; إذا حلّ الزمن الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان إذا حلّ الزمن الأمريكي

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1982

مشاهدات 94

نشر في العدد 575

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 15-يونيو-1982

  • «هيغ» يخطب في شيكاغو، موضحًا معالم تحرك أمريكي جديد في الشرق الأوسط.

  • «فيليب حبيب» لا يتصور غيبة الفلسطينيين، و«كوانت» يطالب بالاعتراف بمنظمة التحرير.

  • الشعوب باتت تدرك أن إسرائيل هي الملكة المطاعة، ولم يبق إلا طريق الجهاد.

  • دعم سلامة لبنان ضمن حدوده الدولية، ودعم الحكومة المركزية، وإعادة ترتيب الوجود الفلسطيني ودويلة سعد حداد وقوات الردع.

  • الحكم الذاتي الخطوة الحيوية الأولى، وآن الآوان لدفع عربة كامب ديفيد!

  • «هيغ» متفائلون بفضل قوتنا ومصالحنا وعلاقاتنا وأهدافنا، والآن هو وقت أمريكا في الشرق الأوسط.

جولة المبعوث الأمريكي «فيليب حبيب» الأخيرة إلى بيروت ودمشق وتل أبيب والرياض، وإن عجل بها الهجوم الإسرائيلي الحاقد على الشعبين الفلسطيني واللبناني، إلا أنها كانت مقررة ضمن تحرك أمريكي جديد يتناسب مع مرحلة ما بعد الانسحاب من سيناء، بدأت تتشكل معالمه منذ بداية العام الحالي. وقد وردت إشارات لمعالم التحرك الجديد في الصحافة الأمريكية، لكنها كانت إشارات عامة غامضة، وإن جاءت على ألسنة بعض من شغلوا منصبًا مهما في الخارجية الأمريكية من المختصين في الشرق الأوسط كوليام كوانت مثلا، لكن هناك وثيقتان مهمتان بهذا الصدد، هما محضر استجواب لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، الذي عقدته مع مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا «نيكولاس فيليوتيس» المرشح لخلافة «ألفريد آثرتون» سفير أمريكا في القاهرة، أما الوثيقة الأخرى، وهي الأهم فهي خطاب وزير الخارجية «أليكساندر هيغ»، الذي ألقاه في الشهر الماضي في مجلس العلاقات الخارجية في مدينة شيكاغو.

أهمية خطاب هيغ:

وتأتي أهمية خطاب «هيغ» من كونه صادرا عن المسؤول الأول عن السياسة الخارجية الأمريكية خاصة بعد ما تم حسم الجدل، الذي ثار حول مسؤولية السياسة الخارجية بين الخارجية ومجلس الأمن القومي لصالحه، ثم إن الآراء التي تعكسها الصحافة الأمريكية، وتنسبها إلى مسؤولين أمريكان قد لا تكون دقيقة؛ بسبب التباين فيالآراء داخل الإدارة السياسية الأمريكية.

وقبل أن نمضي مع معالم التحرك الأمريكي كما عبر عنه «هيغ»، لا بد من التفريق بين التحرك والسياسة، فالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط أو الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط مرتبطة بالمصالح الأمريكية في المنطقة، وهي ثابتة لا تتغير بتغير الإدارة السياسية الأمريكية، وهذا على كل حال ما أوضحه بصورة غير مباشرة «هيغ» نفسه في خطابه، الذي نحن بصدده.

سياسة ثابتة:

وتتلخص هذه السياسية فيما يلي:

1- تثبيت وجود دولة إسرائيل ضمن حدود آمنة ومعترف بها، وإقامة علاقات «طبيعية» بينها وبين الدول العربية خاصة المجاورة لها.

 2- السيطرة على النفط والموارد الطبيعية الضخمة، التي لم يكشف عنها حتى الآن خاصة في دول الخليج والجزيرة العربية، واستخدام هذه الموارد في تكريس تبعية أوروبا واليابان للسياسة الأمريكية.

3- الحيلولة دون إحداث تغيير سياسي في المنطقة من شأنه أن يقلب المعادلة السياسية الدولية في غير صالح الولايات المتحدة.

4- إضافة لذلك ترى الولايات المتحدة أن الموقع الجغرافي الإستراتيجي للشرق الأوسط كرابط بين قارات أوروبا وآسيا وأفريقيا مهم جدًّا في صراعها على مناطق النفوذ مع الاتحاد السوفيتي، كما يتحكم بطرق نقل أحجام الثروات الطبيعية في العالم.

ولأن المنطقة إسلامية عميقة الجذور، فقد اعتمدت الولايات المتحدة في إخضاعها على دعم الكيان اليهودي، وتزويده بأرقى آلات الحرب الفتاكة، فضلا عن الدعم السياسي والاقتصادي، الأمر الذي جعل إسرائيل حجر الزاوية في السياسة الأمريكية في المنطقة، وما معاهدة التعاون الإستراتيج،ي التي وقعها «بيغن» و«ريغان» إلا تتويج وتكريس للواقع، الذي استمر منذ استزراع الكيان اليهودي. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : من الأهم بالنسبة للولايات المتحدة إسرائيل أم مصالحها الحيوية؟، أو بصورة أخرى: هل تلجأ الولايات المتحدة إلى تحجيم إسرائيل إذا أصبحت عقبة أو خطيرة على مصالحها في المنطقة؟.

إسرائيل حجر الزاوية

لا شك أن الإجابة عن هذا التساؤل بالتفصيل ليس مكانة هذه المقالة، لكن يمكن القول باختصار: إن إسرائيل هي حجر الزاوية في السياسة الشرق أوسطية، واحتمال تعارض مصلحتي الدولتين تنحصر عمليًّا في هامش صغير، لم تتعد حتى الآن صفة الإحراج للصديق الأمريكي، ومع ذلك فليس مستبعدًا أن تتباين وجهات النظر، وأن تمارس الولايات المتحدة ضغطًا ما على إسرائيل أن هددت مصالحها في المنطقة.

 وإذن فهناك فرق بين السياسة بمعنى الإستراتيجية وبين التحرك السياسي بمعنى الحلول والاتصالات، وطريقة التعامل مع معطيات الوضع السياسي. ولو دققنا النظر في تاريخ السياسة الأمريكية الخارجية لوجدنا أن أهدافها كانت دائمًا ثابتة، أما الإجراءات المتخذة لتحقيق الأهداف، فكانت تختلف باختلاف الإدارة السياسية، فمن مبدأ إيزنهاور إلى مبدأ نيكسون إلى مبدأ  كارتر إلى مبدأ ريغان أو مبدأ «الإجماع الإستراتيجي»، الذي بلوره وزير الخارجية أليكساندر هيغ، وهو الذي يجمع بين مبدأ «نيكسون» - الاعتماد على الحلفاء الأقوياء - ومبدأ «كارتر» - التدخل المباشر عن طريق قوات التدخل السريع والقواعد والتسهيلات الأمريكية عند الضرورة لحماية المصالح الأمريكية -.

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية عمدت الولايات المتحدة - كما ذكر عضو مجلس الأمن القومي السابق وليام كوانت في كتابه عقد القرارات - إلى إشغال المنطقة سياسيًّا بحلول ومقترحات للسلام، تعرف مسبقا أنها غير قابلة للتطبيق، وذلك لكسب الوقت، وتحقيق مكاسب لها ولإسرائيل.

وكانت هذه المقترحات والمشاريع تفتر أو تسخن بحسب أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، والملاحظ أن هذه المشاريع قد فترت منذ عام ۱۹۷۷، وانحصرت فيما بعد باتفاقيات كامب ديفيد، ثم تحولت أنظار السياسة الأمريكية إلى الخليج، وبالتحديد منذ عام ٧٩، وذلك بسبب نجاح الثورة الإيرانية، والغزو الروسي لأفغانستان، ثم اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية. وبناء عليه أصبح «أمن الخليج» أولى وأهم من «أزمة الشرق الأوسط»، ومع امتداد الحرب العراقية – الإيرانية، وعدم وضوح نتائجها نشبت أزمة جزر فوكلاند بين حليفة الولايات المتحدة العجوز بريطانيا والأرجنتين، فتحول اهتمام المسؤولين الأمريكان إلى تلك الأزمة، لكن السياسة الأمريكية ما لبثت أن سربت معلومات صحفية عن انقلاب في سلم أولويات السياسة الخارجية، والتهيئة لمرحلة جديدة، وهي ما بعد تسليم سيناء النهائي لمصر، فما الدوافع التي أملت على الولايات المتحدة تغيير سلم أولوياتها؟، وما هذه الأولويات؟.

دوافع وأولويات:

قبل أن يلقي «هيغ» خطابه في شيكاغو، قالت صحيفة الصنداي تايمز البريطانية: إن «هيغ» يسعى لتحويل أنظاره إلى الشرق الأوسط؛ لأنه يعتبرها الرقعة الأكثر خطورة؛ للأسباب التالية:

۱ - رجوح كفة إيران على العراق، وهو أمر يقلق الأردن والسعودية ودول الخليج.

 ٢ - رغبة الولايات المتحدة بتقليص دورها في أزمة فوكلاند.

 ۳ - دفع الاتهامات، التي تعرض لها «هيغ» بشأن إهماله لبقية أجزاء العالم منذ أن نشبت أزمة فوكلاند. 

وإذا كان هذا التحليل صائبًا - وهو ما يغلب على ظننا -، فإن التحرك الأمريكي الجديد لا يعدو عن كونه «تحركا» يريد كسب الوقت، واللعب على الزمن، الذي تؤمن الإدارة الأمريكية أنه العنصر الوحيد الكفيل بحل المسائل المستعصية!.

وإضافة لما سبق، فإن القضية الفلسطينية أو أزمة الصراع العربي - الصهيوني - كما أسمتها مؤخرًا الإدارة الأمريكية - لم تنحل بشكل مرضٍ لجميع الأطراف، بالرغم من تطبيق اتفاقية كامب ديفيد، وانسحاب إسرائيل النهائي من سيناء، ويلحون على حل القضية الفلسطينية بما يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. 

في الوقت الذي فشلت فيه جهود «فيليب حبيب»، و«موريس درايبر»، و«فير بانكس» المبعوثين الأمريكيين؛ لدفع محادثات الحكم الذاتي، وتقريب الهوة بين الطرفين المصري والإسرائيل،. كما أدركت أمريكا أن المجتمع الدولي بات يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني، وأنه لا يمكن تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط ما لم يشمل الحل حقوق الفلسطينيين في كيان مستقل. هذا فقد رأت الولايات المتحدة أن خير طريقة للحفاظ على مصالحها، مع إرضاء إسرائيل هو إعادة التركيز على قضايا الشرق الأوسط، ولو أدى ذلك إلى نوع من الضغط على إسرائيل، وقد مارست الولايات المتحدة منذ التوصل إلى قرار بوقف إطلاق النار بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية في لبنان منذ الصيف الماضي، الضغط على إسرائيل من خلال المبعوثين؛ لعدم القيام بخرق لوقف إطلاق النار والهجوم على جنوب لبنان. وإذن فإن تطور الحرب العراقية - الإيرانية على النحو، الذي بات يهدد المعادلة السياسية في المنطقة، بالإضافة لما سبق هو الذي وجه أنظار السياسة الأمريكية للشرق الأوسط، ولكن ما معالم هذه السياسة؟ أو بالأصح التحرك الجديد لمرحلة ما بعد الانسحاب من سيناء؟.

خطاب هيغ

بعد أن يقدم «هيغ» لخطابه بالأهمية الإستراتيجية للشرق الأوسط ومصالح أمريكا الحيوية في المنطقة، ويسرد تاريخ الدبلوماسية الأمريكية منذ حرب أكتوبر ۷۳، والمتغيرات السياسية الجديدة، التي اعتبر أهمها الحرب العراقية الإيرانية؛ لأنها أثارت الخطر «من عواقب مشؤومة بالنسبة لأمن المنطقة مستقبلا، والمصالح الغربية المتمثلة في تدفق النفط»، وتأزم الوضع اللبناني؛ ليخلص بعد ذلك إلى ضرورة «تكييف الأحداث»؛ لأن البديل من تكييفها «هو المعاناة منها».

وقبل أن يبدأ بتفصيل أولويات السياسية الأمريكية بين كيف يمكن إيجاد موثوقية ومصداقية السياسة الأمريكية؟، فقال: «ويمكن للولايات المتحدة أن تعمل مع أصدقائنا المحليين رغم اهتماماتهم المتعارضة أحيانا، أن تكون شريكا سريع الاستجابة في تحقيق قدر أكبر من الأمن للجميع، فقواتنا البحرية القوية، وتصميم الرئيس والشعب الأمريكي على تحسين مركزنا الدفاعي، رغم التقشف الاقتصادي هما أيضا ضروريات جدًّا بالنسبة لموثوقيتنا في الشرق الأوسط».

 وقد حدد «هيغ» هذه الأولويات بثلاث قضايا: الأولى: هي الحرب العراقية – الإيرانية. والثانية: مفاوضات الحكم الذاتي. والثالثة: أزمة لبنان التي نبه إلى أنها تؤثر في بعضها البعض.

الحرب العراقية الإيرانية: 

بالنسبة للقضية الأولى، ذكر «هيغ» أن سبب اهتمام أمريكا بهذه الحرب يعود للأسباب التالية:

 1 - التخوف من إحداث تغير في ميزان القوى الإقليمي؛ لصالح الاتحاد السوفيتي.

 ٢ - التخوف من توسع الحرب؛ لتشمل دولا أخرى.

3-التخوف من سوء العلاقات العربية – العربية، التي ترتبت على الحرب.

4 - عدم حل الخلافات سلميًّا، ينطوي على خطر كبير، ترافقه مضاعفات ومضامين مشؤومة بالنسبة للمصالح الغربية.

بعد ذلك بيّن «هيغ» معالم التحرك إزاء هذه القضية على النحو التالي: «تؤيد الولايات المتحدة جهودًا بناءة؛ لإنهاء القتال، وسحب القوات إلى ما وراء الحدود الدولية وفق شروط تحافظ على سيادة وسلامة أراضي كل من إيران والعراق، وستقوم في الأسابيع المقبلة بدور أكثر فعالية مع سائر أعضاء الأسرة الدولية المهتمين بالموضوع، كيما تتكثف الجهود لإنهاء هذه الحرب المأساوية».

محادثات الحكم الذاتي:

وبالنسبة للقضية الثانية، وهي مفاوضات الحكم الذاتي، أطال «هيغ» الحديث عنها، مشيرًا إلى الإنجاز العظيم، الذي حققته مسيرة السلام في كامب ديفيد، بالرغم من العقبات التي واجهت مرحلة الحكم الذاتي، وأوضح أن المرحلة القادمة لدقتها وحساسيتها لا تحتمل الغموض، وأشار بهذا الصدد إلى أن بلاده ترفض الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، ولم تعترف بقراري مجلس الأمن ٢٤٢، ٣٣٨، وحق إسرائيل في العيش بسلام، وحذر ما يبدو إسرائيل والفلسطينيين معًا بقوله: «والأعمال من جانب واحد، التي قد يتخذها أي فريق في محاولة للحكم مسبقًا أو المساس بالنتيجة النهائية للعملية لا تخدم سوى إثارة الشكوك، وتفاقم سوء العلاقات، حقًّا إن جميع آمالنا النهائية في السلام تعتمد في نهاية المطاف على تحقيق احترام متبادل بين العرب وإسرائيل، وسيتحمل مسؤولية كبيرة أولئك الذين يعتمون تلك الآمال دون اعتبار لمصالح إسرائيل البعيدة المدى، أو المصالح الفلسطينية الشرعية».

ویری «هيغ» أن الحكم الذاتي «يمثل الخطوة الحيوية الأولى لحل القضية الفلسطينية»، وأوضح أن الحكم الذاتي ليس نهاية المطاف، بل هو مرحلة واحدة من عملية ذات مراحل تنتهي بإقامة اتفاقيات سلام بين إسرائيل وكل من الأردن وسوريا، وحدد مسار التحرك بقوله: «والآن هو وقت مضاعفة جهودنا الرامية إلى جعل عملية السلام بموجب إطار كامب ديفيد تواصل تأدية عملها»!، وأعرب «هيغ» عن تفاؤله بنجاح هذا التحرك، بالرغم من الصعوبات التي ستواجه ترتيب المرحلة الانتقالية، وعزى تفاؤله إلى «أن الخلاف أصبح يدور بصورة متزايدة حول شروط السلام، وليس حول حقيقة أن السلام نفسه يجب أن يحل»!.

 المنظمة عامل جوهري:

وإذن فإن معالم التحرك الأمريكي الجديد المعلن ينحصر في تنشيط محادثات الحكم الذاتي، ولو مع الإشارة إلى أنها مرحلة، وإنها قد تشمل الفلسطينيين، لكن «فيليب حبيب» - الموفد الشخصي للرئيس ريغان - قال منذ حوالي أسبوعين: «ليس هناك أي احتمال لغيبة الفلسطينيين مرة أخرى عن عقول القادة الأمريكيين!». وبعده قال «وليم كوانت» - عضو مجلس الأمن القومي السابق، والذي كان مسؤولا عن شؤون الشرق الأوسط -: «يجب الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كعامل جوهري في أية محاولة أمريكية؛ لتحقيق تسوية شاملة في المنطقة». وأضاف «كوانت»: «إن واشنطن تستطيع في النهاية التأثير على إسرائيل، وتدرك واشنطن أن اعترافها بالمنظمة قد يمثل أفضل عون تستطيع تقديمه إلى الدول العربية الحليفة أو الصديقة».

من الممكن أن يكون كلام «كوانت» صحيحًا إذا كانت الدول الحليفة لأمريكا قوية، وتفرض احترامها على الإدارة الأمريكية، لكن كيف يكون الحال، وهذه الدول ترتمي في أحضان سيدها الأمريكي، وقد وضعت كل مقدراتها بين يديه!. إن أمريكا تدرك أن الصف العربي لن يجتمع؛ لأنها هي بالدرجة الأولى لا تريد له ذلك، وفي نفس الوقت تطلب من العرب أن يكونوا صفًّا واحدًا؛ لتستطيع أن تحقق لهم مبتغاهم في الحل، مما يجعلنا نميل إلى التحليل القائل بأن أمريكا بوضع المشاريع والمقترحات لحل أزمة الشرق الأوسط ولو بصورة منطقية أحيانًا، إنما تلجأ لذلك كلعبة لكسب عنصر الزمن، وتحقيق مكاسب أكثر منها، ولحليفتها المركزية إسرائيل.

ولكن إسرائيل من طرفها باتت تخشى أن تقتنع الإدارة الأمريكية بما يطالب به العرب؛ حرصًا على مصالحها، ولأن الرأي العام الأمريكي بما فيه اليهودي بات يتقبل الاعتراف بالمنظمة، والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ولذلك لجأت أخيرًا إلى الهجوم الحاقد على لبنان في محاولة للقضاء على الوجود العسكري الفلسطيني، وضرب منظمة التحرير، وخلق واقع جديد يسمح لها بضم الضفة وقطاع غزة، وغلق الطريق أمام أية مطالبة بالانسحاب، وإقامة دول فلسطينية مهما كان شكلها القانوني وولاءاتها السياسية.

أزمة لبنان:

أما القضية الثالثة، وهي أزمة لبنان، فقد أظهر «هيغ» خلافًا للعادة تعاطفًا وإشادة بالشعب اللبناني، وأبدى حرصًا على سلامة ذلك الشعب، وضرورة عيشه بسلام، بعدما شهد أعوامًا كلها أسى وجراح!، ثم خلص بعد ذلك إلى القول: «لقد حان الوقت للقيام بعمل منسق لدعم سلامة أراضي لبنان ضمن حدوده الدولية المعترف بها، ودعم حكومة مركزية قوية قادرة على تعزيز مجتمع حر ديمقراطي وتعددي تقليديا»!.

 وهذا يشمل ضمنًا ما أشارت إليه بعض المصادر الصحفية نقلا عن مسؤولين في الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة ستعمل على بسط سيطرة الحكومة المركزية على جنوب لبنان، ووضع حد لحكومة الرائد المنشق سعد حداد، وكذلك سحب قوات الردع، وإعادة النظر في الاتفاقيات المعقودة مع المقاومة الفلسطينية.

ويتضح أن المستهدف الأول في هذا التحرك هو الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، وذلك كتمهيد لما سبق أن أشار إليه «هيغ»، وهو ضرورة توصل لبنان إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، وكذلك الأردن وسوريا!.

لكن هل ستنجح أمريكا في تحركها الجديد؟، يجيب على ذلك «هيغ» نفسه قائلا: «بفضل قوتنا ومصالحنا وعلاقاتنا وأهدافنا نتمتع بمركز فريد، يتيح لنا لعب دور بناء في مساعدة دول المنطقة لتحقيق السلام والأمن، هذا الآن هو وقت أمريكا في الشرق الأوسط».

نعم صدق «هيغ»، فنحن وكما قال صلاح خلف ذات يوم: إننا نعيش في الزمن الأمريكي؛ لسبب بسيط هو أن الأنظمة العربية هي التي ارتدت هذا اللباس مع أنه يضايقها أحيانًا.

على إننا خلافًا لآمال «هيغ» مهما كان لها ما يسوغها، فإن أملنا بالله أولا، و بالشعوب المغلوبة على أمرها، فهي مرشحة اليوم قبل الغد؛ لنفض غبار الغفلة، ولمحاسبة من يقودونها إلى الزمن الأمريكي بالحديد والنار، وهي تدرك تمامًا إن إسرائيل هي الملكة المطاعة، وهي سيدة الموقف مهما ذرف «ريغان» من دموع التماسيح على ضحايا الغزو الإسرائيلي الحاقد على الشعبين الفلسطيني واللبناني، ومهما بلغت درجة ثقة حلفاء أمريكا وأصدقائها بها، وطالما الأمر كذلك فلا بد أن يأتي يوم ترتفع فيه رايات الجهاد، التي لا تفرق بين الكافر والمنافق، وما ذلك على الله بعزيز: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف:21).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

314

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان