; إذا دعاكم لما يحييكم | مجلة المجتمع

العنوان إذا دعاكم لما يحييكم

الكاتب د.عيد عبد الحميد

تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002

مشاهدات 72

نشر في العدد 1530

نشر في الصفحة 42

السبت 14-ديسمبر-2002

قضت السنن الإلهية والنواميس الربانية أن تكون الأيام بين الناس دولاً ﴿وتِلْكَ الأَيَّامُ نداولها بَيْنَ النًّاسِ﴾ (آل عمران: 140) فأنى لمؤمن موحد، أو كافر ملحد أن يجد عنها حولاً ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: 43) فكل يطرق بها بابه ومنه ينال، وتظل العبرة باختلاف العقبى والمآل، فبينما يرد عباد الله الموحدون إلى أحسن حال، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فإن أهل البغي والاستكبار تلفح وجوههم النار في لظى جحيم مستعر.

وبالنظر إلى هذه المآلات تهون على المسلمين النازلات، وإن تفاقمت عليهم الجراحات وتزاحمت في ساحتهم الغصات، فليست هي من قاصمات الظهور، إنما ابتلاء ممن بيده مقاليد الأمور، ليتميز المتخاذل الغرور ممن هو مرابط في ساح الوغى يدور في رحاها حيث تدور..

في ظلال ذلك جاء قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 24).

أفادت الآية الكريمة أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات، فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهرًا وباطنًا، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول، فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب لله والرسول. 

وقوله تعالى (لما يحييكم) قال قتادة: «هو هذا القرآن فيه الحياة والعفة والعصمة في الدنيا والآخرة» (تفسير الطبري 6/214) وقال السدي: «هو الإسلام أحياهم به بعد موتهم بالكفر» (تفسير الطبري 6/213).

 في حين ذهب جمع من أئمة التفسير إلى أن المقصود بقوله تعالى (لما يحييكم) أي «للحرب التي أعزكم بها بعد الذل، وقواكم بعد الضعف ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم» (قاله ابن إسحق الدر المنثور للسيوطي 2/320)، وقال ابن قتيبة: «هو الجهاد الذي يحيي دينهم ويعليهم» (زاد المسير لابن الجوزي 3/339) وقال الفراء: «إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم» (زاد المسير 3/339) يريد أن أمرهم إنما يقوى بالحرب والجهاد، فلو تركوا الجهاد ضعف أمرهم واجترأ عليهم عدوهم، ومهما يكن من أمر فإن الجهاد ضرب من ضروب الاستجابة لله والرسول، إذ استفاضت التوجيهات الربانية والنبوية التي تأمر بالجهاد وتحض عليه وترغب فيه، كما أن الثمار المتوخاة من الاستجابة لله ورسوله سيظل «الجهاد وسيلة لتحققها وسياجًا لها بعد حصولها» (تفسير المنار 9/632).

وفي هذا المقام أثر عن ابن القيم قوله: إن الجهاد من أعظم ما يحييهم به في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، أما في الدنيا فإن قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ (التوبة: 14-15) وأما في البرزخ فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169) وأما في الآخرة فإن حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ غيرهم... ويكفي في هذا قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء :69).

وحديث أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه - وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «... وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، قلت وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله » (صحيح مسلم رقم 1885).

  • صفقة الجهاد والاستشهاد

فمن أمضى هذه الصفقة - صفقة الجهاد والاستشهاد - ارتفع إلى تلك المنزلة وحظي بحسن الصحبة والرفقة.. ومن هنا فإذا كان الإنسان لا حياة له حتى ينفخ فيه الملك الذي هو رسول الله من روحه فيصير حيًّا بذلك النفخ، وكان قبل ذلك من جملة الأموات، كما في حديث خلق الإنسان الذي يرويه ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: «ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات بكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح» (متفق عليه).

فكذلك لا حياة لروحه وقلبه حتى ينفخ فيه الرسول بالروح الذي ألقي إليه ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (النحل: 2) فسر ابن عباس -رضي الله عنهما- قوله تعالى (بالروح) أي: (بالوحي) (تفسير الطبري 9/77) وكذا قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (الشورى: 52) قال السدي في قوله تعالى: (روحا من أمرنا) أي «وحيًّا من أمرنا» (تفسير الطبري 13/46) فأخبر تبارك وتعالى أن وحيه روح ونور، وعليه فحياة الجسد موقوفة على نفخ الرسول الملكي، وحياة الروح واستنتارتها موقوفة على نفخ الرسول البشري، فمن أصابه نفخ الرسول الملكي ونفخ الرسول البشري حصلت له الحياتان، ومن حصل له نفخ الملك دون نفخ الرسول حصلت له إحدى الحياتين وفاتته الأخرى، قال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ (الأنعام: 122) فجمع له بين النور والحياة كما جمع لمن أعرض عن كتابه بين الموت والظلمة.. (انظر: الفوائد لابن القيم ص 87 وما بعدها – بتصرف).

من بعد ما أصابهم القرح وإذا كان ذلك كذلك فقد عقد الشارع الحكيم الثناء والمثوبة والأجر الجزيل على حالة مخصوصة من الاستجابة األا وهي الاستجابة لله والرسول إذا ما انقشع غبار المعركة عن الساح، حيث مظنة تخضب الأجساد بالجراح، ومطاردة المجاهدين وتناثر أشلائهم في الربوع والبطاح، وشروع أهل الإرجاف بالهمز واللمز والتشكيك في الخيار -خيار الجهاد والاستشهاد- متشدقين بالإفك البواح، فقال عز من قائل: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 172) في ضوء ذلك ما على المجاهد في مثل هذا الظرف إلا أن يتجلد رغم القرح، ويتصلب رغم الجرح، ويتماسك رغم الترح، ملازمًا شرعة ربه مستجيبًا لها ممتثلاً أحكامها بلا منازعة ولا ممانعة ولا مرافعة ولا مدافعة، حتى وإن خذله بعض قومه فلم يبد منهم سوى الوهن والبرح، البرح من ميدان المعارك وساحات الوغى في حين تراه مستمسكاً بالمبادئ النبيلة، غير خاضع لضغوط الواقع الثقيلة ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسِ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيل * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: 173-174) وفي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ دعوة لكل ذي قلب ذكي، أو فهم سوي أو جسد قوي، أو قلم نزيه بهي، أو ذي مال غني أن يسخر ما أنعم الله به عليه وما حباه في نصرة دينه والذود عن قضاياه، مغتنمًا تقلبه بنعمة مولاه من قبل أن تلحق به السنن الإلهية التي كشفها في سياق حضه لعباده على الاستجابة له ولرسوله فعقب بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 24) فـ «من سنة الله تعالى في البشر الحيلولة بين المرء وقلبه الذي هو مركز الوجدان والإدراك ذي السلطان على إرادته وعمله.. وهذه السنة القلبية من سنن الله تعالى في الإرادات والأعمال، وهي أعجب جمل القرآن، ولعلها أبلغ في التعبير وأجمعها الحقائق علم النفس البشرية، وعلم الصفات الربانية وعلم التربية الدينية» (انظر تفسير المنار 9/632).

ومعنى قوله تعالى: (ويحول بين المرء وقلبه) أي «يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدواته وعلله ورده سليمًا كما يريده الله تعالى، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله.. وإلا فإن الله تعالى قد يملك على العبد قلبه فيفسخ عزائمه ويغير نياته ومقاصده» (الكشاف للزمخشري 2/204). وعليه فكل من واتته الفرصة للاستجابة لله والرسول بمناصرة خيار الجهاد والاستشهاد بنفسه أو ماله أو قلمه فتوانى فلا يأمنن إحاطة هذه السنة به.

  • ثلاثة مقامات إيمانية

ومن جهة أخرى فإن هذه السنة تغرس في النفس البشرية ثلاث ركائز إيجابية ومقامات إيمانية بهية ألا وهي: المبادرة والمراقبة والترجية (انظر تفسير الثعالبي 3/124). 

فمقام المبادرة يستشف من كون الآية الكريمة فيها تحضيض على الاستباق إلى خير الأعمال والمسارعة فيها والاستعجال، فلا تلكؤ إذًا ولا تثاقل في مناصرة هذا الخيار، خيار الجهاد والاستشهاد الذي فيه حياتهم، ذلك أن الله تعالى يحول بين المرء وقلبه، إما بالموت والقبض فيكون هذا متناغمًا مع قوله تعالى في تتمة الآية ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 24) أو يحول بين المرء وقلبه بتغيير مقاصده ويت نواياه فيكون هذا متمشيًا مع قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (الصف: 5).

كما يتجلى في الآية مقام المراقبة، إذ تم إعلامهم أن قدرة الله تعالى وعلمه وإحاطته حائلة بين المرء وقلبه، وذلك فيه حض على المراقبة والخوف من الله المطلع على الضمائر، فحذار أن تنطوي النفس على تنكب لهذا الخيار، خيار الجهاد والاستشهاد وتنكر لهذا الدرب والمسار، فسوف تقرع ساحتها النواميس والأقدار، فتضحى عرضة لتقلب القلوب والأبصار، فهذه سنة ربانية مفهومة ومن قديم الزمان معلومة، قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الأنعام: 110).

ثم مقام الترجية: إذ يستشف من الآية الكريمة أن الله تعالى قادر على أن يبدل الخوف الذي في قلوبهم من كثرة عدد عدوهم وعدده فيجعله جرأة وقوة، وبضد ذلك للكفار، ذلك أن الله تعالى مقلب القلوب وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء»، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» (صحيح مسلم رقم 2645) لذا كان أكثر دعائه - عليه الصلاة والسلام - «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (سنن الترمذي رقم 3523).

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كانت يمين النبي: لا ومقلب القلوب» (صحيح البخاري رقم 6243).

في ضوء ذلك يكون في السنة الربانية الدائرة في فلك الاستجابة لله والرسول نصيب، لكل عبد منيب أو معتد مريب، ذلك أن المرء إما أن يكون مستجيبًا لله ولرسوله فعليه أن يستمسك بما هو عليه ويستعصم لكيلا يأفل نجمه عن ميدان الاستجابة والاستقامة ويغيب، وإما معرضًا عن الاستجابة لله ولرسوله فيلزمه التعجيل بمراجعة نفسه ومحاسبتها من قبل أن يضل سعيه ويخيب...

 وسيظل النداء القرآني يصدع بالدعوة إلى الاستجابة لله والرسول وبها ينصح قال تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأحقاف: 31) في حين يقرع المناوئين لها الغافلين عنها ويفضح ﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (الأحقاف: 32).

الرابط المختصر :