن الأحرار المخلصين، وإلى إفرازة تميز الربانيين من المشبوهين المفضوحين.
إن الأمم إذا لم تقم بدورها المطلوب فسيقوم التاريخ بفضح العملاء والمجندين الذين ظهرت مخازيهم على السطوح، ونطقت بها الحوادث والأيام، لتوقظ النائم والوسنان، وتحرك القاعد والكسلان، وتطلع الشموس، وأنوار الإصباح، ويفرح المؤمنون بنصر الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل